نيكي يعكس خسائره وأوروبا تستعيد توازنها بدعم التكنولوجيا
شهدت الأسواق العالمية بداية أسبوع متقلبة، إلا أنها نجحت في استعادة جزء كبير من خسائرها مع تحسن شهية المستثمرين تجاه أسهم التكنولوجيا، ليعكس مؤشر «نيكي» الياباني اتجاهه ويغلق على ارتفاع، فيما استقرت الأسهم الأوروبية مدعومة بمكاسب شركات التكنولوجيا، رغم استمرار حالة الحذر المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وجاء التحسن بعد أن تلقت أسهم شركات أشباه الموصلات دفعة قوية من إعلان كوريا الجنوبية إطلاق استثمارات ضخمة في قطاع الرقائق والذكاء الاصطناعي، وهو ما ساعد المستثمرين على تجاوز موجة البيع العنيفة التي ضربت القطاع في نهاية الأسبوع الماضي، وأعاد الثقة تدريجياً إلى أحد أهم محركات النمو في الأسواق العالمية.
وارتفع مؤشر «نيكي» الياباني بنسبة 0.15 % ليغلق عند 69468.11 نقطة، بعدما كان قد فقد نحو 2 % من قيمته خلال الجلسة، في حين صعد مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.47 %، بما يعكس تحسناً في المعنويات الاستثمارية مع نهاية التداولات.
وفي أوروبا، حافظ مؤشر «ستوكس 600» على استقراره قرب مستوى 636 نقطة، مدعوماً بمكاسب قطاع التكنولوجيا، بينما واصل المستثمرون تقييم تداعيات وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيره في أسواق الطاقة والسلع.
الرقائق تعيد رسم اتجاه السوق
كان قطاع أشباه الموصلات المحرك الرئيس لتحول الأسواق اليابانية من الخسائر إلى المكاسب، بعدما بدأت موجة البيع التي ضربت أسهم القطاع في التراجع تدريجياً.
وجاء هذا التحول عقب إعلان الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونج عن خطة استثمارية ضخمة تبلغ قيمتها نحو 520 مليار دولار، تشارك فيها شركتا سامسونج إلكترونيكس وإس كيه هاينكس بالتعاون مع شبكة واسعة من الموردين، لإنشاء مجمعات جديدة لصناعة رقائق الذاكرة وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وينظر المستثمرون إلى هذه الخطة باعتبارها واحدة من أكبر المبادرات الصناعية في آسيا، إذ تعزز مكانة كوريا الجنوبية في سوق الرقائق العالمية، وتؤكد استمرار الإنفاق الضخم على البنية التحتية الرقمية رغم التقلبات الاقتصادية.
ويرى محللون أن الإعلان الكوري منح الأسواق رسالة واضحة مفادها أن الطلب طويل الأجل على الرقائق لا يزال قوياً، وأن التصحيح الأخير في أسعار الأسهم لا يعكس تراجعاً في أساسيات القطاع.
من الخسائر إلى الارتداد
بدأت الجلسة في طوكيو تحت ضغط عمليات بيع واسعة، متأثرة بالهبوط الحاد الذي سجله مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة نهاية الأسبوع الماضي.
غير أن المستثمرين عادوا تدريجياً إلى شراء الأسهم التي تعرضت لأكبر موجة تراجع، وهو ما أدى إلى تقليص خسائر شركات الرقائق وتحول المؤشرات اليابانية إلى المنطقة الخضراء.
ورغم استمرار انخفاض بعض الأسهم، مثل «كيوكسيا» و«أدفانتست»، فإن تقليص خسائرها، إلى جانب صعود سهم «طوكيو إلكترون»، كان كافياً لدفع مؤشر «نيكي» إلى الارتفاع عند الإغلاق.
ويرى خبراء الأسواق أن هذا السلوك يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص الفرص بعد التصحيح الحاد، خاصة في القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي ما تزال تحظى بتوقعات نمو قوية على المدى الطويل.
الذكاء الاصطناعي ما زال المحرك الأكبر
رغم التقلبات الأخيرة، لا يزال قطاع الذكاء الاصطناعي يمثل المحرك الأساسي لأسواق التكنولوجيا العالمية.
فالاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات، ورقائق الحوسبة، والبنية التحتية الرقمية، تواصل دعم توقعات النمو لشركات أشباه الموصلات، حتى مع تزايد المخاوف من ارتفاع تقييماتها السوقية.
