تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬يسبق‭ ‬تصحيح‭ ‬الذهب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الصعود؟

هل‭ ‬يسبق‭ ‬تصحيح‭ ‬الذهب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الصعود؟

لم يكن تراجع الذهب خلال الأسابيع الأخيرة حدثًا عاديًا في أسواق المال، فالمعدن الذي اعتاد المستثمرون اللجوء إليه خلال الأزمات والحروب سجل خسائر متتالية أوصلته إلى أدنى مستوياته منذ أشهر، في وقت كانت فيه الظروف الجيوسياسية والاقتصادية توحي نظرياً باستمرار صعوده أو على الأقل محافظته على جزء كبير من مكاسبه.
وجاء الأداء الأخير للمعدن الأصفر ليطرح تساؤلات واسعة بين المستثمرين حول ما إذا كانت موجة الهبوط الحالية تعبر عن تغير حقيقي في أساسيات السوق، أم أنها مجرد حركة تصحيح مؤقتة فرضتها عوامل مالية ونقدية، سرعان ما تنتهي مع تغير اتجاه السياسات الاقتصادية.

خسائر متتالية
ومع إغلاق تعاملات الأسبوع الماضي، سجل الذهب تراجعه الأسبوعي الرابع على التوالي، ليستقر بالقرب من مستوى 4000 دولار للأوقية، بعدما فقد ما بين 20 و29 % من أعلى مستوياته المسجلة مطلع العام.
وجاء هذا التراجع مدفوعًا باستمرار قوة الدولار الأميركي، وارتفاع التوقعات بإبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، مع تصاعد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية.
ويرى محللون أن الأسواق أعادت تسعير الذهب وفق معطيات السياسة النقدية، وهو ما أدى إلى انتقال جزء من السيولة نحو الأصول ذات العائد، وفي مقدمتها السندات الأميركية.

تناقض واضح
ويؤكد الأداء الأخير وجود تناقض واضح بين حركة الذهب والأساسيات التقليدية التي تحكم أداءه.
فعادة ما يستفيد الذهب من الحروب والتوترات السياسية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، باعتباره أهم الملاذات الآمنة للمستثمرين، إلا أن ما حدث خلال الفترة الماضية كان مختلفاً، إذ تراجعت الأسعار رغم اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة.
كما أن المعدن الأصفر لم يستجب بالشكل المعتاد للمخاطر المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع كثيرًا من المراقبين إلى اعتبار ما جرى حركة استثنائية فرضتها المتغيرات النقدية أكثر من العوامل الجيوسياسية.

توقعات متباينة
وزادت حالة الارتباك مع تضارب توقعات المؤسسات المالية العالمية بشأن مستقبل الذهب.
فقد رجح بنك «جي بي مورغان» وصول الذهب إلى نحو 6000 دولار للأوقية بنهاية عام 2026، مع إمكانية بلوغه 6300 دولار خلال عام 2027، مستنداً إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية وزيادة الطلب على تنويع الاحتياطيات.
في المقابل، خفض بنك «غولدمان ساكس» توقعاته إلى 4900 دولار بنهاية 2026 مقارنة مع 5400 دولار سابقاً، نتيجة تراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة واستمرار قوة الدولار.
كما عدّل بنك «يو بي إس» توقعاته إلى 5500 دولار للأوقية بدلاً من 5900 دولار، مع الإبقاء على نظرته الإيجابية طويلة الأجل، فيما رأى «مورغان ستانلي» أن بلوغ مستويات مرتفعة جديدة أصبح أكثر صعوبة دون عودة قوية لتدفقات صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب.

قوة الدولار
ويبقى الدولار الأميركي العامل الأكثر تأثيرًا في أداء الذهب خلال المرحلة الحالية.
فارتفاع العملة الأميركية يزيد من تكلفة شراء الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، وهو ما يؤدي إلى تراجع الطلب العالمي على المعدن الثمين.
كما أن قوة الدولار تعكس في الوقت نفسه ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأميركي، وتجعل الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية مقارنة بالأصول التي لا تحقق عائداً دورياً، مثل الذهب.

