هل يبدأ أبيل أكبر تحول في تاريخ إمبراطورية بافت؟
شهدت الأسواق المالية العالمية تحولاً لافتاً بعد إعلان شركة «ألفابت» عن واحدة من أكبر عمليات التمويل في تاريخ قطاع التكنولوجيا، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية. غير أن العنصر الأكثر إثارة للاهتمام لم يكن حجم التمويل نفسه، بل هوية المستثمر الأكبر في العملية، إذ جاءت «بيركشاير هاثاواي» في مقدمة المشاركين باستثمار منفرد بلغ 10 مليارات دولار، في خطوة اعتبرها كثيرون إعلاناً رسمياً عن دخول الإمبراطورية الاستثمارية التي أسسها وارن بافت مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن نهجها التقليدي.
تحول استراتيجي
لطالما ارتبط اسم «بيركشاير هاثاواي» بالاستثمار في الشركات ذات التدفقات النقدية المستقرة والأعمال القابلة للتنبؤ، وهي فلسفة استثمارية جعلت الشركة واحدة من أنجح المؤسسات المالية في العالم على مدى عقود. لكن التحرك الأخير يعكس توجهاً مختلفاً يقوده المدير التنفيذي الجديد جريج أبيل، الذي يبدو عازماً على إعادة توظيف السيولة الضخمة المتراكمة داخل الشركة في قطاعات النمو المستقبلية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
ويأتي الاستثمار الجديد في وقت تواجه فيه الإدارة ضغوطاً متزايدة من المساهمين لتشغيل الاحتياطيات النقدية الضخمة التي ارتفعت بصورة متواصلة خلال السنوات الأخيرة، حتى اقتربت من مستوى 400 مليار دولار. لذلك ينظر كثير من المحللين إلى الصفقة باعتبارها أول اختبار حقيقي لفلسفة أبيل الاستثمارية بعد انتقال القيادة إليه.
تفاصيل الصفقة
وبموجب الاتفاق، اشترت «بيركشاير» أسهماً جديدة في «ألفابت» بقيمة إجمالية تبلغ 10 مليارات دولار من خلال اكتتاب خاص، توزعت بالتساوي بين أسهم الفئة (أ) وأسهم الفئة (ج). كما حصلت الشركة على خصم سعري يقارب 6 % مقارنة بمستويات الإغلاق السابقة للأسهم في السوق، وهو ما منحها هامش أمان استثمارياً مهماً في ظل التقييمات المرتفعة التي تشهدها أسهم التكنولوجيا العملاقة.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الصفقة إلى رفع القيمة السوقية الإجمالية لاستثمارات «بيركشاير» في «ألفابت» إلى نحو 32 مليار دولار، لتصبح الشركة من بين أكبر خمسة مراكز استثمارية داخل محفظة المجموعة. كما سيرتفع وزن السهم في المحفظة من نحـو 5.3 % إلى مـا يقـارب 9.5 %، وهو ما يعكس حجم الرهان الجديد الذي تتبناه الإدارة.
قلق المستثمرين
ورغم الحماس الذي أثارته الصفقة لدى بعض المستثمرين، فإن الأسواق لم تستقبل الإعلان بالإيجابية نفسها. فقد تعرض سهم «ألفابت» لضغوط بيعية ملحوظة بعد الكشف عن خطة التمويل البالغة 80 مليار دولار، وسط مخاوف من تأثير إصدار الأسهم الجديدة على ربحية السهم الحالية.
ويخشى المستثمرون أن يؤدي التوسع الكبير في عدد الأسهم القائمة إلى تخفيف قيمة الملكية الحالية للمساهمين، خصوصاً في ظل عدم وضوح الإطار الزمني اللازم لتحويل هذه الاستثمارات الضخمة إلى أرباح فعلية. ونتيجة لذلك، أنهى سهم الشركة تعاملاته على انخفاض ملحوظ، ما أدى إلى تراجع قيمتها السوقية إلى نحو 4.3 تريليون دولار وفقدانها المركز الثاني بين أكبر الشركات المدرجة عالمياً.
ويعكس هذا التراجع حالة الانقسام الواضحة داخل وول ستريت بين فريق يرى أن الإنفاق الحالي ضرورة استراتيجية لا يمكن تجنبها في سباق الذكاء الاصطناعي، وفريق آخر يعتقد أن الشركات التكنولوجية تبالغ في ضخ الأموال في مشاريع قد تحتاج سنوات طويلة قبل أن تحقق عائداً مناسباً للمساهمين.
رهان على المستقبل
في المقابل، تستند إدارة «ألفابت» إلى مؤشرات تشغيلية قوية لتبرير هذا التوسع غير المسبوق. فقد سجلت أعمال الحوسبة السحابية نمواً متسارعاً خلال الفترة الأخيرة، مع ارتفاع إيرادات «غوغل كلاود» بنسبة 63 % على أساس سنوي لتصل إلى 20 مليار دولار خلال الربع الأخير.
كما تشير البيانات إلى نمو هائل في حجم الطلبيات المؤجلة والمتراكمة التي تجاوزت 460 مليار دولار، مع توقعات بتحويل نحو نصف هذه القيمة إلى إيرادات فعلية خلال العامين المقبلين. وتعتبر هذه الأرقام من أبرز الحجج التي يستخدمها مؤيدو التوسع الاستثماري للدفاع عن استراتيجية الشركة.
وفي الوقت نفسه، تستعد «ألفابت» لإنفاق ما بين 180 و190 مليار دولار كنفقات رأسمالية خلال عام 2026، مع توقعات بارتفاع إضافي في 2027 لمواكبة الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
اختبار الزمن
في نهاية المطاف، لا يتعلق الجدل الحالي بحجم الاستثمار أو التمويل بقدر ما يتعلق بمدى قدرة هذه المليارات على تحقيق عوائد مستقبلية تبرر المخاطرة. فبينما يرى جريج أبيل أن الحصول على حصة أكبر في «ألفابت» عند خصم سعري يمثل فرصة استثنائية للمستثمر طويل الأجل، يعتقد المتحفظون أن موجة الإنفاق الرأسمالي الضخمة قد تتحول إلى عبء على الأرباح إذا تباطأ نمو الطلب أو تأخرت العوائد.
ومع دخول «بيركشاير هاثاواي» بقوة إلى قلب سباق الذكاء الاصطناعي، تبدو الشركة وكأنها تفتح فصلاً جديداً في تاريخها الاستثماري. وبين تفاؤل الإدارة الجديدة وحذر الأسواق، يبقى الزمن العامل الحاسم الذي سيحدد ما إذا كان هذا الرهان سيُسجل كواحد من أنجح قرارات أبيل، أم كأكبر اختبار واجهته الإمبراطورية التي بناها وارن بافت على مدى عقود.