واشنطن تحاصر بدائل النفوذ الاقتصادي الأميركي
لم تعد الحرب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة ضد شركائها وخصومها تقتصر على فرض الرسوم الجمركية أو تحسين شروط التبادل التجاري، بل اتسعت لتشمل صراعاً أكثر عمقاً على البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، من أنظمة المدفوعات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى أسواق المال والدفاع وشبكات الاتصالات.
وعلى الرغم من أن التهديدات الأميركية المتواصلة بفرض رسوم جديدة، وآخرها التلويح بفرض رسوم تصل إلى 50 % على كندا، لا تزال تتصدر المشهد، فإن السياسة الاقتصادية لواشنطن دخلت مرحلة مختلفة، تقوم على منع الدول من تطوير بدائل للخدمات والمنظومات التي تهيمن عليها الشركات والمؤسسات الأميركية.
فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى رفع تكلفة الوصول إلى سوقها أو خدماتها، وإنما تريد الاحتفاظ بموقعها بوصفها البوابة التي يصعب تجاوزها في الاقتصاد العالمي، مع ردع الحكومات والشركات التي تحاول تقليل اعتمادها على الدولار أو التكنولوجيا الأميركية أو المظلة الدفاعية التي توفرها واشنطن.
تحول استراتيجي
تعكس هذه السياسة انتقالاً من تحصيل مقابل مالي أكبر من الدول المستفيدة من النفوذ الأميركي إلى محاولة إغلاق المنافذ أمام المنافسين. فبدلاً من الاكتفاء بزيادة الرسوم أو فرض شروط تجارية أشد، أصبحت الإدارة الأميركية تنظر إلى إنشاء شبكات مالية وتقنية ودفاعية مستقلة باعتباره تحدياً مباشراً لمكانة الولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية مجرد عودة إلى الحمائية الاقتصادية التي عرفها العالم في ثلاثينيات القرن الماضي، ولا نسخة أميركية من السياسات التجارية الصينية، بل مشروعاً يهدف إلى تحصين الاقتصاد الأميركي ضد أي ضغوط أو أشكال محتملة من الإكراه الاقتصادي.
وتسعى واشنطن إلى الحصول على مقابل مادي وسياسي نظير الخدمات التي تقدمها للعالم، وفي مقدمتها سوقها الاستهلاكية الضخمة، وأسواقها المالية، والدولار، وشبكاتها التكنولوجية، وحقوق الملكية الفكرية، وصناعاتها الدفاعية، إضافة إلى الضمانات الأمنية التي توفرها لحلفائها.
اقتصاد غير ملموس
ينطلق هذا التوجه من إدراك أن النفوذ الاقتصادي الأميركي لم يعد يعتمد أساساً على صادرات السلع التقليدية، بل على الخدمات والأصول غير الملموسة، مثل البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتمويل والتقنيات الرقمية وبراءات الاختراع.
وفي عصر الرأسمالية الرقمية، أصبحت الشركات الأميركية تحقق دخلاً ضخماً من استخدام العالم لمنصاتها وخدماتها وشبكاتها، وهو ما يدفع الإدارة إلى حماية هذه التدفقات ورفع قيمتها، بدلاً من التركيز فقط على العجز التجاري أو حركة السلع عبر الحدود.
ولهذا رفعت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية، وطالبت شركاءها بالتزامات استثمارية داخل السوق الأميركية، وعقد اتفاقيات شراء طويلة الأجل، وزيادة الإنفاق على المعدات العسكرية والتكنولوجيا الأميركية، إلى جانب تشجيع الحكومات على استخدام منتجات الشركات الأميركية حتى عندما تكون تكلفتها أعلى من البدائل المتاحة.
وبالتوازي مع زيادة الإيرادات المتدفقة إلى الاقتصاد الأميركي، تعمل واشنطن على تقليل تكاليف التزاماتها الدولية، من خلال مطالبة حلفائها بتحمل حصة أكبر من الإنفاق الدفاعي، وربط الضمانات الأمنية بشروط اقتصادية وسياسية جديدة.
وقد ظهر هذا النهج في العلاقة مع دول حلف شمال الأطلسي، وفي التعامل مع أوكرانيا وتايوان، حيث أصبحت الاستفادة من الحماية الأميركية مرتبطة بدرجة أكبر بالاستثمار العسكري وشراء الأسلحة الأميركية وتقديم تنازلات اقتصادية.
خدمات مشروطة
تبعث السياسة الجديدة برسالة واضحة مفادها أن الدول التي ترفض الشروط الأميركية قد تفقد بعض الامتيازات التي كانت تعدها مضمونة سابقاً.
