هرمز يشعل أسواق الطاقة ويهدد الإمدادات العالمية
دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة أكثر حساسية مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تؤكد فيه واشنطن استمرار حركة الملاحة التجارية عبر الممر البحري الأكثر أهمية لتجارة النفط العالمية، بينما تتزايد المخاوف من انعكاسات أي تعطيل طويل الأمد على أسواق الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد العالمية.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن القوات الأميركية واصلت تأمين الملاحة في مضيق هرمز، مشيرة إلى نجاح أكثر من 800 سفينة في عبور المضيق، ونقل ما يزيد على 400 مليون برميل من النفط، رغم التطورات العسكرية الأخيرة.
وقالت القيادة إن القوات الأميركية نفذت الجولة الثالثة من الضربات الجوية خلال أسبوع، مستهدفة نحو 140 هدفاً عسكرياً إيرانياً خلال يوم السبت فقط، فيما تجاوز إجمالي الأهداف التي تم ضربها خلال الأيام الثلاثة الماضية 300 هدف، شملت مواقع للصواريخ والطائرات المسيّرة ومنشآت بحرية ومستودعات ذخيرة وشبكات اتصالات ومراكز مراقبة ساحلية.
وجاءت الضربات الأميركية رداً على الهجوم الذي استهدف سفينة تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز، في خطوة تؤكد انتقال المواجهة إلى واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي.
تصعيد بحري
في المقابل، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز بعد إطلاق نيران تحذيرية على سفينة قالت إنها كانت تسلك مساراً غير مصرح به، مؤكدة أن أي رد على هذه الإجراءات سيواجه «برد حازم». كما حذرت من أن أمن الملاحة في المضيق مرتبط بالتزام السفن بالتعليمات الصادرة عنها.
وحددت القيادة المركزية الأميركية السفينة المستهدفة بأنها سفينة الحاويات «إم/في في.جي.إف.إس غالاكسي» التي ترفع علم قبرص، موضحة أنها تعرضت لأضرار كبيرة في غرفة المحركات، فيما فُقد أحد أفراد طاقمها المدني.
كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن طاقم سفينة حاويات أخرى اضطر إلى مغادرتها باستخدام قوارب النجاة بعد اندلاع حريق على متنها شرقي سلطنة عمان، في مؤشر على ارتفاع المخاطر الأمنية التي تواجه حركة النقل البحري في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن وقوع انفجارات في عدد من المدن الساحلية، بالتزامن مع استمرار الضربات الأميركية واتساع نطاق العمليات العسكرية على جانبي الخليج.
شريان النفط
ويعد مضيق هرمز أهم ممر بحري لتجارة الطاقة في العالم، إذ تعبره يومياً كميات ضخمة من النفط الخام والمشتقات والغاز الطبيعي المسال المتجهة من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية.
ويمثل المضيق حلقة الوصل الرئيسية لصادرات السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، ما يجعله أحد أكثر المواقع الاستراتيجية تأثيراً في استقرار الاقتصاد العالمي.
ويؤكد خبراء الطاقة أن أي اضطراب في حركة الملاحة داخل المضيق لا يؤثر فقط في كميات النفط المنقولة، بل ينعكس أيضاً على تكاليف الشحن والتأمين البحري وأسعار الوقود والسلع الصناعية والغذائية، وهو ما يفسر ردود الفعل السريعة التي تشهدها الأسواق مع كل تصعيد أمني في المنطقة.
الصين تتحسب
وفي آسيا، بدأت الصين اتخاذ إجراءات احترازية للحفاظ على أمن الطاقة، عبر الإبقاء على مستويات مرتفعة لإنتاج الوقود، تحسباً لاحتمال تعطل شحنات النفط القادمة من الخليج.
ويأتي ذلك رغم عدم تغيير بكين لحصص تصدير الوقود، في خطوة تعكس رغبة أكبر مستورد للنفط في العالم في تكوين هامش أمان لمواجهة أي اضطرابات قد تطول.
وتعد الاقتصادات الآسيوية الأكثر تأثراً بأي أزمة في مضيق هرمز، نظراً لاعتمادها الكبير على النفط الخليجي، الأمر الذي يفسر سرعة تحركها لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
سيناريوهات السوق
ويرى محللون أن مستقبل أسواق النفط خلال الفترة المقبلة سيعتمد على مدة استمرار التصعيد العسكري ومدى تأثيره الفعلي على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
فإذا استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية تحت الحماية العسكرية، فقد تبقى أسعار النفط مرتفعة ولكن ضمن نطاق يمكن للأسواق استيعابه، خاصة إذا لم تتأثر الصادرات الخليجية بشكل مباشر.
أما إذا تطورت الأزمة إلى تعطيل فعلي للإمدادات أو إغلاق طويل للممر البحري، فإن الأسواق قد تواجه موجة صعود جديدة في أسعار النفط والغاز، مع انعكاسات واسعة على التضخم العالمي وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد، وربما تباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الاقتصادات المستوردة للطاقة.
كما يتوقع أن تشهد أسواق النقل البحري والتأمين تقلبات أكبر، مع زيادة الطلب على المسارات البديلة وارتفاع كلفة نقل البضائع، وهو ما قد يمتد تأثيره إلى أسعار السلع الأساسية والصناعية.
الطاقة العالمية رهينة استقرار مضيق هرمز
تكشف التطورات الأخيرة أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على مواجهة صدمات الإمدادات. فمع استمرار التوترات، تتزايد المخاوف من اتساع نطاق الاضطرابات ليشمل أسواق النفط والغاز والشحن البحري والتأمين، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم.
ويرى محللون أن استمرار حركة الملاحة، رغم التصعيد العسكري، ساهم حتى الآن في تجنب السيناريو الأسوأ، إلا أن الأسواق لا تزال تتعامل مع المخاطر بحذر شديد، إذ إن أي استهداف جديد للسفن التجارية أو تعطيل فعلي للممر الملاحي قد يدفع أسعار النفط إلى موجة ارتفاع حادة، ويزيد تكلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
كما أن استمرار الأزمة يضع الدول المستوردة للنفط، ولا سيما الاقتصادات الآسيوية، أمام تحديات متزايدة لتعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات، في حين تجد الدول المنتجة نفسها مطالبة بالحفاظ على استقرار الصادرات وتدفقات الخام إلى الأسواق العالمية.
وفي المقابل، ستظل المفاوضات السياسية عاملاً حاسماً في رسم مسار الأزمة خلال الفترة المقبلة، إذ إن أي تقدم دبلوماسي قد يسهم في تهدئة الأسواق سريعاً، بينما قد يؤدي استمرار المواجهة العسكرية إلى ترسيخ علاوة المخاطر في أسعار الطاقة لفترة أطول.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح استقرار الاقتصاد العالمي، ليس فقط لأنه يعبر من خلاله جزء كبير من تجارة النفط، بل لأنه يمثل شرياناً حيوياً ترتبط به حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي. ولذلك، فإن مستقبل الأسواق خلال الأشهر المقبلة سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تجنب تعطيل الملاحة، والحفاظ على انسياب الإمدادات عبر أحد أكثر الممرات البحرية حساسية وتأثيراً في العالم.