وارش يفتح صفحة جديدة في الاحتياطي الفيدرالي ويعيد صياغة رسائل الأسواق
تتجه الأنظار في الأسواق المالية العالمية نحو الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش، الذي يستعد لإطلاق واحدة من أوسع عمليات إعادة هيكلة سياسة التواصل النقدي في تاريخ البنك المركزي الحديث، في خطوة قد تؤثر بصورة مباشرة على كيفية تفسير المستثمرين لتوجهات أسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة.
وتشير تقديرات عدد من المسؤولين السابقين في الاحتياطي الفيدرالي إلى أن وارش قد يبدأ تنفيذ أولى خطواته الإصلاحية خلال اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المرتقب في يونيو، وذلك عبر تقليص أو إعادة صياغة الأدوات التي يستخدمها البنك لتوجيه توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة مزيجاً معقداً من الضغوط التضخمية والتحديات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، ما يزيد من أهمية وضوح الرسائل الصادرة عن البنك المركزي بالنسبة للمستثمرين والشركات وصناع القرار.
بداية مرحلة جديدة
منذ توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لباول في مايو الماضي، لم يخف وارش رغبته في مراجعة عدد من السياسات التي أصبحت جزءاً أساسياً من أدوات البنك المركزي خلال العقدين الأخيرين.
ويعتقد الرئيس الجديد أن بعض آليات التواصل الحالية لم تعد تتناسب مع البيئة الاقتصادية الراهنة، وأن الإفراط في تقديم توقعات مسبقة بشأن مسار أسعار الفائدة قد يقيد مرونة صناع السياسة النقدية ويزيد احتمالات وقوع أخطاء في إدارة الاقتصاد.
وتشير تصريحات سابقة لوارش إلى أنه يفضل أن تُبنى قرارات الفائدة على البيانات الاقتصادية المتاحة في حينها بدلاً من الالتزام المسبق بمسارات مستقبلية قد تتغير ظروفها بسرعة.
كما يرى أن الأسواق باتت تعتمد بصورة مفرطة على بعض المؤشرات التي لم تكن مصممة أساساً لتكون تعهدات أو وعوداً بشأن السياسة النقدية المستقبلية.
مصير «مخطط النقاط»
يتركز الاهتمام الأكبر حالياً حول مستقبل ما يعرف بـ«مخطط النقاط»، وهو أحد أكثر أدوات الاحتياطي الفيدرالي متابعة من قبل المستثمرين حول العالم.
ويعرض هذا المخطط توقعات أعضاء لجنة السوق المفتوحة بشأن أسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة، وقد أصبح منذ إطلاقه عام 2012 مرجعاً رئيسياً للأسواق في تحديد اتجاهات السياسة النقدية الأميركية.
وخلال السنوات الماضية كانت التغييرات الطفيفة في هذه التوقعات قادرة على تحريك أسواق السندات والعملات والأسهم بمليارات الدولارات خلال ساعات قليلة.
إلا أن وارش كان من أبرز المنتقدين لهذه الأداة، إذ يرى أن التوقعات الفردية لأعضاء اللجنة قد تتحول إلى التزام غير مباشر يصعب تعديله عندما تتغير الظروف الاقتصادية.
كما يعتقد أن المستثمرين يمنحون هذه التوقعات أهمية أكبر بكثير من الغرض الذي صممت من أجله في الأصل.
نهاية التوجيه المسبق
لا تقتصر التغييرات المحتملة على «مخطط النقاط» فقط، بل تمتد إلى مفهوم التوجيه المسبق الذي أصبح جزءاً رئيسياً من أدوات البنوك المركزية منذ الأزمة المالية العالمية.
وخلال حقبة أسعار الفائدة الصفرية استخدم الاحتياطي الفيدرالي هذه الأداة لإقناع الأسواق بأن تكاليف الاقتراض ستظل منخفضة لفترات طويلة، بهدف دعم النمو والاستثمار.
لكن وارش يعتبر أن الظروف الحالية مختلفة تماماً، وأن استمرار استخدام الأسلوب نفسه قد يحد من قدرة البنك المركزي على الاستجابة السريعة للتطورات الاقتصادية.
ولهذا السبب يتوقع مراقبون أن يشهد بيان يونيو تقليصاً كبيراً للعبارات التي تعطي إشارات مسبقة حول الخطوة التالية للفائدة.
