وول ستريت تتراجع بضغوط أسهم الرقائق الإلكترونية
أنهت الأسهم الأميركية تعاملات الأسبوع على تراجع جماعي، بعدما تعرضت أسهم شركات أشباه الموصلات، التي قادت موجة الصعود التاريخية للأسواق خلال الأشهر الماضية، إلى عمليات بيع مكثفة امتدت تدريجياً إلى معظم القطاعات، في ظل تنامي المخاوف من تباطؤ الإنفاق الضخم على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع تقييمات أسهم التكنولوجيا إلى مستويات دفعت المستثمرين إلى جني الأرباح وتقليص مراكزهم الاستثمارية.
وجاءت الخسائر رغم البداية الإيجابية لموسم إعلان نتائج أعمال الشركات الأميركية، والذي أظهر حتى الآن أداءً يفوق توقعات الأسواق، إلا أن القلق بشأن مستقبل شركات الرقائق الإلكترونية ظل العامل الأكثر تأثيراً في معنويات المستثمرين، ليدفع المؤشرات الرئيسية إلى إنهاء الأسبوع على انخفاضات ملحوظة.
خسائر جماعية
أغلقت المؤشرات الأميركية الثلاثة الرئيسية على انخفاض في ختام تعاملات الجمعة، مسجلة أيضاً خسائر أسبوعية، بعدما اتسعت موجة البيع من قطاع التكنولوجيا إلى قطاعات أخرى مع تقدم الجلسة.
وتراجع مؤشـر ستاندرد آنـد بورز 500 بمقدار 75.99 نقطة، أو 1.01 %، ليغلق عند 7457.78 نقطة، فيما هبط مؤشر ناسـداك المجمع، الأكثـر تأثراً بأسهم التكنولوجيا، بنحـو 370.83 نقطة، أو 1.40 %، ليستقر عند 25511.12 نقطة.
كما انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 394.01 نقطة، أو 0.75 %، ليغلق عند 52158.96 نقطة، في إشارة إلى اتساع الضغوط البيعية لتشمل عدداً أكبر من القطاعات بعد أن بدأت في شركات التكنولوجيا.
ويرى محللون أن الأسواق دخلت مرحلة من إعادة التوازن بعد المكاسب القوية التي حققتها خلال الأشهر الماضية، خصوصاً مع وصول تقييمات العديد من الشركات الكبرى إلى مستويات تاريخية.
ضغوط الرقائق
كان قطاع أشباه الموصلات الأكثر تضرراً خلال الأسبوع، بعدما سجل مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات أكبر خسارة أسبوعية له منذ أكثر من عام، متراجعاً بنحو 18% منذ بداية يوليو.
ورغم هذا التراجع، لا يزال المؤشر مرتفعاً بنحو 65 % منذ بداية العام، وهو ما يعكس حجم المكاسب الكبيرة التي حققتها شركات الرقائق الإلكترونية بفضل الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وشهدت شركات تصنيع الرقائق خلال العام الجاري تدفقات استثمارية ضخمة، مدفوعة بالطلب المتزايد على المعالجات المستخدمة في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، إلا أن ارتفاع الأسعار بصورة متسارعة دفع المستثمرين إلى إعادة النظر في مستويات التقييم الحالية.
ويرى متعاملون أن جزءاً كبيراً من عمليات البيع الأخيرة يعكس رغبة المستثمرين في جني الأرباح بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها القطاع منذ بداية العام.
الذكاء الاصطناعي
أحد أبرز أسباب الضغوط التي شهدتها الأسواق يتمثل في تزايد المخاوف من احتمال تباطؤ موجة الإنفاق الهائلة على مشاريع الذكاء الاصطناعي، والتي تقدر قيمتها بنحو تريليون دولار.
وأظهر تحليل أجرته وكالة رويترز أن عدداً من المستثمرين بدأوا الاستعداد لاحتمال دخول القطاع مرحلة أكثر هدوءاً، في حين شرع بعض مديري الصناديق النشطين بالفعل في تقليص انكشافهم على أسهم الذكاء الاصطناعي، بعد المكاسب الاستثنائية التي حققتها خلال الفترة الماضية.
