هل ينتهي عصر التفوق الاستثماري الأميركي؟
لا تقتصر الهيمنة المالية للولايات المتحدة على الدولار ومكانته بوصفه عملة الاحتياط والتجارة الرئيسية في العالم، بل تستند إلى قوة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في قدرة الأسواق الأميركية على جذب المدخرات العالمية وتحويل الولايات المتحدة إلى وجهة استثمارية يصعب الاستغناء عنها.
وعلى مدى عقود، تدفقت رؤوس الأموال الأجنبية إلى الأسهم والسندات الأميركية، مستفيدة من عمق الأسواق والسيولة المرتفعة وقوة الشركات والمؤسسات. لكن مؤشرات ظهرت أخيراً تطرح تساؤلاً أكثر حساسية من مستقبل الدولار نفسه: ماذا سيحدث إذا بدأت الأسواق الأميركية تفقد جزءاً من قوة الجذب التي تمتعت بها طويلاً؟
الإجابة تتجاوز المستثمرين في «وول ستريت»، لأن الاقتصاد الأميركي أصبح أكثر ارتباطاً بأداء الأصول المالية. فالإنفاق الاستهلاكي يستفيد من ارتفاع الثروات، بينما تعتمد طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات على قدرة شركات التكنولوجيا على الاحتفاظ بثقة المستثمرين والوصول إلى التمويل بتكاليف مناسبة.
تفوق تاريخي
استندت جاذبية الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين إلى أداء استثنائي للأسهم مقارنة بمعظم الأسواق المنافسة. فمنذ القاع الذي سجلته الأسواق خلال الأزمة المالية العالمية، حققت الأسهم الأميركية عوائد سنوية قاربت 17 %، متفوقة بفارق واسع على أسواق أوروبا واليابان والصين والاقتصادات الناشئة.
وصنع هذا التفوق دائرة داعمة للاقتصاد؛ فارتفاع أسعار الأسهم عزز ثروات الأسر، ولا سيما عبر محافظ ومدخرات التقاعد، ما دعم الإنفاق من خلال ما يعرف بـ«أثر الثروة». وفي الوقت نفسه، سمحت التقييمات المرتفعة للشركات بالحصول على رؤوس الأموال اللازمة للتوسع والاستثمار.
لكن هذه المعادلة تجعل الاقتصاد أكثر حساسية لأي تصحيح ممتد في سوق الأسهم. فتراجع المحافظ الاستثمارية يمكن أن يضعف شهية المستهلكين للإنفاق، بينما قد يؤدي انخفاض تقييم شركات التكنولوجيا إلى تراجع قدرتها على مواصلة الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
تغير المعادلة
بدأت الفجوة التاريخية بين الولايات المتحدة وبقية العالم تضيق. فخلال العامين الماضيين، أصبحت عوائد الأسهم العالمية مقاربة لنظيرتها الأميركية، بل تجاوزتها في بعض الفترات، خصوصاً عند احتساب أداء الأسواق بالعملات المحلية.
ولا يعني ذلك أن المستثمرين يغادرون الولايات المتحدة بصورة جماعية، وإنما يشير إلى تغير تدريجي في معادلة توزيع رؤوس الأموال. فبعد سنوات كان فيها رفع الانكشاف على الأسهم الأميركية خياراً شبه تلقائي لكثير من المحافظ العالمية، أصبحت البدائل الخارجية أكثر قدرة على المنافسة.
ويتزامن ذلك مع حالة من عدم الارتياح تجاه صفقة الذكاء الاصطناعي التي قادت مكاسب السوق خلال السنوات الأخيرة. ورغم صعوبة ابتعاد المستثمرين بالكامل عن القطاع، نظراً لوزنه وتأثيره، فإن تدفق السيولة الجديدة لم يعد بالقوة الكافية لدفع الأسهم خارج نطاقات التداول الضيقة التي سيطرت عليها خلال الصيف.
تقييمات مرتفعة
تمثل مستويات تقييم الأسهم الأميركية تحدياً إضافياً. فبعد المكاسب الكبيرة التي سجلتها شركات التكنولوجيا، أصبحت الأسعار تعكس توقعات مرتفعة للغاية بشأن الأرباح المستقبلية ونمو الذكاء الاصطناعي.
وهذه التقييمات تجعل السوق أكثر حساسية لأسعار الفائدة وعوائد السندات. فكلما انخفضت أسعار سندات الخزانة وارتفعت عوائدها الاسمية والحقيقية المعدلة بالتضخم، ارتفع معدل الخصم المستخدم في حساب القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية للشركات.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح في أسهم التكنولوجيا مرتفعة التقييم، لأن جزءاً كبيراً من قيمتها يعتمد على الأرباح المتوقع تحقيقها مستقبلاً. وبالتالي، فإن ارتفاع العوائد الخالية من المخاطر يجعل تلك الأرباح المستقبلية أقل قيمة بالأسعار الحالية، ويزيد جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالأسهم.
ومن هنا، لم تعد الضغوط التي تواجه سوق سندات الخزانة منفصلة عن «وول ستريت»، بل أصبحت تهدد أحد أهم محركات صعودها.
