نيكي الياباني يخترق 65000 نقطة.. والأسهم الأوروبية عند ذروة شهرين
شهدت الأسواق العالمية موجة صعود قوية خلال تعاملات الاثنين، بعدما عززت مؤشرات التقدم في المفاوضات الأميركية الإيرانية آمال المستثمرين بإمكانية إنهاء التوترات في الخليج وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسواق الأسهم في آسيا وأوروبا.
وقفز مؤشر نيكي 225 الياباني فوق مستوى 65000 نقطة للمرة الأولى في تاريخه، مدفوعاً بعودة شهية المخاطرة وانخفاض أسعار النفط، في حين صعدت الأسهم الأوروبية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من شهرين مع تراجع المخاوف المرتبطة بالتضخم والطاقة.
وجاء هذا التحول الكبير في الأسواق بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب أشار فيها إلى أن واشنطن وطهران أنجزتا «قدراً كبيراً» من المفاوضات المتعلقة بمذكرة تفاهم قد تساهم في إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف تدفقات النفط العالمية بصورة طبيعية.
وأدت تلك التطورات إلى انخفاض أسعار النفط بصورة حادة، ما دفع المستثمرين إلى العودة بقوة نحو الأصول عالية المخاطر، وعلى رأسها الأسهم العالمية، بعد أشهر من التوترات التي أثارت مخاوف واسعة بشأن التضخم وتباطؤ الاقتصاد العالمي.
اليابان أكبر المستفيدين
كانت السوق اليابانية من أبرز المستفيدين من التراجع الحاد في أسعار النفط، نظراً لاعتماد الاقتصاد الياباني بصورة شبه كاملة على واردات الطاقة من الخارج، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الخام يشكل ضغطاً مباشراً على الشركات والصناعة والاستهلاك المحلي.
وقفز مؤشر نيكي 225 بأكثر من 2.7% في التعاملات المبكرة متجاوزاً حاجز 65000 نقطة لأول مرة، بينما صعد مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً إلى مستويات قوية مدعوماً بمكاسب واسعة النطاق في مختلف القطاعات.
ويرى محللون أن المستثمرين اليابانيين كانوا من أكثر المتضررين خلال فترة الحرب والتوترات الخليجية بسبب القفزة الكبيرة في أسعار الطاقة، ولذلك جاءت مؤشرات التهدئة الحالية كعامل دعم رئيسي للأسهم اليابانية.
كما استفادت الشركات الصناعية وشركات التصدير اليابانية من تحسن المعنويات العالمية وتراجع الضغوط المرتبطة بتكاليف الطاقة والشحن، وهو ما انعكس على أداء السوق بشكل عام.
وشهدت الجلسة ارتفاع غالبية الأسهم المدرجة على المؤشر، في إشارة إلى اتساع موجة التفاؤل وعدم اقتصارها على قطاعات محددة فقط.
أوروبا تستعيد زخمها
وفي أوروبا، ارتفعت الأسهم إلى أعلى مستوياتها في أكثر من شهرين، مع اقتراب مؤشر STOXX Europe 600 من القمم القياسية التي سجلها قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وصعدت معظم القطاعات الأوروبية بقيادة أسهم البنوك والطيران، بعدما أدى انخفاض النفط إلى تخفيف المخاوف المرتبطة بالتضخم وتكاليف التشغيل.
وكان قطاع الطيران من أكبر المستفيدين، إذ تعتمد شركات الطيران بصورة مباشرة على أسعار الوقود، ولذلك أدى تراجع خام برنت إلى موجة صعود قوية في أسهم شركات كبرى مثل شركة لوفتهانزا الألمانية وشركة إير فرانس ـ كيه إل إم الفرنسية الهولندية.
كما استفادت البنوك الأوروبية من تحسن توقعات النمو الاقتصادي وتراجع احتمالات تعرض أوروبا لصدمة تضخمية جديدة مرتبطة بالطاقة.
ويعكس هذا الأداء عودة الثقة تدريجياً إلى الأسواق الأوروبية التي كانت من أكثر المناطق حساسية تجاه ارتفاع أسعار النفط، بسبب اعتماد القارة الكبير على واردات الطاقة.
النفط في قلب المشهد
لا تزال أسعار النفط تمثل العامل الأكثر تأثيراً على حركة الأسواق العالمية خلال المرحلة الحالية، إذ أدى هبوط الخام إلى ما دون 100 دولار للبرميل إلى إعادة تسعير واسعة للأصول المالية.
وخلال الأشهر الماضية، شكّل ارتفاع النفط مصدر قلق رئيسياً للمستثمرين بسبب تأثيره المباشر على التضخم وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي، خصوصاً في الاقتصادات المستوردة للطاقة مثل اليابان وأوروبا.
