هل دخل العالم عصر اقتصاد الأزمات الدائمة؟
لم يعد الاقتصاد العالمي كما كان في السابق، إذ تحوّل خلال السنوات الأخيرة من بيئة تقوم على النمو والتكامل إلى ساحة مفتوحة للأزمات المتلاحقة. بدأت هذه التحولات مع جائحة كوفيد-19 التي شلّت الاقتصاد العالمي وعطّلت سلاسل الإمداد، ثم جاءت الحرب بين روسيا وأوكرانيا لتفجّر أزمة طاقة وغذاء امتدت آثارها من أوروبا إلى إفريقيا، وفي الشرق الأوسط، تصاعدت الأزمة مع الحرب في قطاع غزة، قبل أن تتفاقم التوترات مجددًا عبر الضربات العسكرية الأمريكية بالتنسيق مع إسرائيل ضد إيران، وما تبعها من اضطرابات في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
هذه التطورات تؤكد أن الأزمات الجيوسياسية لم تعد أحداثًا إقليمية محدودة، بل تحولت إلى صدمات عالمية سريعة الانتقال، تؤثر مباشرة في الأسواق وتزيد من هشاشة الاقتصاد الدولي، وفي ظل هذا الواقع، بات الاقتصاد العالمي يعيش داخل الأزمات بشكل دائم، حيث أصبحت حالة الطوارئ الاقتصادية هي الوضع الطبيعي الجديد.
الخطر الأكبر
تشير البيانات إلى أن نحو 70 % من البنوك المركزية حول العالم تعتبر التوترات الجيوسياسية الخطر الأكبر على الاقتصاد حالياً، وخلال العقد الماضي، لم يعد الاقتصاد يتشكل عبر أحداث منفصلة، بل من خلال صدمات متداخلة، من الجائحة إلى الحروب، مروراً بالمنافسة بين الولايات المتحدة والصين، فيما يُعرف بـ«تعدد الأزمات».
ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن النزاعات المستمرة قد تخفض الناتج الاقتصادي للدول بنحو 7 % خلال خمس سنوات، مع آثار طويلة الأمد قد تمتد لأكثر من عقد. وعلى المستوى العالمي، شهد عام 2024 وجود أكثر من 35 دولة في حالة نزاع، وهو مستوى غير مسبوق في العصر الحديث خارج نطاق الحروب العالمية.
هشاشة متزايدة
ورغم أن حجم التجارة العالمية بلغ نحو 35 تريليون دولار في 2025، فإن هذا النمو يخفي هشاشة متزايدة، إذ يعتمد بدرجة أكبر على ارتفاع الأسعار وإعادة تشكيل العلاقات التجارية، وليس على طلب مستقر. كما أن تفكك الاقتصاد العالمي إلى كتل جيوسياسية قد يؤدي إلى تراجع الناتج العالمي بنسبة تصل إلى 7 % على المدى الطويل.
في هذا السياق، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي نموًا بنحو 2.7 % في عام 2026، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، ما يعكس تباطؤًا هيكليًا نتيجة الأزمات المتلاحقة.
ويُعد التضخم أحد أبرز القنوات التي تنتقل عبرها آثار التوترات الجيوسياسية، خاصة من خلال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. فقد أدت الأزمات الأخيرة إلى خفض توقعات النمو ورفع معدلات التضخم عالميًا. وفي الولايات المتحدة، تم خفض توقعات النمو إلى نحو 2 % لعام 2026، مقابل ارتفاع التضخــم إلى 3.2 %، مع قفزة في أسعار البنزين بنسبة 21 % خلال شهر واحد، وهي من أعلى الزيادات التاريخية.
حساسية شديدة
كما تظهر أسواق الطاقة حساسية شديدة للتطورات السياسية، حيث أدى إعلان وقف إطلاق نار مؤقت في الشرق الأوسط إلى تراجع أسعار النفط بنسبة 15.5 % خلال يوم واحد، ولا تقتصر آثار هذه الصدمات على الدول الكبرى، بل تمتد إلى باقي دول العالم عبر ما يُعرف بـ«التضخم المستورد»، كما حدث في الهند التي سجلت معدلات تضخم وصلت إلى 9.5 % في بعض المناطق نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد.
وتتجاوز التداعيات الجانب الاقتصادي إلى الإنساني، حيث يواجه نحو 45 مليون شخص خطر انعدام الأمن الغذائي بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء المرتبطة بالنزاعات.
في المقابل، يشهد النظام الاقتصادي العالمي تحولات هيكلية عميقة، أبرزها تراجع نموذج العولمة التقليدي القائم على الكفاءة، لصالح نموذج جديد يركز على المرونة والأمن. فقد بدأت الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين ضمن استراتيجية «الصين +1»، مع زيادة الاعتماد على دول جنوب شرق آسيا.
كما ارتفعت التعريفات الجمركية إلى مستويات تاريخية، حيث بلغت في بعض الحالات أعلى مستوياتها منذ أكثر من قرن. ورغم استمرار نمو التجارة العالمية، فإن هذا النمو أصبح غير متوازن، ويتأثر بشكل متزايد بالاعتبارات السياسية.
في الوقت ذاته، تزداد هشاشة النظام الاقتصادي العالمي نتيجة الاعتماد الكبير على البنية المالية، إذ تعتمـد أكثـر من 80 % من التجارة العالمية على النظام المالي، ما يجعل أي اضطراب فيه قادراً على إحداث تأثيرات واسعة وسريعة.
في المحصلة، لا يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة اضطراب عابر، بل يعيش تحولًا هيكليًا عميقاً، حيث لم تعد الأزمات أحداثاً مؤقتة، بل عوامل مستمرة تؤثر في مختلف جوانب الاقتصاد. ورغم استمرار النمو والتجارة، فإن طبيعة هذا النمو أصبحت أكثر هشاشة وارتباطاً بالتقلبات السياسية، ما يطرح تساؤلًا جوهرياً حول قدرة العالم على التكيف مع واقع أصبحت فيه الأزمات هي القاعدة.