ويرى محللون أن ما تشهده الأسواق حالياً لا يمثل تحولاً في النظرة إلى القطاع، بقدر ما يعكس عمليات إعادة تقييم طبيعية بعد المكاسب القياسية التي سجلتها أسهم التكنولوجيا خلال السنوات الماضية.
كما أن استمرار الحكومات والشركات الكبرى في ضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي يعزز التوقعات بأن يبقى القطاع أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل.
أوروبا تتماسك بدعم التكنولوجيا
لم تكن الأسواق الأوروبية بعيدة عن التحولات التي شهدتها بورصة طوكيو، إذ نجح قطاع التكنولوجيا في الحد من الضغوط التي فرضتها المخاوف الجيوسياسية وتوقعات استمرار التشدد النقدي.
وحافظ مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي على استقراره، بعدما قادت شركات التكنولوجيا المكاسب القطاعية، مستفيدة من عودة المستثمرين إلى شراء الأسهم التي تعرضت لعمليات بيع قوية خلال الأسبوع الماضي.
كما تلقى القطاع دعماً إضافياً من الإعلان عن صفقة استحواذ كبيرة في مجال الهندسة الرقمية والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي عزز الثقة باستمرار نشاط الاندماجات والاستحواذات في القطاعات التقنية رغم ارتفاع أسعار الفائدة.
ويرى محللون أن شركات التكنولوجيا الأوروبية لا تزال تتمتع بإمكانات نمو قوية، خصوصاً في مجالات البرمجيات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وهي قطاعات يتوقع أن تستفيد من استمرار التحول الرقمي عالمياً.
المستثمرون يعيدون توزيع المحافظ
تعكس التحركات الأخيرة تحولاً في إستراتيجيات المستثمرين أكثر من كونها تغيراً في النظرة إلى قطاع التكنولوجيا.
فبعد موجة البيع العنيفة التي تعرضت لها أسهم الرقائق، اتجهت المحافظ الاستثمارية إلى إعادة بناء المراكز في الشركات التي تراجعت بصورة حادة، مستفيدة من انخفاض الأسعار وتراجع الضغوط البيعية.
وفي المقابل، شهدت بعض القطاعات التقليدية عمليات جني أرباح، في إطار إعادة توزيع الأوزان داخل المحافظ بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.
ويرى خبراء أن هذا السلوك يعكس استمرار الثقة في قطاع التكنولوجيا على المدى الطويل، مع ميل المستثمرين إلى استغلال فترات التصحيح لزيادة المراكز الاستثمارية في الشركات ذات الأساسيات القوية.
الطاقة والتعدين تحت الضغط
على الرغم من ارتفاع أسعار النفط، جاءت تحركات أسهم الطاقة والتعدين في اليابان مخالفة للتوقعات، حيث سجل القطاعان تراجعاً ملحوظاً خلال الجلسة.
وانخفض قطاع التعدين بأكثر من 1.8%، فيما تراجعت أسهم شركات تكرير النفط بأكثر من 1%، في إشارة إلى أن المستثمرين ركزوا بصورة أكبر على آفاق الطلب العالمي بدلاً من الارتفاع المحدود في أسعار الخام.
ويعكس هذا الأداء أيضاً اعتقاد الأسواق بأن اتفاق وقف الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران، رغم هشاشته، يقلل من احتمالات حدوث اضطرابات واسعة في إمدادات النفط، الأمر الذي يحد من المكاسب المحتملة لشركات الطاقة.
كما يرى محللون أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً تجاه القطاعات الدورية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن النمو الاقتصادي العالمي.
الجغرافيا السياسية لم تعد المحرك الوحيد
رغم استمرار التوترات في الشرق الأوسط، فإن تأثيرها على الأسواق المالية بدا أقل وضوحاً مقارنة بفترات سابقة.
فالمستثمرون يعتقدون أن الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران، رغم هشاشته، ساهم في تقليص احتمالات اتساع نطاق المواجهة العسكرية، وهو ما حد من عمليات البيع في الأسواق العالمية.
كما أن استمرار تدفق شحنات النفط عبر مضيق هرمز خفف من مخاوف نقص الإمدادات، الأمر الذي أبقى أسعار النفط ضمن نطاقات مستقرة نسبياً، وأتاح للأسواق التركيز على نتائج الشركات والتوقعات الاقتصادية.
ويرى خبراء أن الأسواق أصبحت أكثر قدرة على التمييز بين الأحداث الجيوسياسية قصيرة الأجل والعوامل الاقتصادية طويلة الأجل، وهو ما يفسر محدودية ردود الفعل مقارنة بالأزمات السابقة.