لكن تراجع الأسعار مؤخراً خفف جزءاً كبيراً من تلك الضغوط، ودفع المستثمرين إلى الاعتقاد بأن البنوك المركزية قد لا تضطر إلى مواصلة التشديد النقدي بنفس الحدة السابقة.
كما ساهم انخفاض النفط في تحسين التوقعات المتعلقة بأرباح الشركات، خاصة القطاعات الصناعية والنقل والطيران والخدمات اللوجستية، التي تضررت بشدة من ارتفاع تكاليف الطاقة خلال الفترة الماضية.
ويرى خبراء أن الأسواق باتت تتعامل مع أي تطورات مرتبطة بمضيق هرمز باعتبارها مؤشراً مباشراً لاتجاه الاقتصاد العالمي، نظراً لأهمية المضيق في حركة تجارة النفط والغاز.
رهانات على التهدئة
رغم استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران بشأن ملفات معقدة، فإن الأسواق بدت أكثر تركيزاً على احتمالات التهدئة بدلاً من العقبات السياسية القائمة.
ويعتقد المستثمرون أن مجرد تراجع احتمالات التصعيد العسكري يكفي لدعم الأسواق العالمية، حتى في حال عدم التوصل إلى اتفاق نهائي بشكل فوري.
لكن في المقابل، لا تزال هناك حالة من الحذر، خاصة مع استمرار الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني وعدد من القضايا الأمنية والسياسية الأخرى.
كما أن تصريحات ترامب التي أكد فيها أنه لا يريد التسرع في إبرام الاتفاق أظهرت أن المفاوضات لا تزال تواجه تحديات حقيقية، رغم الأجواء الإيجابية الحالية.
ويرى محللون أن الأسواق قد تبقى شديدة التقلب خلال المرحلة المقبلة، لأن أي انتكاسة في المحادثات قد تعيد المخاوف سريعاً إلى النفط والأسهم والعملات.
عودة شهية المخاطرة
أدت التطورات الأخيرة إلى عودة واضحة لشهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، بعدما هيمنت حالة من القلق والحذر على الأسواق خلال الأشهر الماضية.
وارتفعت مؤشرات الأسهم العالمية بالتزامن مع صعود العملات المشفرة وتراجع الذهب والدولار في بعض الجلسات، في إشارة إلى انتقال السيولة مجدداً نحو الأصول المرتبطة بالنمو والمخاطرة.
ويرى مختصون أن المستثمرين بدأوا يراهنون على مرحلة أكثر استقراراً في الاقتصاد العالمي إذا نجحت التهدئة الخليجية في خفض أسعار الطاقة واحتواء الضغوط التضخمية.
كما أن تحسن التوقعات الاقتصادية يدعم شهية المؤسسات الاستثمارية لزيادة تعرضها للأسهم، خاصة بعد فترة طويلة من التقلبات الحادة المرتبطة بالحرب والطاقة وأسعار الفائدة.
صفقات واستحواذات تنشط
انعكست الأجواء الإيجابية أيضاً على الأسهم الفردية في أوروبا، حيث شهد سهم Delivery Hero قفزة قوية بعد تقارير تحدثت عن مناقشات داخل أوبر لرفع عرض الاستحواذ على الشركة الألمانية.
ويشير ذلك إلى أن تحسن المعنويات في الأسواق قد يعيد تنشيط صفقات الاندماج والاستحواذ التي تباطأت خلال الأشهر الماضية بسبب حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع تكاليف التمويل.
كما أن انخفاض أسعار النفط وتراجع الضغوط التضخمية قد يمنح الشركات الكبرى مساحة أكبر للتحرك والتوسع خلال المرحلة المقبلة.
أسواق تتحرك على وقع السياسة
تكشف التحركات الأخيرة في الأسواق العالمية عن مدى التأثير الذي باتت تمارسه التطورات السياسية والجيوسياسية على قرارات المستثمرين واتجاهات رؤوس الأموال.
فخلال ساعات فقط، انتقلت الأسواق من التركيز على مخاطر الحرب والطاقة والتضخم إلى موجة تفاؤل مدفوعة بآمال التهدئة وإعادة فتح مضيق هرمز.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بصورة كبيرة بمسار العلاقات بين واشنطن وطهران، لأن أي تقدم إضافي في المفاوضات قد يدفع الأسواق إلى تحقيق مكاسب جديدة، بينما قد يؤدي أي فشل أو تصعيد مفاجئ إلى عودة التقلبات بقوة.
ولهذا، يتوقع محللون أن تبقى الأسهم العالمية خلال الفترة المقبلة رهينة مزيج معقد من السياسة والطاقة والتضخم وأسعار الفائدة، في وقت يحاول فيه المستثمرون استشراف شكل الاقتصاد العالمي بعد واحدة من أكثر الفترات تقلباً في السنوات الأخيرة.