هل يدخل العالم عصر ندرة النحاس؟
تشهد الأسواق العالمية أزمة حقيقية في إمدادات النحاس وشحاً متسارعاً، أدى إلى قفزات قياسية في الأسعار لتتجاوز حاجز 14 ألف دولار للطن، مدفوعة بتدفقات ضخمة لتكديس المعدن في أميركا تحسباً لفرض رسوم جمركية، وزيادة الطلب العالمي المرتبط بتقنيات الطاقة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب اضطرابات الإنتاج في المناجم الكبرى.
أسباب أزمة النحاس العالمية
1 – التنافس بين أميركا والصين
تسارعت شحنات النحاس نحو أميركا تحسباً لفرض رسوم جمركية، بينما تكثف الصين طلبها لدعم قطاع الذكاء الاصطناعي وشبكات الطاقة.
ويُعد التنافس الاستراتيجي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين أحد الأسباب الرئيسية وراء أزمة شح النحاس وارتفاع أسعاره عالمياً إلى مستويات قياسية غير معتادة، متجاوزة 14 ألف دولار للطن، وذلك بسبب سحب البلدين كميات ضخمة من المعدن لتكوين مخزونات استراتيجية.
أسباب أزمة النحاس المرتبطة بالتنافس الأميركي – الصيني:
● سباق التخزين والتحوط ضد الرسوم الجمركية: تسارعت الشركات والمستوردون في الولايات المتحدة إلى سحب وشحن كميات هائلة من النحاس نحو الأراضي الأميركية، تخوفاً من إقرار رسوم جمركية صارمة على الواردات المعدنية في إطار السياسات الحمائية.
● السيطرة على سلاسل الإمداد ومراكز الصهر: تفرض الصين هيمنة واسعة على قطاع صهر وتكرير النحاس عالمياً، بينما تسعى واشنطن إلى تقليص هذا الاعتماد عبر سياسات صناعية وقائية، وحظر تصدير بعض النفايات والمعادن الحيوية المتبادلة، ما أحدث اضطرابات حادة في تدفقات التجارة الدولية للمعدن.
● الطلب المرتبط بالتقنية والذكاء الاصطناعي: يتزامن هذا الصراع التجاري مع سباق محموم بين البلدين للريادة في تقنيات الطاقة المستدامة ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكات الكهرباء الضخمة، وهي قطاعات تستهلك أضعاف ما تتطلبه الصناعات التقليدية من النحاس.
2 – تراجع المخزونات
انخفضت مخزونات بورصة لندن للمعادن بنحو 40 %، إلى مستويات قرب 241 ألف طن، ما فاقم أزمة شح المعروض العالمي وأسهم في ارتفاع أسعار النحاس فوق 14 ألف دولار للطن، إلى جانب تراجع المخزونات في مستودعات بورصة شنغهاي بسبب عمليات السحب المتواصلة.
كما أدت المضاربات القوية وارتفاع العقود الآجلة في بورصة شنغهاي إلى تسجيل أسعار محلية قياسية للنحاس، قبل أن تتراجع الفائدة المفتوحة وتنخفض الأسعار بصورة حادة لاحقاً في شنغهاي ولندن، ما أثر سلباً في السوق.
أسباب أزمة النحاس في بورصة شنغهاي:
● ارتفاع مضاربي حاد: قفزات غير مستدامة مدفوعة بالتكهنات في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة.
● تراجع الفائدة المفتوحة: أدى انخفاض اهتمام المستثمرين بعد بلوغ الذروة إلى هبوط الأسعار بسرعة.
● تأثير تباطؤ الطلب: تراجع دور الصين الفعلي في دعم نمو الطلب العالمي مقارنة بما قبل جائحة كورونا.
● امتداد الأثر عالمياً: انتقلت موجة الهبوط من شنغهاي إلى بورصة لندن للمعادن.
3 – تعطل الإنتاج
واجهت دول رئيسية، مثل تشيلي وإندونيسيا، مشكلات وتعطلات في الإنتاج، بالإضافة إلى حظر الكونغو تصدير مركزات النحاس.
ويُعد تعطل وانقطاع الإنتاج من أبرز أسباب أزمة النحاس العالمية، إذ تتسبب أعطال البنية التحتية والأحوال الجوية السيئة في تشيلي واضطرابات التعدين وصعوبة تأمين المواد الخام وخردة النحاس في تقليص المعروض العالمي، وسط قفزة في الأسعار مدفوعة بطلبات قطاعي الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
أسباب تعطل إنتاج النحاس:
● الأعطال والكوارث الطبيعية: أدى تضرر أبراج نقل الطاقة والعواصف في تشيلي إلى توقف مناجم كبرى لأسابيع، إضافة إلى تأثير الثلوج والأمطار في عمليات التعدين.
● نقص المواد الخام: تواجه المصاهر صعوبات في تأمين خردة النحاس ومركزات المناجم بسبب أعمال الصيانة واستنزاف الرواسب القديمة.
● تركز الإنتاج: تهيمن ثلاث دول فقط، هي تشيلي والكونغو الديمقراطية وبيرو، على نحو نصف الإنتاج العالمي، ما يجعل السوق شديدة التأثر بأي تعطل محلي فيها.
4 – طفرة التكنولوجيا
أدى الطلب المتصاعد على النحاس لمشاريع الكهرباء والبنية التحتية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الضغوط على المعروض.
وأثارت طفرة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي طلباً هائلاً وغير مسبوق على النحاس، ما دفع الأسعار إلى تجاوز مستويات قياسية تاريخية بلغت أكثر من 13 ألف دولار للطن، بسبب الحاجة الملحة إلى المعدن في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات وشبكات الطاقة الحديثة، وسط عجز الإمدادات العالمية عن مواكبة هذا التوسع.
أسباب زيادة الطلب التكنولوجي:
● مراكز البيانات: تتطلب الخوادم وأنظمة التبريد وكابلات النقل كميات ضخمة من النحاس.
● الرقائق الإلكترونية: يُعد النحاس عنصراً أساسياً في تصنيع موصلات الطاقة والدوائر.
● شبكات الكهرباء: يحتاج التوسع السريع لتغذية البنى التحتية الذكية إلى شبكات نقل كهربائية كثيفة الاستخدام للنحاس.
كيف يمكن الحد من أزمة النحاس عالمياً؟
يمكن الحد من أزمة نقص النحاس العالمية عبر زيادة الاستثمار في قطاع التعدين، والتوسع في إعادة تدوير الخردة والمعادن، وتطوير تقنيات حديثة لرفع كفاءة الاستخراج والصهر، والبحث عن بدائل فعالة في صناعات الطاقة المتجددة.
حلول تقليل أزمة شح النحاس:
جانب الإمداد والتعدين
● ضخ استثمارات مالية جديدة لفتح مناجم واستكشاف رواسب إضافية من النحاس.
● تطوير عمليات الصهر لتقليل الهدر وزيادة الإنتاجية من الخامات منخفضة الجودة.
● حل مشكلات توقف المناجم وتعطل خطوط الإمداد اللوجستية.
إعادة التدوير والابتكار
● التوسع في برامج إعادة تدوير مخلفات النحاس لسد فجوة العرض والطلب المستقبلية.
● ابتكار مواد بديلة أخف وذات كفاءة مقبولة لاستخدامها في بعض التطبيقات التكنولوجية.
● تحسين كفاءة استهلاك النحاس في قطاعات السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي.