هجمات الناقلات تدفع برنت إلى 88.52 دولار
عادت المخاطر الجيوسياسية لتفرض إيقاعها بقوة على سوق النفط العالمية، بعدما أنهت أسعار الخام تعاملات الجمعة على ارتفاع بأكثر من دولار للبرميل، مدفوعة بهجمات جديدة على ناقلات نفط في منطقة مضيق هرمز، إلى جانب استمرار تعثر الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقيادة إيران.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 1.45 دولار، بما يعادل 1.67%، لتغلق عند 88.52 دولار للبرميل، فيما ارتفعت العقود الآجـلـة لخــام غرب تكســاس الوسيط الأميركي 1.15 دولار، أو 1.42 %، إلى 82.40 دولار للبرميل.
وبذلك، أنهى برنت الأسبوع بمكاسب تقارب 6 %، بينما ارتفع الخام الأميركي بنحو 5.4 %، في مؤشر على عودة المتعاملين إلى تسعير احتمالات استمرار اضطرابات الإمدادات خلال الفترة المقبلة، رغم المخاوف المتعلقة بضعف الطلب العالمي وارتفاع المخزونات الأميركية.
مضيق هرمز
يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في اتجاهات أسعار الطاقة، ليس فقط بسبب كميات النفط التي تمر عبره، وإنما لأن أي اضطراب طويل في الملاحة يهدد تدفقات الخام والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وقبل بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، كان يمر عبر المضيق نحو 20 % من الإمدادات العالمية اليومية من النفط والغاز الطبيعي المسال، وهو ما يجعل أي تعطيل لحركة السفن قادراً على إحداث اضطراب واسع في أسواق الطاقة.
ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران بشأن السيطرة على المضيق، انخفضت حركة الملاحة عبر الممر المائي إلى ما دون متوسط الشهر، الأمر الذي يعزز المخاوف من أن يتحول التوتر العسكري إلى أزمة مستمرة في حركة التجارة. ولا تتعامل السوق فقط مع الكميات التي تتوقف فعلياً، وإنما تسعّر كذلك احتمالات فقدان إمدادات مستقبلية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتأخر وصول الناقلات. لذلك يمكن لأي هجوم جديد أن يضيف سريعاً علاوة مخاطر إلى الأسعار حتى دون خسارة مباشرة لكميات كبيرة من الخام.
هجمات الناقلات
ازدادت المخاوف بعدما أفادت وكالة أنباء الإمارات بأن ناقلتين تابعتين لشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» تعرضتا لهجوم أثناء عبورهما مضيق هرمز مساء الخميس، فيما نددت حكومة الإمارات بما وصفته بـ«الهجوم الإيراني العدواني».
وتضع مثل هذه الهجمات قطاع الشحن البحري في قلب الأزمة، إذ إن تكرار استهداف الناقلات قد يدفع شركات النقل والتأمين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمرور عبر المضيق، وهو ما يمكن أن يرفع تكلفة نقل النفط حتى في حال استمرار تدفقه.
وقال أندرو ليبو، رئيس شركة «ليبو أويل أسوشيتس»، إن الأسعار ارتفعت مع اقتراب مطلع الأسبوع عقب الهجمات الجديدة على الناقلات وعدم إحراز تقدم بشأن وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن استمرار حركة الملاحة في هرمز سيكون عاملاً حاسماً للسوق، في ظل الأهمية الاستراتيجية للممر بالنسبة إلى الإمدادات العالمية.
ومع ارتفاع المخاطر، لا يصبح السؤال مقتصراً على حجم النفط المتاح، بل يمتد إلى قدرة الناقلات على نقله بأمان، وتكلفة التأمين عليه، والوقت اللازم لوصول الشحنات إلى الأسواق المستهلكة.
وقود أغلى
لا تتوقف التداعيات عند سعر برميل الخام، إذ يمكن لاضطراب الإمدادات البحرية أن ينعكس بصورة أكبر على أسواق المنتجات المكررة، خصوصاً الديزل والبنزين، نتيجة اختلاف مواقع المصافي ومراكز الاستهلاك وتكاليف النقل وتوافر المخزونات.
وأشار ليبو إلى أن سعر برميل الخام قد يبلغ 80 دولاراً، بينما يصل سعر برميل الديزل إلى 180 دولاراً والبنزين إلى 130 دولاراً، وهو ما يوضح حجم الضغوط التي يمكن أن تنتقل مباشرة إلى المستهلك.
ويمثل ارتفاع أسعار الديزل تحديداً خطراً اقتصادياً واسعاً، نظراً إلى استخدامه في النقل البري والبحري والصناعة والزراعة، ما يعني أن زيادة تكلفته يمكن أن تنتقل إلى أسعار مجموعة كبيرة من السلع والخدمات.
أما ارتفاع البنزين فينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات الأسر، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على السيارات، ويمكن أن يؤدي استمرار ارتفاع الوقود إلى زيادة الضغوط التضخمية وتقليص الإنفاق الاستهلاكي.
ضغط أميركي
في المقابل، لا تشير المواقف الأميركية إلى قرب تخفيف الضغط على إيران، إذ قالت الولايات المتحدة الخميس إنها تستطيع مواصلة الحصار البحري على طهران إلى أجل غير مسمى، وستصعد الضغوط الاقتصادية مع تعثر محادثات وقف إطلاق النار.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن تستعد لإصدار المزيد من القرارات خلال الأسبوع المقبل، متحدثاً عن تدابير غير مسبوقة تستهدف زيادة العزلة الاقتصادية المفروضة على إيران.
