نيكي يحقق مستويات قياسية جديدة… والأسواق الأوروبية تتراجع مع صعود النفط
شهدت الأسواق العالمية بداية متباينة للأسبوع، حيث واصلت الأسهم اليابانية تسجيل مستويات تاريخية جديدة مدفوعة بالزخم المتسارع لقطاع الذكاء الاصطناعي، بينما تعرضت الأسهم الأوروبية لضغوط نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط. ويعكس هذا التباين اتساع الفجوة بين الأسواق التي تستفيد من ثورة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتلك الأكثر حساسية لمخاطر الطاقة والاضطرابات السياسية العالمية.
وتبرز التطورات الأخيرة التحول الكبير الذي تشهده أسواق المال العالمية، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم المحركات الاستثمارية خلال السنوات الأخيرة، في حين لا تزال المخاطر الجيوسياسية والطاقة تمثل عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاهات الأسواق الأوروبية.
قفزة تاريخية
نجح مؤشر نيكي الياباني في تجاوز حاجز 67 ألف نقطة للمرة الأولى في تاريخه، ليصل خلال الجلسة إلى مستوى قياسي بلغ 67,231 نقطة قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه وينهي التداولات عند 66,934 نقطة مرتفعاً بنحو 0.9 %.
ويمثل هذا الإنجاز محطة جديدة في مسيرة السوق اليابانية التي استفادت بشكل كبير من موجة التفاؤل العالمية تجاه شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما يعكس الثقة المتزايدة للمستثمرين في قدرة الشركات اليابانية على الاستفادة من التحول الرقمي العالمي والطلب المتزايد على البنية التحتية التقنية.
وتأتي هذه المكاسب في وقت تشهد فيه أسواق المال العالمية حالة من التباين بين القطاعات، حيث تتركز التدفقات الاستثمارية بشكل متزايد نحو الشركات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والحوسبة والذكاء الاصطناعي.
كما ساهمت التوقعات الإيجابية لأرباح الشركات اليابانية في تعزيز شهية المستثمرين، خاصة مع استمرار النمو القوي في الطلب العالمي على الرقائق الإلكترونية والخوادم ومكونات البنية التحتية الرقمية.
صعود سوفت بنك
كانت مجموعة سوفت بنك المحرك الرئيسي لمكاسب السوق اليابانية خلال الجلسة، بعـدما قفز سهمها بنسبـة 14 %، مضيفاً وحده نحو 845 نقطة إلى مؤشر نيكي، وهو ما تجاوز إجمالي المكاسب النهائية للمؤشر بأكمله.
وأدى هذا الارتفاع القوي إلى صعود القيمة السوقية للمجموعة إلى نحو 48.8 تريليون ين، ما جعلها الشركة الأعلى قيمة في اليابان متجاوزة شركة تويوتا موتور التي تراجعت قيمتها السوقية إلى نحو 45.9 تريليون ين بعد انخفاض سهمها بنسبة 4.5 %.
ويعكس هذا التحول التاريخي تغير أولويات المستثمرين في أكبر اقتصاد آسيوي بعد الصين، حيث تتجه رؤوس الأموال بصورة متزايدة نحو الشركات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتقنيات المستقبلية على حساب القطاعات الصناعية التقليدية.
ويرى محللون أن تجاوز سوفت بنك لتويوتا يحمل دلالات رمزية مهمة، إذ يعكس انتقال مركز الثقل الاستثماري من الصناعات التقليدية إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبارهما محركي النمو الرئيسيين خلال العقود المقبلة.
رهان فرنسي
عززت سوفت بنك تفاؤل المستثمرين بعدما أعلنت التزامها باستثمار نحو 75 مليار يورو، أي ما يعادل 87.3 مليار دولار، خلال السنوات الخمس المقبلة لإنشاء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي في فرنسا.
ويعد هذا المشروع من أكبر الاستثمارات العالمية المعلنة في مجال الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الأخيرة، ويؤكد استمرار السباق الدولي لبناء مراكز بيانات ضخمة وشبكات حوسبة متطورة قادرة على دعم التطبيقات المتقدمة للذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه الخطوة إدراك الشركات العالمية لأهمية البنية التحتية الرقمية باعتبارها العنصر الأساسي في المنافسة المستقبلية، خاصة مع تزايد الطلب على قدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل النماذج الذكية والتطبيقات المعتمدة على البيانات الضخمة.
كما أن الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع تمنح الأسواق المالية مبررات إضافية لمواصلة دعم أسهم التكنولوجيا، حتى في ظل ارتفاع التقييمات السوقية إلى مستويات قياسية.
