هل يهدأ النفط أم يبقى أسير هرمز؟
دخلت سوق النفط مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد «صعود بسبب الحرب» أو «هبوط بسبب التهدئة». فآخر إشارة سعرية مهمة جاءت من جلسة الجمعة 17 أبريل، حين هبط خام برنت 9.07 % إلى 90.38 دولار للبرميل، وتراجع خام غرب تكساس الوسيط 11.45 % إلى 83.85 دولار، بعد إعلان إيران أن مرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً خلال فترة وقف إطلاق النار، وبعد حديث أميركي عن عدم إغلاق المضيق مجدداً. هذا الهبوط كان الأكبر لكلا الخامين منذ 8 أبريل، ويعني أن السوق بدأت تفكك جزءاً مهماً من علاوة المخاطر التي تراكمت خلال الأسابيع الماضية.
لكن هذه الصورة لا تكفي وحدها لقراءة السوق في 19 أبريل. فاليوم هو الأحد، أي أن التداولات الرئيسية للعقود الآجلة ليست في جلسة تسوية جديدة، ولذلك فإن أحدث رقم مرجعي مؤكد لبرنت وغرب تكساس يبقى تسوية الجمعة المشار إليها. في المقابل، السعر الرسمي للنفط الكويتي ارتفع 53 سنتاً إلى 102.56 دولار للبرميل بحسب البيانات المنشورة في الكويت، وهو فارق مهم لأنه يعكس استمرار تشدد سوق الخامات الفعلية والإمدادات الإقليمية، حتى بعد تراجع العقود الآجلة العالمية. هذا التباين بين سعر الخام الكويتي وبين خامات المؤشرات العالمية يختصر جوهر الأزمة الحالية: السوق الورقية هدأت نسبياً، لكن السوق الفعلية لا تزال أكثر توتراً.
ومن هنا تحديداً تبرز أهمية التمييز بين «النفط على الشاشات» و«النفط الذي يصل فعلاً إلى المصافي». رويترز وصفت الوضع قبل أيام بأنه كسر واضح لـ«بوصلة التسعير» في سوق النفط، إذ إن أسعار الخامات الفعلية في بعض المراكز قفزت إلى مستويات أعلى بكثير من العقود الآجلة. فقد أشارت إلى أن خام برنت الفعلي المسلَّم إلى شمال غرب أوروبا بلغ نحو 120 دولاراً، فيما لامس خام فورتيس بحر الشمال قرابة 150 دولاراً في وقت سابق، بينما ظلت العقود المستقبلية أقل من هذه المستويات بكثير. معنى ذلك أن المتعاملين في السوق الورقية يراهنون على انفراج أسرع، بينما المتعاملون في الشحن والتكرير والتوريد الفعلي ما زالوا يسعرون نقصاً حقيقياً في البراميل المتاحة.
عامل زمني ولوجستي
هذا الانفصال بين السوقين يفسر أيضاً لماذا لا يمكن اعتبار هبوط الجمعة نهاية موجة الخطر. فحتى مع عودة بعض الحركة إلى المضيق، قالت رويترز إن نحو 20 سفينة شوهدت تتحرك من الخليج نحو المخرج عبر هرمز، وإن فتح الممر خطوة إيجابية، لكن السوق الأوروبية ستظل مشدودة لبعض الوقت لأن انتقال الخام من الخليج إلى روتردام يستغرق نحو 21 يوماً تقريباً، وبعبارة أوضح، لا يكفي الإعلان السياسي عن فتح المضيق كي تعود الإمدادات فوراً إلى مستوياتها السابقة؛ فهناك عامل زمني ولوجستي، وهناك عقود شحن ومخزون وقرارات مصافي تحتاج إلى وقت لاستيعاب التغيير.
أما على مستوى الطلب العالمي، فالصورة اليوم تميل إلى الضعف أكثر من القوة، وهو عامل أساسي ينبغي أن ينعكس بوضوح في أي تقرير محدث، وكالة الطاقة الدولية قالت في تقريرها الشهري الصادر في 14 أبريل 2026 إن الطلب العالمي على النفط متوقع أن ينكمش هذا العام بمتوسط 80 ألف برميل يومياً، بعد أن كانت تتوقع قبل شهر فقط نمواً قدره 730 ألف برميل يومياً. كما أشارت إلى أن الطلب انخفض بالفعل بنحو 800 ألف برميل يومياً على أساس سنوي في مارس، وبنحو 2.3 مليون برميل يومياً في أبريل، مع تركز الضعف في الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ، خصوصاً في النافثا وغاز البترول المسال ووقود الطائرات. هذه أرقام ثقيلة، لأنها تعني أن صدمة الأسعار بدأت تتحول إلى «تدمير طلب» حقيقي لا إلى تقلب مالي مؤقت فقط.