وتعزز هذه التصريحات المخاوف من أن تتحول المواجهة من أزمة قصيرة إلى مرحلة ممتدة من الضغوط الاقتصادية والبحرية، وهو سيناريو من شأنه إبقاء علاوة المخاطر مرتفعة في أسعار النفط.
وبالنسبة إلى الأسواق، فإن طول أمد الأزمة ربما يكون أكثر أهمية من شدة التصعيد في يوم واحد؛ إذ تستطيع السوق استيعاب صدمة مؤقتة إذا عادت التدفقات سريعاً، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تتحول القيود على الملاحة والهجمات والعقوبات إلى واقع يستمر لأسابيع أو أشهر.
مخزونات مرتفعة
ورغم قوة العامل الجيوسياسي، تواجه أسعار النفط قوة معاكسة تتمثل في ارتفاع المخزونات الأميركية ومؤشرات تباطؤ الطلب العالمي، وهو ما يفسر التقلبات الحادة التي تشهدها السوق بين جلسة وأخرى.
وسجلت مخزونات النفط الخام الأميركية أكبر زيادة أسبوعية منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف، ما أعاد المخاوف بشأن توازن العرض والطلب إلى الواجهة، خصوصاً إذا هدأت التوترات في الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.
وعادة ما يشكل ارتفاع المخزونات ضغطاً على الأسعار، لأنه يشير إلى توافر إمدادات كافية مقارنة بمستويات الاستهلاك، ويمنح السوق هامشاً أكبر لمواجهة الاضطرابات المؤقتة.
لكن تأثير المخزونات تراجع مؤقتاً أمام تصاعد المخاطر في مضيق هرمز، إذ أعادت الهجمات على الناقلات التركيز إلى جانب العرض وأمن الإمدادات، بدلاً من وفرة الخام داخل الولايات المتحدة.
ويعكس ذلك مدى صعوبة قراءة السوق الحالية، إذ يمكن لبيانات اقتصادية سلبية أن تدفع الأسعار إلى الانخفاض في جلسة، قبل أن يؤدي تطور أمني واحد في المنطقة إلى عكس الاتجاه سريعاً.
معركة الطلب
إلى جانب المخزونات، تراقب السوق توقعات الطلب العالمي التي أصبحت أقل تفاؤلاً، بعدما أشارت تقديرات منظمة «أوبك» إلى تباطؤ نمو الطلب، ما يضيف عاملاً ضاغطاً على الأسعار في مواجهة علاوة المخاطر الجيوسياسية.
وهنا تظهر المعادلة الأكثر تعقيداً أمام المتعاملين: المخاطر المتعلقة بالإمدادات تدفع الأسعار إلى أعلى، لكن ارتفاع النفط نفسه يمكن أن يؤدي في النهاية إلى إضعاف الطلب.
فكلما ارتفعت أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات، زادت تكاليف الشركات والأسر، وهو ما قد يقلص الاستهلاك ويضغط على النشاط الاقتصادي، خصوصاً إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
ومن ثم، فإن استمرار برنت عند مستويات مرتفعة يتطلب فقداناً فعلياً وممتداً للإمدادات لا تستطيع المخزونات أو الإمدادات البديلة تعويضه. أما إذا تحسنت حركة الملاحة عبر هرمز أو ظهر تقدم سياسي، فقد تعود أساسيات السوق، وفي مقدمتها الطلب والمخزونات، سريعاً إلى صدارة المشهد.
أسواق متأرجحة
تكشف تحـركـــات الأسبوع أن النفط أصبح عالقاً بين قوتين متعاكستين: مؤشرات تباطؤ الطلب وارتفاع المخزونات من جهة، ومخاطر استثنائية تحيط بأحد أهم ممرات الطاقة في العالم من جهة أخرى.
وفي هذه البيئة، تصبح الأخبار المتعلقة بالناقلات والمفاوضات والعقوبات وحركة السفن أكثر تأثيراً في الأسعار على المدى القصير. فالمتعاملون لا يسعّرون البراميل المتاحة حالياً فقط، وإنما احتمال أن تصبح الإمدادات المقبلة أكثر صعوبة وأعلى تكلفة.
وفي حال استمرار حركة الملاحة عند مستويات منخفضة وتكرار الهجمات، يمكن أن تظل علاوة المخاطر حاضرة بقوة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن. أما عودة التدفقات إلى مستوياتها الطبيعية، فقد تعيد المخاوف بشأن ضعف الطلب وارتفاع المخزونات إلى واجهة السوق.
هرمز يرسم مسار الأسعار المقبلة
مع إغلاق برنت عند 88.52 دولار وغرب تكساس عند 82.40 دولار، تدخل سوق النفط مرحلة شديدة الحساسية، إذ يتوقف اتجاه الأسعار على ما إذا كانت اضطرابات هرمز ستتحول إلى أزمة إمدادات ممتدة أم تنجح الجهود السياسية في تخفيف التصعيد. وحتى تتضح الصورة، ستظل أخبار الناقلات والملاحة والعقوبات المحرك الأسرع للأسعار، فيما تحد مخاوف الطلب والمخزونات من اندفاعها صعوداً، لتبقى سوق النفط عالقة بين مخاطر نقص الإمدادات واحتمالات تراجع الاستهلاك العالمي.