أسهم التكنولوجيا
أظهر أداء السوق اليابانية اتساع الفجوة بين أسهم التكنولوجيا وبقية القطاعات الاقتصادية. ففي الوقت الذي واصل فيه مؤشر نيكي تحقيق مكاسب قوية، تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 0.4 %، ما يعكس تركّز الصعود في عدد محدود من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وشهدت أسهم شركات تكنولوجيا المعلومات ارتفاعاً بلغ 5.6 % لتتصدر القطاعات الرابحة، بينما كانت أسهم شركات السيارات من بين الأسوأ أداءً بعد تراجعها بنحو 3.8 %.
كما امتد الاهتمام الاستثماري إلى شركات كانت تعتبر حتى وقت قريب خارج دائرة المستفيدين المباشرين من طفرة الذكاء الاصطناعي، مثل شركة موراتا للتصنيع المتخصصة في المكونات الإلكترونية، والتي قفز سهمها بنحو 9 %.
ويرى خبراء السوق أن الطلب العالمي المتزايد على الخوادم ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية يدعم سلسلة واسعة من الشركات الصناعية والتكنولوجية المرتبطة بشكل غير مباشر بقطاع الذكاء الاصطناعي.
زخم الأرباح
يرى محللو المؤسسات الاستثمارية العالمية أن المكاسب الحالية لا تستند فقط إلى الحماس المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بل تعتمد أيضاً على تحسن فعلي في نتائج الشركات وأرباحها التشغيلية.
فقد ساهمت الأرباح القوية والتوقعات الإيجابية في دعم ثقة المستثمرين، رغم المخاوف المتعلقة بارتفاع التقييمات واحتمالات زيادة التقلبات في المستقبل.
وتشير التقديرات إلى أن العديد من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تزال تحقق نمواً فعلياً في الإيرادات والأرباح، وهو ما يمنح موجة الصعود الحالية دعماً أساسياً يتجاوز المضاربات قصيرة الأجل.
ولهذا السبب يواصل المستثمرون توجيه جزء كبير من تدفقاتهم المالية نحو الشركات التي تستفيد من النمو السريع في الإنفاق العالمي على التكنولوجيا والحوسبة المتقدمة.
ضغوط أوروبية
في المقابل، بدأت الأسواق الأوروبية الأسبوع على نغمة مختلفة تماماً، حيث تراجع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.1 % مع تزايد المخاوف المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وجاء هذا التراجع بعدما تلاشت جزئياً موجة التفاؤل التي سادت الأسواق خلال الأيام الماضية بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق يضع حداً للصراع في المنطقة. ومع استمرار الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران، عاد المستثمرون إلى تبني مواقف أكثر تحفظاً.
وتعد أوروبا من أكثر المناطق الاقتصادية حساسية تجاه اضطرابات أسواق الطاقة، نظراً لاعتمادها الكبير على الواردات لتلبية احتياجاتها من النفط والغاز. ولذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على توقعات النمو والتضخم والأرباح.
كما أدى ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 2 % إلى زيادة الضغوط على القطاعات المستهلكة للطاقة، بينما استفادت شركات النفط والطاقة من هذه التطورات وسجلت مكاسب ملحوظة.
صفقات واستحواذات
رغم الأجواء الحذرة، شهدت الأسواق الأوروبية بعض النقاط المضيئة المرتبطة بأنشطة الاندماج والاستحواذ. فقد قفز سهم شركة إيزي جيت البريطانية بنحو 11 % بعد تأكيد وجود اهتمام استثماري محتمل من شركة استثمار أميركية لدراسة إمكانية التقدم بعرض استحواذ.
وفي المقابل، تراجع سهم مجموعة يونيفرسال ميوزيك بنحو 1.5% بعد رفضها عرض استحواذ غير مرغوب فيه من إحدى الشركات الاستثمارية الكبرى.
وتعكس هذه التحركات استمرار نشاط صفقات الشركات رغم التقلبات الجيوسياسية، وهو ما يشير إلى بقاء الثقة في الأسس الاقتصادية للعديد من الشركات الأوروبية.
وفي المجمل، تكشف تحركات الأسواق العالمية عن مشهد استثماري منقسم بين قوتين متعاكستين؛ الأولى تتمثل في الزخم الهائل الذي يقوده الذكاء الاصطناعي ويعزز مكاسب أسهم التكنولوجيا، والثانية تتمثل في المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة التي تضغط على شهية المستثمرين. وبين هذين العاملين، يبدو أن الأسواق العالمية ستظل شديدة الحساسية لأي تطورات جديدة سواء في ساحات التكنولوجيا أو في بؤر التوتر الجيوسياسي خلال الأشهر المقبلة.