خفض معدلات التشغيل
وتضيف وكالة الطاقة الدولية أن المصافي أيضاً ليست بمنأى عن الأزمة. فقد قدّرت أن بعض المصافي في الشرق الأوسط وآسيا خفضت معدلات التشغيل بنحو 6 ملايين برميل يومياً خلال أبريل، وأن متوسط تشغيل المصافي عالمياً في 2026 يتجه إلى التراجع مليون برميل يومياً إلى 82.9 مليون برميل يومياً. هذه النقطة بالغة الأهمية، لأن أثر الاضطراب لا يقتصر على إنتاج الخام، بل يمتد إلى تحويله إلى منتجات نهائية مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، ما يزيد حساسية السوق ويضغط على الهوامش والقدرة على إعادة التوازن سريعاً.
في المقابل، لا تزال أوبك أكثر تمسكاً بنظرة أقل تشاؤماً. ووفق الملخص المنشور لتقريرها الشهري، ما زالت المنظمة تتوقع نمواً «صحياً» في الطلب العالمي خلال 2026 بمقدار 1.4 مليون برميل يومياً على أساس سنوي، من دون تعديل عن التقييم السابق. هذا الفرق الكبير بين تقديرات أوبك وتقديرات وكالة الطاقة الدولية هو واحد من أهم مفاتيح قراءة السوق حالياً. فإذا كانت أوبك تراهن على استمرار متانة الاستهلاك العالمي، فإن وكالة الطاقة الدولية تعتقد أن الأسعار المرتفعة والاضطرابات الحالية بدأتا تضربان الطلب فعلاً، وبين التقديرين تتحرك السوق الآن في مساحة واسعة من الضبابية.
أفق الإمدادات
ولا تقف الضبابية عند الطلب فقط، بل تشمل أفق الإمدادات أيضاً. بنك غولدمان ساكس قال في 17 أبريل إن ضعف الطلب وتخفف بعض اضطرابات المعروض توازنا نسبياً في توقعاته، لذلك أبقى متوسط توقعاته لعام 2026 عند 83 دولاراً لبرنت و78 دولاراً لغرب تكساس، على افتراض أن تدفقات النفط عبر هرمز تعود تدريجياً إلى طبيعتها بحلول منتصف مايو. لكنه حذر في الوقت نفسه من أن أي تعافٍ أسرع لإمدادات الخليج قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الهبوط على المدى القريب، بينما قد يرفعها مجدداً أي فشل في تثبيت السلام أو أي تعطيل جديد للتدفقات. هذه «المخاطر الثنائية» تشرح لماذا لا يملك السوق اليوم اتجاهاً واحداً واضحاً.
على الجانب الآخر، رفع بنك ANZ تقديراته لأسعار النفط هذا الشهر، متوقعاً أن ينهي برنت العام عند 88 دولاراً للبرميل وأن يبقى فوق 90 دولاراً خلال بقية 2026، مقارنة بتقديرات سابقة كانت أقرب إلى 80 دولاراً. البنك برر ذلك بخسائر الإمدادات من الخليج، والقيود اللوجستية، وعمليات الإغلاق الاحترازي للإنتاج، وقدّر أن نحو 10 ملايين برميل يومياً أُزيلت فعلياً من السوق مقارنة بخط الأساس الذي بناه في يناير. كما أشار إلى أن ما بين مليون ومليوني برميل يومياً قد يتعرض لتعطل دائم أو شبه دائم بسبب الأضرار وتأجيل الصيانة والضغوط المالية. هذا يعني أن السيناريو المتشدد لم يختفِ، بل تراجع وزنه مؤقتاً فقط بعد إعادة فتح هرمز.
تعافي قد يستغرق عامين
وتعزز تصريحات وكالة الطاقة الدولية هذا الحذر. فقد نُقل عن المدير التنفيذي للوكالة فاتح بيرول أن تعافي إنتاج الطاقة المفقود في الشرق الأوسط قد يستغرق نحو عامين في المجمل، مع تفاوت بين دولة وأخرى، وأن السوق ربما لا تزال تقلل من شأن أثر الإغلاق المطول أو التعطل المطول في هرمز. كما أكدت رويترز أن الوكالة مستعدة للسحب من المخزونات الطارئة إذا استدعت الحاجة، ما يوضح أن المؤسسات الدولية لا تتعامل مع ما جرى على أنه هزة عابرة، بل كحدث قد يمتد أثره زمنياً حتى لو خفت حدته السعرية في بعض الجلسات.
ومن زاوية السوق المادية أيضاً، ظهرت أمس مؤشرات لعودة جزئية مهمة لحركة الغاز الطبيعي المسال، إذ أظهرت بيانات تتبع السفن اقتراب خمس ناقلات غاز قطرية محملة من مضيق هرمز، في أول عبور من هذا النوع منذ بداية الحرب الحالية. كما كانت قافلة من ناقلات النفط تعبر المضيق يوم السبت. هذه الإشارات مهمة لأنها تمنح السوق دليلاً عملياً على عودة المرور، لكنها تظل مؤشرات أولية لا تعني أن أزمة الإمدادات انتهت بالكامل، بل تعني فقط أن مسار التطبيع اللوجستي بدأ، إن لم تحدث انتكاسة سياسية أو عسكرية جديدة.