هل يدفع ترامب بريطانيا للعودة إلى أوروبا؟
في السياسة الدولية، لا تتحرك الدول الكبرى فقط وفق العواطف التاريخية أو الشعارات الراسخة، بل وفق توازنات المصالح وموازين الخطر. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو بريطانيا اليوم وكأنها تدخل مرحلة مراجعة عميقة لموقعها الاستراتيجي بعد سنوات من خروجها من الاتحاد الأوروبي. فمع عودة دونالد ترامب إلى صدارة المشهد الأمريكي بخطابه الصدامي، وتقلباته الحادة تجاه الحلفاء، بدأت لندن تشعر أكثر من أي وقت مضى بأن رهانها القديم على «العلاقة الخاصة» مع واشنطن لم يعد كافياً، وربما لم يعد آمنًا أصلاً.
هذه المراجعة لا تظهر فقط في التحليلات السياسية أو في دوائر النخب، بل باتت تتسلل تدريجياً إلى الخطاب الرسمي البريطاني نفسه. ولهذا، لم يكن خطاب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأخير مجرد حديث دبلوماسي عابر عن «تعزيز الشراكة» مع أوروبا، بل يمكن قراءته بوصفه إشارة أولية إلى تحوّل أكبر: تحوّل قد يقود، ولو على المدى المتوسط، إلى إعادة تموضع بريطاني تدريجي داخل الفضاء الأوروبي الذي خرجت منه لندن سياسيًا، لكنها لم تغادره جغرافيًا أو اقتصادياً أو أمنياً، هذا الاتجاه استند في المقال الأصلي إلى قراءة لخطاب ستارمر بوصفه الأكثر دفئاً تجاه أوروبا منذ توليه السلطة، في مقابل تآكل صورة واشنطن في الوعي البريطاني، وفق ما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز.
السوق يقترب
أحد أهم المحركات وراء هذا التحول هو العامل الاقتصادي. فبعد سنوات من الجدل الأيديولوجي والانقسام السياسي الذي صاحب «بريكست»، تعود الأرقام لتفرض نفسها بهدوء ولكن بقوة. إذ لم يعد السؤال في بريطانيا: هل كان الخروج من الاتحاد الأوروبي قراراً سيادياً؟ بل أصبح: هل كان قراراً ناجحاً اقتصادياً؟ وهنا، تبدو الإجابة أكثر إحراجاً للتيار المؤيد للخروج.
فالمزاج العام في بريطانيا لم يعد كما كان قبل الاستفتاء أو حتى بعده مباشرة. ومع مرور الوقت، تزايد الشعور داخل الأوساط الاقتصادية وقطاع الأعمال، بل وحتى بين شريحة واسعة من الرأي العام، بأن كلفة الانفصال عن السوق الأوروبية الموحدة كانت أعلى مما تم تسويقه سياسياً، فالتجارة أصبحت أكثر تعقيداً، والاستثمار فقد بعض زخمه، والاقتصاد البريطاني بدا أقل مرونة في مواجهة الصدمات، خصوصاً في ظل بيئة عالمية مضطربة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ النمو، وتفكك سلاسل الإمداد.
وما يزيد من أهمية هذا العامل أن حكومة ستارمر نفسها لم تعد تتجنب الاعتراف بالضرر الاقتصادي الذي ألحقه «بريكست» بالاقتصاد البريطاني. وهذا بحد ذاته تحوّل مهم، لأن الحكومات البريطانية في السنوات الماضية كانت تتعامل مع الملف بحذر شديد، خشية إعادة فتح جرح سياسي لم يلتئم بعد. لكن الواقع الاقتصادي يضغط بقوة الآن، ويجعل من الصعب الاستمرار في خطاب الإنكار أو الاكتفاء بالحلول التجميلية. المقال الأصلي أشار بوضوح إلى أن ستارمر أقرّ بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي ألحق ضرراً بالغًا بالاقتصاد البريطاني، كما نقل تقديراً بأن الكلفة بلغت نحو 8 % من الناتج المحلي الإجمالي.
ضغط تصنيعي
إلى جانب الاقتصاد، تبرز الجغرافيا السياسية كعامل أكثر إلحاحاً وربما أكثر حساسية. فبريطانيا، التي لطالما حاولت أن تجمع بين هويتها الأوروبية وتحالفها الأطلسي، تجد نفسها الآن أمام بيئة أمنية أكثر قسوة. الحرب الروسية ـ الأوكرانية لم تعد مجرد نزاع إقليمي بعيد، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة أوروبا على حماية نفسها، ولبنية الردع الغربية برمتها. وفي هذا السياق، يصبح أي تلميح أمريكي إلى تقليص الالتزام بحلف «الناتو» أو التخفف من عبء الدفاع عن أوروبا مسألة استراتيجية كبرى، لا مجرد تصريح انتخابي.
ومن هنا، فإن خطاب ترامب العدائي أو المتقلب تجاه الحلفاء الأوروبيين لا يُقرأ في لندن باعتباره «ضجيجاً سياسياً» فقط، بل باعتباره تهديدًا فعليًا لهيكل الأمن الذي اعتمدت عليه بريطانيا وأوروبا لعقود. فإذا تراجعت واشنطن خطوة إلى الوراء، فلن يكون أمام بريطانيا إلا العودة أكثر نحو أوروبا، ليس فقط دبلوماسياً، بل عسكرياً وصناعياً واستراتيجياً.
