تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬كسرت‭ ‬حرب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مسار‭ ‬النمو‭ ‬العالمي؟

هل‭ ‬كسرت‭ ‬حرب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مسار‭ ‬النمو‭ ‬العالمي؟

دخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬بزخم‭ ‬قوي‭ ‬مدفوع‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أوضاع‭ ‬مالية‭ ‬داعمة‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الإيجابي‭ ‬تلقى‭ ‬ضربة‭ ‬مفاجئة‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬والتي‭ ‬وصفها‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬بأنها‭ ‬“صدمة‭ ‬كبيرة”‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬التوقعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬
فبحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬الصندوق،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬رفع‭ ‬توقعات‭ ‬النمو‭ ‬لولا‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السيناريو‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬حالاته‭ ‬تفاؤلاً‭ ‬يتضمن‭ ‬خفضاً‭ ‬مؤكداً‭ ‬للنمو‭ ‬العالمي‭ ‬نتيجة‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات‭ ‬وتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬الاقتصادية‭.‬
هذه‭ ‬الصدمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬إقليمي،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية‭ ‬بفعل‭ ‬ترابط‭ ‬الأسواق،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭.‬

انكماش‭ ‬متوقع‭ ‬رغم‭ ‬
السيناريوهات‭ ‬المتفائلة

تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬كان‭ ‬يتوقع‭ ‬نمواً‭ ‬عالمياً‭ ‬يتجاوز‭ ‬3‭% ‬في‭ ‬2026،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات‭ ‬بدأت‭ ‬تتراجع‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭.‬
اللافت‭ ‬أن‭ ‬الصندوق‭ ‬لا‭ ‬يربط‭ ‬خفض‭ ‬التوقعات‭ ‬فقط‭ ‬باستمرار‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬حتى‭ ‬“أفضل‭ ‬السيناريوهات”‭ ‬التي‭ ‬تتضمن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬لن‭ ‬تعيد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬مساره‭ ‬السابق‭ ‬بسهولة،‭ ‬بسبب‭ ‬الأضرار‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬
وتؤكد‭ ‬تقديرات‭ ‬حديثة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬سيتجه‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬أبطأ‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬التضخم،‭ ‬وهو‭ ‬مزيج‭ ‬خطير‭ ‬يعيد‭ ‬للأذهان‭ ‬أزمات‭ ‬السبعينات‭.‬

الطاقة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأزمة‭ ‬العالمية

لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الصدمة‭ ‬دون‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬عامل‭ ‬الطاقة‭. ‬فالحرب‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬الإمدادات‭ ‬انخفاضاً‭ ‬ملحوظاً،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تعطل‭ ‬بعض‭ ‬الممرات‭ ‬الحيوية‭ ‬مثل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬
هذه‭ ‬التطورات‭ ‬انعكست‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬الأسعار،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬تضخمية‭ ‬عالمية‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬13‭ % ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬بنحو‭ ‬20‭ % ‬خلال‭ ‬ذروة‭ ‬الأزمة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تعطل‭ ‬منشآت‭ ‬استراتيجية،‭ ‬مثل‭ ‬مجمع‭ ‬رأس‭ ‬لفان‭ ‬في‭ ‬قطر،‭ ‬يبرز‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تستغرق‭ ‬عودة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الكامل‭ ‬سنوات،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬ليست‭ ‬مؤقتة‭ ‬بل‭ ‬ممتدة‭.‬
سلاسل‭ ‬الإمداد‮…‬‭ ‬نقطة‭ ‬الضعف‭ ‬الكبرى

لم‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتعافَ‭ ‬أصلاً‭ ‬بالكامل‭ ‬منذ‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭.‬
اضطرابات‭ ‬الشحن‭ ‬البحري،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬ومضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬مستوياتها‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المسارات‭ ‬الحيوية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تعطّل‭ ‬النقل‭ ‬الجوي‭ ‬الإقليمي‭ ‬وزيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والنقل‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المستوردة‭.‬
التضخم‭ ‬يعود‭ ‬بقوة‮…‬‭ ‬والمخاطر‭ ‬تتصاعد

واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬نتائج‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭ ‬كتهديد‭ ‬رئيسي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
فارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والغذاء،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات،‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬تكلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬عالمياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭.‬
ويحذر‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬سياسات‭ ‬توسعية‭ ‬غير‭ ‬محسوبة—مثل‭ ‬الدعم‭ ‬الشامل‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬الضرائب—قد‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬وتفاقم‭ ‬الاختلالات‭ ‬المالية‭.‬
فاتورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد

التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للصراعات‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬آثار‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهائها‭.‬
تشير‭ ‬دراسات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تخوض‭ ‬حروباً‭ ‬تشهد‭ ‬انخفاضاً‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬بنحو‭ ‬7‭% ‬خلال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬عقد‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬تمثل‭ ‬عبئاً‭ ‬إضافياً‭ ‬على‭ ‬الميزانيات،‭ ‬حيث‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الديون‭ ‬وتقليص‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭.‬

طلب‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬صندوق‭ ‬النقد

مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الأزمة،‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬طلبات‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتضررة‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭.‬
وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬قد‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و50‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الهشة‭.‬
هذا‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬مالي‭ ‬أو‭ ‬ديون‭ ‬مرتفعة‭.‬

تحول‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬قد‭ ‬تسرّع‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬أبرزها‭:‬
1‭ – ‬تسريع‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬لتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري
2‭ – ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬نحو‭ ‬نماذج‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً‭ ‬وأقل‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع
3‭ – ‬تعزيز‭ ‬سياسات‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬تخزين‭ ‬الطاقة‭ ‬والسلع‭ ‬الاستراتيجية
ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬قد‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الصدمات‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬فإنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬واستثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭.‬

اقتصاد‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل

تكشف‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هشاً‭ ‬أمام‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬رغم‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والتكامل‭ ‬الاقتصادي‭.‬
فالحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لم‭ ‬تؤثر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬بل‭ ‬أعادت‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬واستقرار‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬
وبينما‭ ‬قد‭ ‬تتلاشى‭ ‬بعض‭ ‬آثار‭ ‬الصدمة‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬فإن‭ ‬“الندوب‭ ‬الاقتصادية”‭ ‬ستبقى‭ ‬حاضرة،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬صندوق‭ ‬النقد،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الأبطأ‭ ‬والتقلبات‭ ‬الأعلى‭.‬
في‭ ‬النهاية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭: ‬إما‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬أكثر‭ ‬اضطراباً،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬منظومته‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬واستدامة‭.‬
الأسواق‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬المخاطر

ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬رقمي‭ ‬في‭ ‬توقعات‭ ‬النمو،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تسعير‭ ‬الأسواق‭ ‬للمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭. ‬فخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬اعتادت‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬السياسية‭ ‬بسرعة،‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مؤشرات‭ ‬التضخم‭ ‬والفائدة‭ ‬والنمو‭. ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بدت‭ ‬مختلفة،‭ ‬لأنها‭ ‬أصابت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المستثمرين‭ ‬يعيدون‭ ‬تقييم‭ ‬احتمالات‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬ظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬حيث‭ ‬عادت‭ ‬التدفقات‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬الآمنة،‭ ‬وارتفعت‭ ‬حساسية‭ ‬الأسواق‭ ‬لأي‭ ‬تطور‭ ‬ميداني‭ ‬أو‭ ‬أمني‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بمدة‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬صدمة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬آثار‭ ‬التشديد‭ ‬النقدي،‭ ‬وتباطؤ‭ ‬التصنيع،‭ ‬وضعف‭ ‬الطلب‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬قائمة‭ ‬بالفعل‭.‬
ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬تضع‭ ‬الحكومات‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬حماية‭ ‬النمو‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تغذية‭ ‬التضخم؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬احتواء‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬بالمالية‭ ‬العامة؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ستفرض‭ ‬نفسها‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬لإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬الإنفاق،‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة،‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬الاستيراد‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحرب‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬إقليمية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬سلوك‭ ‬الأسواق،‭ ‬ويختبر‭ ‬مرونة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬أمام‭ ‬صدمة‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬آثارها‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬2026‭.‬

رجوع لأعلى