هرمز يرفع النفط والأسواق تترقب الاتفاق الحاسم
ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات الخميس مع عودة العامل الجيوسياسي إلى واجهة الأسواق العالمية، بعدما عززت التطورات المتعلقة بالمفاوضات بين إيران وسلطنة عمان الآمال بإمكانية التوصل إلى تفاهم يسمح باستئناف حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم. ورغم أن الأسواق استقبلت الأخبار بنبرة تفاؤل حذرة، فإن المستثمرين فضلوا عدم المبالغة في الرهانات قبل صدور إعلان رسمي، في ظل استمرار الضبابية بشأن تفاصيل الاتفاق وآلية تنفيذه والضمانات المرتبطة به.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى 80.33 دولاراً للبرميل بزيادة بلغت 1.11 %، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 75.93 دولاراً للبرميل، في إشارة إلى أن المتعاملين أعادوا تسعير المخاطر المرتبطة بالإمدادات، مع ترقب ما إذا كانت المفاوضات ستفضي إلى إعادة فتح المضيق بصورة مستقرة ومستدامة.
رهانات الأسواق
تعكس التحركات الأخيرة في أسعار النفط حالة دقيقة من التوازن بين عاملين متناقضين؛ الأول يتمثل في احتمالات انحسار التوترات السياسية والعسكرية إذا نجحت الجهود الدبلوماسية، والثاني يتمثل في استمرار المخاطر الأمنية التي تجعل أي انفراجة عرضة للانتكاس في أي لحظة.
وتاريخياً، كانت أسعار النفط تتفاعل بسرعة مع أي تطور يمس مضيق هرمز، نظراً لأن جزءاً كبيراً من صادرات النفط والغاز العالمية يمر عبره يومياً، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة ينعكس فوراً على تكلفة الطاقة وأسعار الشحن والتأمين.
ويرى محللون أن الأسواق لا تتعامل مع الاتفاق المحتمل باعتباره نهاية للأزمة، وإنما باعتباره بداية مرحلة انتقالية تحتاج إلى اختبارات عملية قبل استعادة الثقة الكاملة في أمن الملاحة.
اتفاق مرتقب
وزادت حالة الترقب بعدما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم بشأن الإحداثيات الجغرافية للمسار الملاحي في مضيق هرمز، مع استمرار العمل على وضع اللمسات الأخيرة لإعلان مشترك، شريطة عدم تدخل أطراف ثالثة.
كما كشفت مصادر مطلعة عن تفاهم يمتد لمدة 60 يوماً يهدف إلى إعادة الملاحة تدريجياً، تمهيداً لإطلاق مفاوضات فنية أوسع، مع عدم فرض رسوم عبور على السفن، وإمكانية مشاركة أطراف إقليمية في عمليات إزالة الألغام والإجراءات الفنية اللازمة لتأمين الممرات البحرية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن السفن المتجهة إلى داخل الخليج ستستخدم الممر الأقرب إلى إيران، بينما تسلك السفن المغادرة الممر الأقرب إلى سلطنة عمان، في محاولة لتنظيم حركة العبور وتقليل احتمالات الاحتكاك.
غير أن هذه الترتيبات لا تزال بحاجة إلى موافقات سياسية نهائية، الأمر الذي يفسر استمرار الحذر في تعاملات الأسواق رغم الارتفاع المسجل في الأسعار.
علاوة المخاطر
لا يعكس صعود النفط نقصاً فعلياً في الإمدادات بقدر ما يعبر عن عودة ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وهي الزيادة التي يضيفها المستثمرون إلى الأسعار تحسباً لاحتمال حدوث اضطرابات مستقبلية.
فحتى مع الحديث عن انفراج محتمل، فإن المستثمرين يدركون أن منطقة الخليج ما زالت تمر بمرحلة حساسة، وأن أي حادث أمني أو تعثر في تنفيذ الاتفاق قد يعيد الأسواق إلى دائرة القلق سريعاً.
وتؤكد محللة الأسواق في شركة «إكس إس دوت كوم» لينه تران أن الجهود الدبلوماسية الحالية عززت الآمال بخفض التوتر، لكنها لم تلغ المخاطر المرتبطة بالنشاط العسكري والنقل البحري وإمدادات النفط في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر استمرار الحساسية الشديدة للأسعار تجاه أي تطور سياسي.
بيانات أميركية
في المقابل، لم تكن العوامل الأساسية في سوق النفط داعمة بالكامل لارتفاع الأسعار، إذ أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع مخزونات النفط الخام، بالتزامن مع انخفاض طفيف في معدلات تشغيل المصافي وزيادة محدودة في الواردات.
وعادة ما تشكل زيادة المخزونات عاملاً ضاغطاً على أسعار النفط لأنها تعكس تراجعاً نسبياً في الطلب أو زيادة في المعروض، إلا أن تأثير هذه البيانات جاء محدوداً هذه المرة، بعدما طغت الاعتبارات الجيوسياسية على المؤشرات التقليدية للعرض والطلب.
ويؤكد ذلك أن الأسواق في المرحلة الحالية تمنح التطورات السياسية وزناً أكبر من البيانات الاقتصادية، باعتبار أن أي تغيير في وضع مضيق هرمز ستكون له انعكاسات أوسع بكثير من تغيرات أسبوعية في المخزونات الأميركية.
شحن وتأمين
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على أسعار النفط وحدها، بل امتدت إلى قطاع النقل البحري، حيث تواصل شركات الشحن والتأمين مراقبة التطورات عن كثب، نظراً لأن استقرار الملاحة في المضيق يحدد مستويات المخاطر وتكاليف التأمين على السفن.
ورغم الأنباء الإيجابيـة بشــأن المفاوضات، فإن حادثة إبلاغ ربان ناقلة نفط عن سماع دوي انفجارين أثناء عبور مضيق هرمز أعادت التذكير بأن المنطقة لا تزال معرضة للحوادث الأمنية، حتى في ظل المساعي الدبلوماسية.
وأكدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت البلاغ دون تسجيل أضرار بيئية، إلا أن مثل هذه الحوادث تظل كافية لإبقاء شركات الشحن في حالة تأهب، وهو ما ينعكس على تكلفة النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
مرحلة جديدة للأسواق
العالمية والطاقة
في المجمل، تبدو أسواق النفط أمام مرحلة انتقالية تجمع بين التفاؤل والحذر، إذ إن التفاهمات الجارية حول مضيق هرمز فتحت الباب أمام احتمال استعادة أحد أهم الممرات البحرية لحركته الطبيعية، لكنها لم تبدد بعد المخاوف المرتبطة بالتنفيذ والاستقرار طويل الأجل. وبينما تواصل البيانات الاقتصادية إرسال إشارات متباينة، يبقى العامل الجيوسياسي هو المحرك الرئيسي للأسعار في الوقت الراهن، ما يعني أن أي إعلان رسمي أو تطور ميداني خلال الأيام المقبلة قد يغير اتجاه السوق سريعاً، سواء نحو مزيد من الارتفاع إذا تعثرت الجهود، أو نحو الاستقرار إذا نجحت الدبلوماسية في تحويل التفاهمات إلى واقع عملي يطمئن أسواق الطاقة العالمية.