عوائد مرتفعة
وفي الوقت ذاته، أسهمت توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة في رفع عوائد سندات الخزانة الأميركية، وهو ما وفر للمستثمرين بديلاً استثمارياً يتمتع بعائد ثابت، مقارنة بالذهب الذي لا يدر أي دخل.
ولهذا السبب، انتقلت شريحة من السيولة الاستثمارية من المعدن الأصفر إلى سوق السندات، الأمر الذي زاد من الضغوط البيعية على الذهب.
ويؤكد خبراء أن العلاقة العكسية بين الذهب والعوائد الحقيقية ما تزال واحدة من أكثر العلاقات تأثيرًا في الأسواق العالمية.

سيولة بديلة
ولم تقتصر التحولات على سوق السندات، بل امتدت أيضًا إلى أسواق الأسهم، خصوصاً شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التي نجحت في جذب جزء كبير من السيولة العالمية خلال الأشهر الماضية.
ومع تحسن شهية المستثمرين تجاه هذه القطاعات، تراجع الطلب على الذهب باعتباره أصلًا دفاعيًا، خاصة بعد انحسار جانب من المخاوف الجيوسياسية عقب اتفاق وقف إطلاق النار.
كما لعبت ضغوط السيولة العالمية دوراً إضافياً في زيادة عمليات البيع السريعة، مع سعي المستثمرين إلى توفير السيولة وإعادة توزيع محافظهم الاستثمارية.
أساسيات قوية

ورغم موجة التراجع، فإن العوامل الأساسية الداعمة للذهب لم تختفِ من الأسواق، إذ لا يزال المعدن الأصفر يحتفظ بدوره التقليدي كأداة للتحوط من التضخم، ووسيلة لتنويع المحافظ الاستثمارية، ومخزن للقيمة خلال فترات عدم اليقين.
كما أن استمرار البنوك المركزية في زيادة احتياطياتها من الذهب، وإن بوتيرة أبطأ مقارنة بالفترات السابقة، يعكس بقاء الطلب الهيكلي على المعدن الثمين، وهو عامل يرى كثير من المحللين أنه سيظل داعماً للأسعار على المدى الطويل.
إلى جانب ذلك، ما تزال مستويات الدين العالمي المرتفعة، والمخاطر المرتبطة بالنمو الاقتصادي، والتقلبات الجيوسياسية، عوامل تمنح الذهب أهمية استراتيجية داخل المحافظ الاستثمارية.

هبوط ميكانيكي
ويرى مراقبون أن ما شهده الذهب خلال الفترة الأخيرة أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ»الهبوط الميكانيكي»، أي حركة ناتجة عن إعادة توزيع السيولة بين الأصول الاستثمارية أكثر من كونها انعكاساً لتغير جوهري في أساسيات السوق.
فمع ارتفاع أسعار النفط خلال فترة الحرب، تصاعدت المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وهو ما عزز توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة، لتنتقل السيولة تدريجياً من الذهب إلى السندات الأميركية والدولار.
وبهذه الصورة، لم يكن الذهب الطرف المباشر في المعادلة، وإنما تأثر بسلسلة مترابطة من الأحداث بدأت بالطاقة، وانتقلت إلى التضخم، ثم إلى السياسة النقدية، لتنتهي بإعادة توجيه الاستثمارات نحو أدوات أخرى.

إعادة التموضع
كما شهدت الأسواق خلال الأسابيع الماضية عمليات إعادة تموضع واسعة للمحافظ الاستثمارية، بعد انحسار جزء من التوترات الجيوسياسية وعودة المستثمرين إلى تقييم مراكزهم وفق المعطيات الاقتصادية الجديدة.
وعادة ما تؤدي مثل هذه العمليات إلى خروج السيولة من بعض الأصول الدفاعية، والتوجه نحو أصول أخرى يُعتقد أنها تحقق عوائد أفضل في المرحلة التالية.
ويرى محللون أن هذا السلوك يعد جزءًا طبيعيًا من دورة الأسواق، ولا يعني بالضرورة انتهاء الدور التاريخي للذهب كملاذ آمن.

مضاربات واسعة
ومن بين العوامل التي ساهمت في تعميق التراجعات، تنامي النشاط المضاربي على الذهب خلال الأشهر الماضية، إذ دخل عدد كبير من المستثمرين بهدف تحقيق أرباح سريعة، بعيدًا عن فلسفة الاستثمار التقليدية في المعدن الأصفر.
وأدى ذلك إلى زيادة حساسية الأسعار تجاه أي أخبار أو بيانات اقتصادية، فتحولت عمليات جني الأرباح إلى موجات بيع متتالية، ساهمت في تضخيم الخسائر خلال فترة زمنية قصيرة.

رجوع لأعلى