وول ستريت تتحدى التوترات بمكاسب واسعة
واصلت الأسهم الأميركية أداءها الإيجابي خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما عززت بيانات التضخم التي جاءت أضعف من التوقعات، إلى جانب نتائج مالية قوية لعدد من أكبر البنوك الأميركية، ثقة المستثمرين في قدرة الاقتصاد على مواصلة النمو دون الحاجة إلى تشديد إضافي في السياسة النقدية، وذلك رغم استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط.
وسجل المؤشران ستاندرد آند بورز 500 وناسداك المجمع مكاسب ملحوظة، بينما أنهى داو جونز الصناعي الجلسة على ارتفاع طفيف، في وقت قادت فيه أسهم شركات التكنولوجيا وصناعة الرقائق موجة الصعود، مدفوعة بتزايد الإقبال على الأصول ذات المخاطر.
ويعكس أداء الأسواق استمرار تفاؤل المستثمرين بإمكانية تحقيق ما يعرف بـ«الهبوط الناعم» للاقتصاد الأميركي، مع تباطؤ الضغوط التضخمية واستمرار متانة أرباح الشركات، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي.
التضخم يعزز شهية المخاطرة
وجاءت المكاسب بعد صدور بيانات وزارة العمل الأميركية التي أظهرت تباطؤ التضخم خلال يونيو بوتيرة فاقت توقعات المحللين، وهو ما اعتبرته الأسواق مؤشراً إيجابياً على نجاح جهود الاحتياطي الفيدرالي في احتواء الضغوط السعرية.
ويرى المستثمرون أن تباطؤ التضخم يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الفترة المقبلة، وهو ما يخفف الضغوط على الشركات ويعزز جاذبية الأسهم مقارنة بالأصول الأخرى.
كما ساهم تراجع أسعار الطاقة خلال الشهر الماضي، قبل موجة الارتفاع الأخيرة، في دعم قراءة التضخم، إلى جانب مؤشرات كانت قد ظهرت سابقاً حول إحراز تقدم في المحادثات الرامية إلى وقف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما انعكس إيجاباً على بيانات الأسعار.
ورغم أن أسعار النفط عادت إلى الارتفاع مع تجدد التصعيد العسكري، فإن المستثمرين ركزوا بصورة أكبر على اتجاه التضخم الأساسي، الذي أظهر استمرار تباطؤ الضغوط السعرية.
وارش يطمئن الأسواق
وفي موازاة ذلك، تابع المستثمرون باهتمام أول شهادة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش أمام الكونغرس منذ توليه منصبه، حيث عرض رؤيته بشأن مسار التضخم والسياسة النقدية.
وجاءت تصريحات وارش في وقت حساس، مع استمرار المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد المخاوف من تأثير ارتفاع أسعار النفط في مستويات التضخم مستقبلاً.
إلا أن الأسواق تلقت تصريحاته بإيجابية، بعدما أكد استمرار جهود البنك المركزي لاحتواء التضخم، دون الإشارة إلى حاجة فورية لتشديد السياسة النقدية، وهو ما عزز التوقعات باستقرار أسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة إذا استمرت البيانات الاقتصادية في الاتجاه نفسه.
ويرى محللون أن أي إشارات إلى تباطؤ التضخم تقلل احتمالات رفع أسعار الفائدة، وهو ما يدعم تقييمات الأسهم ويخفض تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد.
البنوك تبدأ موسم الأرباح بقوة
وفي الوقت نفسه، تلقى المستثمرون دفعة إضافية مع انطلاق موسم نتائج أعمال الربع الثاني، حيث أعلنت خمسة من أكبر البنوك الأميركية تحقيق أرباح وإيرادات تجاوزت توقعات الأسواق.
وجاءت النتائج مدعومة بنشاط قوي في أعمال التداول والاستشارات المالية، إضافة إلى انتعاش عمليات إبرام الصفقات، التي استفادت من زيادة تقلبات الأسواق والطلب المتزايد على الخدمات الاستثمارية.
وارتفع سهم غولدمان ساكس بعد إعلان نتائج قوية، مدعوماً بتسارع نشاط الصفقات وارتفاع إيرادات التداول، في وقت عززت فيه التقلبات الجيوسياسية الطلب على خدمات الأسواق المالية.
كما سجل سهما جيه بي مورغان تشيس وبنك أوف أميركا مكاسب بعد إعلان نتائج فاقت توقعات المحللين، في مؤشر على استمرار قوة القطاع المصرفي الأميركي رغم البيئة الاقتصادية التي لا تزال تتسم بالحذر.
ويرى خبراء أن الأداء القوي للبنوك يعكس استمرار النشاط الاقتصادي ومرونة الشركات والأفراد، وهو ما يمنح الأسواق ثقة إضافية في قدرة الاقتصاد الأميركي على مواجهة التحديات الحالية.
التكنولوجيا تقود المكاسب
وكان قطاع التكنولوجيا أحد أبرز الرابحين خلال الجلسة، حيث قادت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية موجة الصعود، لتدفع مؤشر ناسداك إلى تحقيق أفضل أداء بين المؤشرات الأميركية الرئيسية.
ويواصل المستثمرون توجيه اهتمامهم إلى شركات التكنولوجيا، في ظل استمرار الزخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وزيادة الإنفاق على مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، وهو ما يدعم توقعات نمو أرباح القطاع خلال الفصول المقبلة.
كما استفادت شركات الرقائق من تحسن شهية المستثمرين للمخاطرة بعد صدور بيانات التضخم، ما عزز الطلب على الأسهم ذات معدلات النمو المرتفعة.
ويؤكد محللون أن قطاع التكنولوجيا لا يزال يمثل المحرك الرئيسي للأسواق الأميركية، مع استمرار الرهانات على قدرته في تحقيق نمو يفوق بقية القطاعات.
رهانات على استقرار الفائدة
وقال تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة هورايزون إنفستمنت، إن بيانات التضخم الأخيرة أضعفت المبررات الداعية إلى رفع أسعار الفائدة، مشيراً إلى أن الاحتياطي الفيدرالي بات يمتلك مساحة أكبر لمراقبة تطورات الاقتصاد قبل اتخاذ أي خطوات جديدة.
وأضاف أن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي عززت قناعة الأسواق بإمكانية مواصلة خفض التضخم دون الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، وهو السيناريو الذي يفضله المستثمرون لأنه يدعم النمو الاقتصادي وأسواق الأسهم في آن واحد.
وتتجه الأنظار الآن إلى البيانات الاقتصادية المقبلة، إضافة إلى نتائج أعمال الشركات الكبرى، لتقييم ما إذا كان الاقتصاد الأميركي سيواصل الحفاظ على زخمه خلال النصف الثاني من العام.
الأسواق تترقب المحطة المقبلة
وفقاً للبيانات الأولية، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 0.38 % ليغلق عند 7544.03 نقطة، بينما صعد مؤشر ناسداك المجمع بنسبة 0.91 % إلى 26109.65 نقطة، في حين سجل داو جونز الصناعي ارتفاعاً هامشياً بلغ 0.05 % ليصل إلى 52527.56 نقطة.
ويبدو أن وول ستريت دخلت النصف الثاني من العام بزخم إيجابي مدعوم بتراجع الضغوط التضخمية، ونتائج قوية للشركات، واستمرار التفاؤل بشأن السياسة النقدية. لكن هذا التفاؤل سيظل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الأميركي على الحفاظ على وتيرة النمو، وبمسار التوترات الجيوسياسية التي قد تعيد رسم اتجاهات الأسواق العالمية في أي وقت.