وهذا يفسر لماذا لم يعد الحديث عن التقارب مع الاتحاد الأوروبي محصوراً في التجارة والهجرة والمعايير التنظيمية، بل بات يمتد إلى ملف الدفاع، والقدرات الصناعية، والإنفاق العسكري، والتنسيق الأمني طويل الأمد، فالقارة الأوروبية تستعد لإعادة بناء جزء أكبر من أمنها الذاتي، وبريطانيا تدرك أنها لا تستطيع أن تكون خارج هذه المعادلة وهي في قلبها الجغرافي والسياسي. المقال الأصلي شدد على أن تعاظم الحرب في أوكرانيا، إلى جانب تشكيك ترامب في «الناتو» وازدرائه لحلفائه الأوروبيين، يعززان دوافع بريطانيا للتقارب مع الاتحاد الأوروبي.
خيار استراتيجي
لكن هذا التحول، رغم منطقه الاستراتيجي، لا يزال محاطًا بحسابات سياسية داخلية معقدة. فحكومة ستارمر تعرف جيداً أن ملف أوروبا لا يزال حساساً داخل المجتمع البريطاني، وأن إعادة فتحه بطريقة مباشرة قد تمنح خصومها فرصة لاستعادة لغة «الخيانة» و«التراجع عن إرادة الشعب». ولهذا السبب، فإن الخطاب الرسمي الحالي يبدو محسوباً بعناية: دفء تجاه أوروبا، لكن دون إعلان قفزة سياسية كاملة؛ انفتاح على الشراكة، لكن من دون تبنٍّ صريح لفكرة العودة الكاملة.
غير أن هذه الحيطة قد لا تصمد طويلاً إذا استمرت البيئة السياسية في التغير. فصعود حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج، وارتباطه الوثيق بخطاب «ترامب» وبإرث «بريكست»، قد يمنح حزب العمال حافزاً إضافياً لقلب المعادلة: أي تحويل أوروبا من عبء انتخابي إلى ورقة هجومية ضد خصومه. وهنا، تصبح إعادة التموضع الأوروبي ليست مجرد سياسة خارجية، بل أداة لإعادة رسم الاستقطاب الداخلي في بريطانيا.
فإذا اقتنع حزب العمال بأن المزاج الشعبي يتحول فعلاً، وأن الأجيال الشابة والمدن الكبرى وقطاعات الأعمال تميل إلى علاقة أوثق مع أوروبا، فقد يصبح من المنطقي سياسياً أن يذهب أبعد مما يعلنه اليوم. والمقال الأصلي لفت إلى أن حزب العمال قد يجد في الدعوة إلى شراكة أوثق، وربما لاحقاً إلى إعادة الانضمام، مشروعاً سياسياً أكثر طموحاً وقدرة على التعبئة، خصوصاً في مواجهة فاراج وقوى اليمين الشعبوي.
رهان آسيوي
مع ذلك، لا ينبغي تبسيط الطريق نحو «العودة». ففكرة انضمام بريطانيا مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي ليست مجرد قرار سياسي يمكن اتخاذه في لحظة حماس أو رد فعل على ترامب. المسألة أعقد بكثير، وتتعلق بشروط تفاوضية، وتوازنات داخل الاتحاد نفسه، ومزاج عام بريطاني لا يزال متقلباً، فضلاً عن أن أوروبا أيضاً لم تعد تنظر إلى بريطانيا بالبراءة السياسية نفسها التي سبقت «بريكست».
بمعنى آخر، إذا كانت لندن قد بدأت بالفعل تنظر من جديد إلى بروكسل بوصفها شريكًا استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه، فإن بروكسل بدورها ستحتاج إلى ضمانات بأن بريطانيا لا تعود اليوم ثم تنقلب غداً تحت ضغط السياسة الداخلية أو صعود الشعبوية من جديد. ولهذا، فإن أي عودة إن حدثت ستكون على الأرجح تدريجية، مؤسسية، وحذرة جداً.
لكن حتى لو لم تصل الأمور إلى إعادة العضوية الكاملة في الأجل القريب، فإن مجرد تحرك بريطانيا نحو تنسيق أعمق مع الاتحاد الأوروبي في التجارة والدفاع والاستثمار والأنظمة التنظيمية، يعني فعليًا أن عقارب الساعة بدأت تتحرك في الاتجاه المعاكس لما حدث في 2016. وقد لا يكون ذلك إعلانًا رسميًا عن «نهاية بريكست»، لكنه بالتأكيد بداية مرحلة جديدة تتآكل فيها الحدود السياسية التي أرادها مؤيدو الانفصال حاسمة ونهائية.
التمركز من جديد داخل
الفضاء الأوروبي الطبيعي
في النهاية، قد تكون المفارقة الكبرى أن الرجل الذي رفع شعار «أمريكا أولاً» وأسهم في زعزعة ثقة الحلفاء بواشنطن، هو نفسه من يدفع بريطانيا، من حيث لا يريد، إلى إعادة اكتشاف أوروبا. فكلما زادت الفوضى في الخطاب الأمريكي، وكلما تراجعت موثوقية التحالف الأطلسي التقليدي، زادت حاجة لندن إلى التمركز من جديد داخل فضائها الأوروبي الطبيعي.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت بريطانيا ستعود إلى الاتحاد الأوروبي يوماً ما، بل ما إذا كانت التطورات الدولية ستجبرها على تسريع هذه العودة سياسياً ووظيفياً، حتى قبل أن تُحسم رسمياً، وفي عالم يتغير بسرعة، قد لا يكون أمام لندن ترف الانتظار طويلاً، فالمعادلة الجديدة باتت أكثر وضوحاً: كلما ابتعدت واشنطن عن أوروبا، اقتربت بريطانيا منها أكثر.