وكلاء الذكاء الاصطناعي يعيدون تشكيل الإنترنت
تقترب شبكة الإنترنت من تحول ربما يكون الأكبر منذ ظهور محركات البحث، مع تطور «وكلاء الذكاء الاصطناعي» القادرين على الانتقال من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ المهام نيابة عن المستخدم، بما يشمل البحث والمقارنة والتخطيط والحجز والتعامل مع الخدمات الرقمية المختلفة.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة رؤية طرحها مخترع الشبكة العنكبوتية العالمية السير تيم برنرز-لي قبل أكثر من عقدين، عندما تصور وجود وكلاء أذكياء يستطيعون قراءة المعلومات المنشورة على الإنترنت وفهمها والتصرف استناداً إليها.
وبدأت الموجة الحالية مع الانتشار الواسع لبرامج الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي منذ إطلاق «شات جي بي تي» في 2022، عندما تحول ملايين المستخدمين من كتابة كلمات مفتاحية في محركات البحث إلى طرح أسئلة كاملة والحصول على إجابات مباشرة.
لكن المرحلة التالية تتجاوز الإجابة إلى الفعل. فبدلاً من أن يطلب المستخدم معلومات عن رحلة من لندن إلى نيويورك ثم ينتقل بنفسه بين مواقع الطيران والفنادق وتأجير السيارات، يمكن لوكيل ذكي مستقبلاً إدارة العملية، وجمع الخيارات ومقارنتها، ثم تنفيذ الحجز بعد الحصول على الموافقة اللازمة.
لغة مشتركة
تواجه هذه الرؤية عقبة أساسية تتمثل في أن الإنترنت الحالي صُمم في الأساس للبشر. فالمواقع تعتمد على صفحات وأزرار وقوائم وواجهات بصرية يستطيع الإنسان فهمها، بينما تحتاج البرامج إلى وسائل منظمة للوصول إلى البيانات والخدمات.
كما تختلف واجهات برمجة التطبيقات من خدمة إلى أخرى، ما يجعل بناء اتصال مستقل لكل وكيل مع آلاف الخدمات مهمة معقدة ومكلفة.
ومن هنا ظهرت بروتوكولات تستهدف إنشاء لغة مشتركة تسمح لأنظمة الذكاء الاصطناعي بالتفاعل مع الأدوات ومصادر البيانات والخدمات. ومن أبرزها «Model Context Protocol» أو «MCP»، الذي قدمته «أنثروبيك» بهدف توحيد طريقة اتصال تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالأنظمة الخارجية.
وبالتوازي، ظهر بروتوكول «Agent2Agent» أو «A2A» الذي يسمح للوكلاء المختلفين بالتواصل والتنسيق وتبادل المعلومات بشأن قدراتهم، بما يساعد على تقسيم المهام المعقدة بين أكثر من نظام متخصص.
وهكذا يمكن أن يتحول طلب بسيط مثل «نظم لي رحلة عائلية مناسبة إلى نيويورك» إلى سلسلة من العمليات المتوازية؛ وكيل يبحث عن الطيران، وآخر يقارن الفنادق، وثالث يبحث عن وسائل النقل والأنشطة، ثم تتبادل الأنظمة النتائج لتكوين عرض نهائي للمستخدم.
وتدفع شركات التكنولوجيا أيضاً نحو تطوير معايير مفتوحة تجعل أنظمة الوكلاء أكثر قدرة على العمل معاً، بدلاً من تحول كل منصة إلى نظام مغلق لا يستطيع التواصل مع منافسيه.
منافسة المنصات
ومع انتقال الوكلاء إلى تنفيذ المهام، تظهر ساحة تنافس جديدة بين شركات التكنولوجيا على البوابة التي سيستخدمها المستهلك للوصول إلى الإنترنت.
فإذا أصبح المستخدم قادراً على مطالبة وكيله بجلب المستندات أو إدارة البريد أو البحث عن رحلة وشراء منتج، فقد يتراجع احتياجه إلى التنقل يدوياً بين عشرات المواقع والتطبيقات. وهنا تتحول قيمة المنصة من «مكان يزوره الإنسان» إلى «خدمة يستطيع الوكيل التعامل معها».
وتحاول شركات تطوير أدوات تجعل محتوى الويب أكثر قابلية للفهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، ومن بينها «NLWeb» من مايكروسوفت، التي تستهدف تمكين المواقع من تقديم واجهات محادثة باللغة الطبيعية وربط المحتوى بأنظمة الوكلاء.
لكن التحول يثير مقاومة بعض الشركات التي تخشى فقدان العلاقة المباشرة مع العملاء. فالمنصة التي بنت نموذجها التجاري على دخول المستخدم إلى موقعها ومشاهدة الإعلانات أو الخدمات الإضافية قد تجد نفسها أمام وكيل يجمع المعلومات وينفذ المهمة من دون أن يرى العميل الصفحة نفسها.
وسيصل التغيير إلى قطاع الإعلان أيضاً. فقد اعتمد اقتصاد الإنترنت طوال عقود على المنافسة على انتباه الإنسان، لكن انتشار الوكلاء قد يجعل الشركات مضطرة إلى المنافسة على «انتباه الخوارزمية».
وعندها لن يكون السؤال فقط: كيف يظهر المنتج أمام المستهلك؟ بل كيف يمكن جعله مفهوماً وموثوقاً وجذاباً للوكيل الذي يقارن آلاف الخيارات نيابة عنه؟
سرعة الآلات
وقد يؤدي ذلك إلى تضخم حجم النشاط على الإنترنت بصورة غير مسبوقة. فالإنسان يستطيع قراءة عدد محدود من الصفحات ومقارنة عدد محدود من المنتجات، بينما يمكن للوكيل فحص أعداد ضخمة من المصادر في وقت قصير وتنفيذ عمليات متعددة بالتوازي.
ويرى باراغ أغراوال، مؤسس «Parallel Web Systems»، أن الوكلاء يمكن أن يستخدموا الإنترنت بمعدلات تفوق البشر بمئات أو آلاف المرات، لأنهم غير مقيدين بسرعة القراءة البشرية ويمكنهم تتبع روابط وبيانات يتجاهلها المستخـدم العادي.
الوكلاء يرسمون مستقبل الإنترنت الجديد
قد يكون التحول الأعمق هو انتقال الإنترنت من نموذج يقوم فيه الإنسان ببدء كل عملية إلى شبكة تستطيع فيها الوكلاء تنفيذ جانب متزايد من الأعمال بصورة استباقية. وبدلاً من تصفح عشرات الصفحات، يمكن للمستخدم تحديد هدف وترك الوكيل يبحث ويقارن وينظم النتائج. وإذا نجحت الشركات في حل مشكلات الثقة والأمن والتوافق، فقد تصبح الشبكة خلال السنوات المقبلة مكاناً تتعامل فيه الآلات مع الآلات نيابة عن البشر، محققة بصورة مختلفة رؤية الإنترنت الذكي التي ظهرت قبل أكثر من عقدين.