ديون التكنولوجيا
تزداد العلاقة بين السوقين تعقيداً مع تحول شركات التكنولوجيا العملاقة إلى نموذج أعمال أكثر كثافة في رأس المال. فالسباق نحو تطوير الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى استثمارات هائلة في مراكز البيانات والرقائق وشبكات الكهرباء والبنية التحتية.
وتتحرك شركات كبرى، من «ألفابت» إلى «أوراكل»، باتجاه تمويل جزء من تلك الاستثمارات عبر الاقتراض، وهو تحول يجعل تكلفة الدين أكثر أهمية في تحديد قدرتها على الاستمرار في التوسع.
وتكتسب عوائد سندات الخزانة أهمية خاصة هنا، لأنها تمثل أحد المراجع الرئيسية التي تبنى عليها تكاليف اقتراض الشركات. وعندما ترتفع العوائد الحكومية، ترتفع معها عادة تكلفة إصدار سندات الشركات، ما يعني أن استمرار الضغوط على سوق الخزانة يمكن أن ينتقل مباشرة إلى ميزانيات شركات التكنولوجيا.
وهكذا، أصبح مستقبل طفرة الذكاء الاصطناعي مرتبطاً بصورة متزايدة بسوق الدين الأميركية، وليس فقط بقدرة الشركات على تحقيق قفزات تكنولوجية أو زيادة إيراداتها.
مأزق الخزانة
في سوق السندات، تزايد القلق بعدما تعرضت سندات الخزانة لضغوط قوية هذا الصيف، واقتربت عوائد السندات طويلة الأجل من الحدود العليا لنطاق التداول الذي ظهر عقب موجة التضخم في 2021 و2022، بل تجاوزتها في بعض الأحيان.
وتتمحور المخاوف حول الوضع المالي للحكومة الأميركية واستمرار العجز الكبير، وسط شكوك في وجود إرادة سياسية كافية لمعالجة الاختلالات بصورة جذرية.
وتزداد حساسية المستثمرين لأن استمرار الاقتراض الحكومي بكميات ضخمة يعني زيادة المعروض من سندات الخزانة، فيما يتطلب جذب المشترين تقديم عوائد أعلى إذا لم يرتفع الطلب بالمعدل نفسه.
وسواء جرى امتصاص الاختلال المالي مستقبلاً من خلال التضخم، أو انخفاض الدولار، أو إجراءات مالية أكثر صرامة، فإن الأسواق تدرك أن تكلفة تراكم العجز لن تختفي. وكلما تأخر التعامل معها، ازدادت احتمالات أن يصبح التصحيح أكثر صعوبة.
معضلة العجز
لكن معالجة العجز نفسها لا تخلو من مخاطر بالنسبة للأسهم. فهناك علاقة في الحسابات القومية تجعل عجز القطاع الحكومي يقابله، ضمن عوامل أخرى، فائض لدى قطاعات أخرى من الاقتصاد، ومن بينها الشركات.
ومن هذا المنظور، يمكن أن يؤدي خفض الإنفاق الحكومي أو زيادة الضرائب لمعالجة العجز إلى الضغط على الطلب والنشاط الاقتصادي، وبالتالي التأثير سلباً في أرباح الشركات على المدى القصير.
وهنا تظهر المفارقة: استمرار العجز يهدد سوق السندات ويرفع العوائد وتكلفة التمويل، بينما قد يؤدي التصحيح المالي السريع إلى إضعاف الأرباح والأسهم.
ويصبح التحدي أكبر كلما استمر تضخم الدين والعجز دون معالجة، لأن حجم الإجراءات المطلوبة لاحقاً سيكون أكبر، وبالتالي قد يكون أثرها الاقتصادي والمالي أشد.
بدائل عالمية
في المقابل، تتحسن جاذبية الأسواق المنافسة في توقيت حساس. فأرباح الشركات الأوروبية بدأت تظهر تسارعاً، فيما تكتسب إصلاحات حوكمة الشركات في اليابان زخماً، الأمر الذي يدعم قدرة السوق اليابانية على اجتذاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
كذلك، تحسنت الأوضاع المالية في عدد من الأسواق الناشئة، ما يمنح المستثمر العالمي خيارات أوسع لتنويع محافظه بعيداً عن التركيز الاستثنائي على الولايات المتحدة.
ولا تزال أميركا تمتلك مزايا هيكلية يصعب منافستها، تشمل جامعات رائدة ونظاماً قانونياً موثوقاً وسوقاً محلية هائلة ووفرة في الطاقة وبيئة أعمال مرنة نسبياً، فضلاً عن وضع ديموغرافي أفضل مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة.
ولهذا، فإن سيناريو التخلي الجماعي عن الأصول الأميركية يبدو بعيداً، تماماً مثل سيناريو الاستغناء المفاجئ عن الدولار. كما أن تراجع جاذبية سندات الخزانة يمكن أن يدفع بعض الأموال نحو الأسهم أو سندات الشركات الأميركية بدلاً من مغادرة البلاد كلياً.
لكن القضية الأساسية ليست انهيار الهيمنة الأميركية، وإنما احتمال تآكلها تدريجياً. وإذا أصبحت أوروبا واليابان والأسواق الناشئة أكثر تنافسية، فقد تتراجع الحاجة إلى منح الولايات المتحدة الوزن الاستثماري الاستثنائي الذي حصلت عليه في المحافظ العالمية طوال السنوات الماضية.