ويعني ذلك أن الأسواق قد تجد نفسها أمام قدر أقل من التوجيهات وأكثر من الاعتماد على البيانات الاقتصادية المباشرة.
معركة التضخم
تأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه السياسة النقدية الأميركية تحديات متزايدة مرتبطة بالتضخم وأسعار الطاقة.
فقد أعادت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط المخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما زاد من حالة عدم اليقين حول مسار التضخم خلال الأشهر المقبلة.
وأدى ذلك إلى تراجع قناعة الأسواق بأن خفض الفائدة سيكون الخيار التالي للاحتياطي الفيدرالي، إذ بات بعض المستثمرين يضعون احتمال استمرار التشديد النقدي أو حتى رفع الفائدة مجدداً ضمن السيناريوهات الممكنة.
وفي هذا السياق يرى عدد من صناع السياسة النقدية أن الإبقاء على لغة تميل إلى التيسير لم يعد يتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد.
كما أن ارتفاع احتمالات تجدد الضغوط التضخمية يجعل الحاجة أكبر إلى منح البنك المركزي مرونة أوسع في اتخاذ قراراته دون التزامات مسبقة.
انقسام داخل البنك
رغم وجود دعم داخل أوساط الاحتياطي الفيدرالي لبعض أفكار وارش، فإن الآراء لا تزال منقسمة بشأن مدى جدوى التخلي عن الأدوات الحالية.
فبعض المسؤولين السابقين يرون أن التوجيهات المستقبلية ومخطط النقاط لعبا دوراً مهماً في تعزيز الشفافية وتقليل حالة الغموض في الأسواق المالية.
كما ساعدت هذه الأدوات المستثمرين على فهم طريقة تفكير صناع القرار وتوقع ردود أفعالهم تجاه المتغيرات الاقتصادية المختلفة.
في المقابل، يرى مؤيدو الإصلاحات أن الإفراط في الاعتماد على هذه الأدوات خلق مشكلات جديدة، أبرزها تحول الأسواق إلى التركيز على توقعات مستقبلية قد تتغير بسرعة بدلاً من التركيز على البيانات الاقتصادية الفعلية.
ويعتقد هؤلاء أن تقليل التوجيهات المسبقة قد يعزز مرونة السياسة النقدية ويمنح البنك المركزي قدرة أكبر على التعامل مع الصدمات المفاجئة.
إصلاح مؤسسي
لا ينظر كثير من الخبراء إلى التغييرات المرتقبة باعتبارها تعديلات تقنية بسيطة، بل يرونها جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تعريف دور الاحتياطي الفيدرالي في الاقتصاد الأميركي.
فإذا مضى وارش في تنفيذ رؤيته بالكامل، فقد يشهد البنك المركزي أكبر تحول في منظومة التواصل وصنع التوقعات منذ الأزمة المالية العالمية.
كما قد تمتد هذه التغييرات مستقبلاً إلى آليات أخرى تتعلق بنشر التوقعات الاقتصادية وتفسير قرارات السياسة النقدية.
ويؤكد مسؤولون سابقون أن عملية الإصلاح لن تتم دفعة واحدة، بل ستحتاج إلى مراحل متدرجة لضمان عدم إرباك الأسواق أو الإضرار بمصداقية المؤسسة.
ترقب عالمي
يتابع المستثمرون حول العالم هذه التطورات باهتمام بالغ نظراً للدور المحوري للاحتياطي الفيدرالي في الاقتصاد العالمي.
فأي تغيير في طريقة تواصل البنك المركزي الأميركي لا ينعكس فقط على الأسواق المحلية، بل يمتد تأثيره إلى أسواق السندات والعملات والأسهم في مختلف القارات.
ومع اقتراب اجتماع يونيو، تزداد التوقعات بأن تكون الأشهر المقبلة بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الاحتياطي الفيدرالي والأسواق المالية، مرحلة قد تعتمد فيها «وول ستريت» بدرجة أقل على الإشارات المسبقة وأكثر على قراءة الواقع الاقتصادي الفعلي.
وبينما لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيمضي وارش في تنفيذ خططه، فإن المؤكد أن البنك المركزي الأميركي يقف أمام منعطف مهم قد يعيد تشكيل قواعد التواصل النقدي التي هيمنت على الأسواق العالمية لأكثر من عقد من الزمن.