تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬دخل‭ ‬العالم‭ ‬عصر‭ ‬اقتصاد‭ ‬الأزمات‭ ‬الدائمة؟

UHB31

لم‭ ‬يعد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬إذ‭ ‬تحوّل‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬والتكامل‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للأزمات‭ ‬المتلاحقة‭. ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬مع‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬التي‭ ‬شلّت‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وعطّلت‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬لتفجّر‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة‭ ‬وغذاء‭ ‬امتدت‭ ‬آثارها‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا،‭ ‬وفي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تصاعدت‭ ‬الأزمة‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتفاقم‭ ‬التوترات‭ ‬مجددًا‭ ‬عبر‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬شرايين‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬
هذه‭ ‬التطورات‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أحداثًا‭ ‬إقليمية‭ ‬محدودة،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬صدمات‭ ‬عالمية‭ ‬سريعة‭ ‬الانتقال،‭ ‬تؤثر‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬بات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يعيش‭ ‬داخل‭ ‬الأزمات‭ ‬بشكل‭ ‬دائم،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬الاقتصادية‭ ‬هي‭ ‬الوضع‭ ‬الطبيعي‭ ‬الجديد‭.‬

الخطر‭ ‬الأكبر

تشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬70‭ % ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تعتبر‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬حالياً،‭ ‬وخلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يتشكل‭ ‬عبر‭ ‬أحداث‭ ‬منفصلة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صدمات‭ ‬متداخلة،‭ ‬من‭ ‬الجائحة‭ ‬إلى‭ ‬الحروب،‭ ‬مروراً‭ ‬بالمنافسة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين،‭ ‬فيما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«تعدد‭ ‬الأزمات‮»‬‭.‬
ووفق‭ ‬تقديرات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬فإن‭ ‬النزاعات‭ ‬المستمرة‭ ‬قد‭ ‬تخفض‭ ‬الناتج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للدول‭ ‬بنحو‭ ‬7‭ % ‬خلال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬آثار‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬عقد‭. ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي،‭ ‬شهد‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬وجود‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬35‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬نزاع،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬الحروب‭ ‬العالمية‭.‬

هشاشة‭ ‬متزايدة

ورغم‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬35‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬يخفي‭ ‬هشاشة‭ ‬متزايدة،‭ ‬إذ‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬مستقر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تفكك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬كتل‭ ‬جيوسياسية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭ ‬بنسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬7‭ % ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يسجل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬نموًا‭ ‬بنحو‭ ‬2.7‭ % ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬وهو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬متوسط‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الجائحة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تباطؤًا‭ ‬هيكليًا‭ ‬نتيجة‭ ‬الأزمات‭ ‬المتلاحقة‭.‬
ويُعد‭ ‬التضخم‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬القنوات‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬عبرها‭ ‬آثار‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬فقد‭ ‬أدت‭ ‬الأزمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬توقعات‭ ‬النمو‭ ‬ورفع‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬عالميًا‭. ‬وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تم‭ ‬خفض‭ ‬توقعات‭ ‬النمو‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬2‭ % ‬لعام‭ ‬2026،‭ ‬مقابل‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخــم‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬2‭ %‬،‭ ‬مع‭ ‬قفزة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬البنزين‭ ‬بنسبة‭ ‬21‭ % ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬واحد،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬الزيادات‭ ‬التاريخية‭.‬
حساسية‭ ‬شديدة

كما‭ ‬تظهر‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬حساسية‭ ‬شديدة‭ ‬للتطورات‭ ‬السياسية،‭ ‬حيث‭ ‬أدى‭ ‬إعلان‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬مؤقت‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بنسبة‭ ‬15‭.‬5‭ %‬‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬الصدمات‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬باقي‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«التضخم‭ ‬المستورد‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬معدلات‭ ‬تضخم‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬9‭.‬5‭ % ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الاستيراد‭.‬
وتتجاوز‭ ‬التداعيات‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬الإنساني،‭ ‬حيث‭ ‬يواجه‭ ‬نحو‭ ‬45‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬خطر‭ ‬انعدام‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬بسبب‭ ‬اضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنزاعات‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬يشهد‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬تحولات‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة،‭ ‬أبرزها‭ ‬تراجع‭ ‬نموذج‭ ‬العولمة‭ ‬التقليدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الكفاءة،‭ ‬لصالح‭ ‬نموذج‭ ‬جديد‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬المرونة‭ ‬والأمن‭. ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬الدول،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الصين‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬الصين‭ +‬1‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭.‬
كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬التعريفات‭ ‬الجمركية‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية،‭ ‬حيث‭ ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬أعلى‭ ‬مستوياتها‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭. ‬ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬نمو‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬أصبح‭ ‬غير‭ ‬متوازن،‭ ‬ويتأثر‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬بالاعتبارات‭ ‬السياسية‭.‬
في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬تزداد‭ ‬هشاشة‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬نتيجة‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬المالية،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمـد‭ ‬أكثـر‭ ‬من‭ ‬80‭ % ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬فيه‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تأثيرات‭ ‬واسعة‭ ‬وسريعة‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لا‭ ‬يمر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بمرحلة‭ ‬اضطراب‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬يعيش‭ ‬تحولًا‭ ‬هيكليًا‭ ‬عميقاً،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأزمات‭ ‬أحداثاً‭ ‬مؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬عوامل‭ ‬مستمرة‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬الاقتصاد‭. ‬ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬النمو‭ ‬والتجارة،‭ ‬فإن‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬وارتباطاً‭ ‬بالتقلبات‭ ‬السياسية،‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلًا‭ ‬جوهرياً‭ ‬حول‭ ‬قدرة‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الأزمات‭ ‬هي‭ ‬القاعدة‭.‬

رجوع لأعلى