فالحكومات التي تعتمد على المظلة الدفاعية الأميركية، من دون رفع إنفاقها العسكري، قد تواجه تراجعاً في الالتزامات الأمنية الأميركية. كما أن الدول التي لا تضخ استثمارات كافية داخل الولايات المتحدة قد تخسر الامتيازات الجمركية التي تتيح لها دخول أكبر سوق استهلاكية في العالم برسوم منخفضة.
ولم يعد الوصول إلى أحدث التقنيات الأميركية حقاً متاحاً بصورة تلقائية، إذ يمكن للشركات والحكومات الأميركية فرض قيود مفاجئة على استخدام المنصات أو النماذج المتقدمة.
وتجلى ذلك في منع مستخدمين أجانب بصورة مؤقتة من الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي تابعة لشركة «أنثروبيك»، وهو ما عزز مخاوف الدول من إمكانية تحول الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية إلى نقطة ضعف استراتيجية.
وتشير الأرقام إلى أن أجزاء من هذه السياسة حققت نتائج إيجابية للولايات المتحدة، بعدما سجلت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إليها مستوى قياسياً خلال العام الماضي، بينما ارتفع الدخل الآتي من الخارج لصالح قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية والملكية الفكرية والدفاع إلى ما يعادل نحو 7 % من الناتج المحلي الإجمالي.
مواجهة الاستقلال الرقمي
رفض مسؤولون أميركيون توجه الدول إلى تطوير قدرات رقمية مستقلة، إذ اعتبر وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون الاقتصادية جاكوب هيلبرج أن هذا المسار يمثل خطوة رجعية وغير مجدية.
كما أصدر وزير الخارجية ماركو روبيو تعليمات للدبلوماسيين الأميركيين بمواجهة المخاوف المتزايدة بشأن ما يعرف بـ«مفاتيح الإيقاف»، أي قدرة الشركات أو الحكومة الأميركية على تعطيل التكنولوجيا المصدرة إلى الخارج عن بُعد.
وتخشى دول أوروبية وآسيوية من أن تصبح أنظمتها الدفاعية أو الرقمية عرضة للتوقف إذا اندلعت خلافات سياسية مع واشنطن، وهو ما يزيد من جاذبية بناء منظومات محلية تتمتع بدرجة أكبر من الاستقلال.
ولا تكتفي الإدارة الأميركية بمحاولة إقناع الدول بعدم الابتعاد عن شبكاتها، بل تمارس ضغوطاً مباشرة على البدائل التي تراها منافسة، وهو سلوك له سوابق تاريخية.
شروط الاتفاقيات
تتضمن كثير من الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها الإدارة الأميركية بنوداً تتجاوز الرسوم والسلع، وتهدف إلى حماية مكانة الشبكات الأميركية في التكنولوجيا والاتصالات والتمويل.
كما تمنح بعض هذه الترتيبات واشنطن قدرة على الاعتراض على الاتفاقيات التكنولوجية التي قد تبرمها الدول مع الصين، بما يحول الاتفاق التجاري إلى أداة لضبط العلاقات التقنية والاستراتيجية للشركاء.
ويظهر هذا النهج بوضوح في موقف الولايات المتحدة من منصة «بيكس» البرازيلية للمدفوعات الرقمية، التي حققت انتشاراً واسعاً وقللت اعتماد المستخدمين على شبكات الدفع الأميركية.
وقد تزامن الهجوم الأميركي على المنصة مـع فرض رســوم بنسبة 25 % على البرازيل، ما أثار اعتقاداً بأن الهدف يتجاوز الخلافات التجارية التقليدية إلى محاولة الحد من توسع منافس لأنظمة الدفع الأميركية.
منافسة الذكاء الاصطناعي
يمثل الذكاء الاصطناعي ساحة أخرى للصراع، بعدما اقتربت نماذج صينية، من بينها نماذج شركة «مونشوت»، من منافسة المنتجات الأميركية من حيث الأداء، مع تقديمها بتكلفة أقل.
وأثار هذا التطور مخاوف داخل واشنطن من فقدان التفوق في قطاع يعد أساسياً للنمو الاقتصادي والأمن القومي، بينما ظهرت اتهامات تتعلق بسرقة الملكية الفكرية والمخاطر الأمنية.
وصرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بأن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، وهو ما يشير إلى استعداد الإدارة لاستخدام العقوبات وليس الرسوم وحدها لإبطاء توسع المنافسين.