ولا يعني ذلك تراجع الثقة في مستقبل القطاع، بل يعكس قناعة لدى بعض المستثمرين بأن وتيرة النمو الحالية قد لا تستمر بالسرعة نفسها، ما يدفعهم إلى إعادة توزيع استثماراتهم وتقليل المخاطر.
كما يترقب المستثمرون نتائج الشركات الكبرى العاملة في قطاع التكنولوجيا لمعرفة ما إذا كانت خططها الاستثمارية الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستستمر بالمعدلات الحالية أم ستشهد تباطؤاً تدريجياً.
جني الأرباح
يرى محللون أن ما يحدث في أسهم الرقائق الإلكترونية يمثل عملية تصحيح طبيعية بعد أشهر من المكاسب المتواصلة.
وقال رايان ديتريك، كبير محللي الأسواق في مجموعة كارسون، إن السوق بدأت تظهر علامات الإرهاق تجاه أسهم أشباه الموصلات، موضحاً أن هذه الأسهم تراجعت في ثلاثة من الأسابيع الأربعة الأخيرة، وسط مخاوف من أن الأسعار وصلت إلى مستويات مبالغ فيها مقارنة بالأساسيات المالية.
وأضاف أن المستثمرين يعيدون حالياً تقييم الأسعار، مع اتجاه القطاع إلى العودة تدريجياً إلى مستويات أكثر توازناً بعد موجة الارتفاعات القياسية.
ويرى خبراء أن مثل هذه التصحيحات تعد أمراً صحياً للأسواق، لأنها تمنع تكون فقاعات سعرية وتمنح المستثمرين فرصة لإعادة بناء مراكزهم عند تقييمات أكثر جاذبية.
قطاع الطاقة
في المقابل، كان قطاع الطاقة أكبر الرابحين بين القطاعات المدرجة على مؤشر ستاندرد آند بورز 500، مستفيداً من الارتفاع القوي في أسعار النفط، التي قفزت إلى أعلى مستوياتها منذ منتصف يونيو مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
وأسهمت مكاسب النفط في دعم أسهم شركات الطاقة الأميركية، التي استفادت من تحسن توقعات الإيرادات والأرباح إذا استمرت الأسعار المرتفعة خلال الفترة المقبلة.
ويؤكد محللون أن استمرار أسعار الخام فوق مستويات 80 دولاراً للبرميل يعزز أداء شركات النفط والغاز، ويمنح القطاع زخماً يعوض جزءاً من خسائر قطاعات التكنولوجيا.
أنظار المستثمرين
ستتجه أنظار المستثمرين خلال الأيام المقبلة إلى نتائج أعمال شركات التكنولوجيا العملاقة، باعتبارها المحرك الرئيسي لاتجاه الأسواق، إضافة إلى أي مؤشرات جديدة بشأن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح العامل الأكثر تأثيراً في تقييمات شركات الرقائق الإلكترونية.
كما سيراقب المستثمرون تطورات أسعار النفط والأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، نظراً لتأثيرها المباشر على قطاع الطاقة والتضخم والسياسة النقدية الأميركية. وفي الوقت ذاته، ستبقى بيانات الاقتصاد الأميركي، ولا سيما التضخم وسوق العمل، من العوامل الرئيسية التي قد تحدد توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على أداء الأسهم.
الأسواق تبحث عن محركات
الصعود المقبلة
تعكس التراجعات الأخيرة في وول ستريت تحول المستثمرين من مرحلة الرهان على النمو السريع لأسهم التكنولوجيا إلى مرحلة أكثر حذراً تقوم على إعادة تقييم الأسعار والبحث عن فرص استثمارية أكثر توازناً. وبينما لا تزال نتائج الشركات الأميركية تقدم دعماً قوياً للأسواق، فإن استمرار الضغوط على أسهم الرقائق الإلكترونية، إلى جانب تطورات الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والأوضاع الجيوسياسية، سيحدد إلى حد كبير اتجاه الأسهم الأميركية خلال الأسابيع المقبلة.