وول ستريت تتراجع ترقباً لنتائج إنفيديا
أنهت الأسهم الأميركية تعاملات الاثنين على أداء متباين، بعدما ضغط تراجع شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات على مؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك»، في وقت اتجه فيه المستثمرون إلى تقييم الضغوط الاقتصادية الأميركية الجديدة على إيران، والاستعداد لأسبوع مزدحم بمحفزات قد تحدد اتجاه السوق، في مقدمتها نتائج «إنفيديا» وتقرير التضخم المرتقب.
وتشير البيانات الأولية إلى انخفاض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 21.37 نقطة، أو 0.28%، لينهي التعاملات عند 7653 نقطة، بينما كان الضغط أكثر وضوحاً على «ناسداك» الذي خسر 200.80 نقطة، تعادل 0.77%، ليصل إلى 25979.66 نقطة.
وفي المقابل، تمكن مؤشر «داو جونز الصناعي» من مخالفة الاتجاه السلبي، مرتفعاً 141.67 نقطة، أو 0.27%، إلى 53418.68 نقطة، مستفيداً من مكاسب الأسهم المالية التي وفرت دعماً للسوق في مواجهة خسائر التكنولوجيا.
بيع تقني
جاءت الضغوط الأكبر من قطاع الرقائق الذي تعرض لموجة بيع دفعت مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات إلى الانخفاض، بالتزامن مع خسائر سجلتها مجموعة من أكبر الشركات المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي.
وتراجعت أسهم «إنفيديا» و«ميكرون تكنولوجي» و«برودكوم»، ما انعكس سلباً على مؤشر تكنولوجيا المعلومات ضمن «ستاندرد آند بورز 500»، وأظهر مجدداً الوزن الكبير الذي أصبحت تتمتع به شركات التكنولوجيا والرقائق في تحديد اتجاه المؤشرات الأميركية الرئيسية.
وتكتسب حركة «إنفيديا» أهمية إضافية هذه المرة مع ترقب السوق إعلان نتائج أعمال الشركة، التي تحولت خلال طفرة الذكاء الاصطناعي إلى واحد من أهم مؤشرات قياس قوة الطلب على البنية التحتية للحوسبة ومراكز البيانات.
ولذلك، فإن نتائج الشركة لا تؤثر في سهمها فقط، وإنما يمكن أن تمتد تداعياتها إلى مصنعي الرقائق ومشغلي مراكز البيانات وشركات التكنولوجيا الكبرى التي تنفق عشرات المليارات من الدولارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
مخاطر سياسية
ولم تعد المخاوف المحيطة بالذكاء الاصطناعي مرتبطة فقط بتقييمات الأسهم أو قدرة الشركات على تحقيق عوائد من استثماراتها الضخمة، إذ ظهر عامل سياسي جديد يتمثل في تصاعد الاعتراضات على إنشاء مراكز البيانات داخل الولايات الأميركية.
وذكرت «أكسيوس» أن حاكم ولاية تكساس جريج أبوت وجه تحذيراً شديد اللهجة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، منتقداً طريقة تعامل شركات مراكز البيانات مع المجتمعات المحلية، في مؤشر على تزايد الضغوط السياسية المحيطة بالتوسع السريع لهذه المنشآت.
وتحتاج مراكز البيانات إلى كميات ضخمة من الكهرباء والمياه والأراضي، ما جعل توسعها قضية اقتصادية وسياسية محلية، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغوطاً على البنية التحتية أو مخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة على السكان.
وقال كبير محللي الأسهم لدى «ويلز فارجو» أوهسونج كوون إن القلق الأكبر يتمثل في اللهجة الحاسمة التي بدأ المستثمرون يسمعونها من السياسيين تجاه الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مشيراً إلى أن هذه القضية تمثل خطراً مهماً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
اختبار إنفيديا
وتأتي الضغوط السياسية في توقيت حساس لقطاع التكنولوجيا، إذ تستعد «إنفيديا» لإعلان نتائجها وسط توقعات مرتفعة بشأن الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي، بعدما أصبحت نتائج الشركة محطة رئيسية للمستثمرين في وول ستريت.
ولا يقتصر الاختبار على مقدار نمو الإيرادات والأرباح، إذ سيراقب المستثمرون توقعات الشركة للطلب المستقبلي، وقدرة العملاء على مواصلة الإنفاق الهائل على مراكز البيانات، وأي إشارات تتعلق بالعائد الاقتصادي الذي تحققه استثمارات الذكاء الاصطناعي.
وأصبحت السوق أكثر حساسية تجاه أي علامات على تباطؤ الإنفاق، لأن التقييمات المرتفعة لعدد كبير من شركات التكنولوجيا تعتمد على استمرار نمو الطلب بوتيرة قوية لسنوات.
ومن هنا، يمكن لأي مفاجأة في نتائج «إنفيديا» أو توقعاتها أن تحدث حركة واسعة في قطاع التكنولوجيا، سواء من خلال تعزيز الثقة باستمرار طفرة الذكاء الاصطناعي أو زيادة المخاوف من أن الأسعار الحالية للأسهم سبقت نمو الأرباح الفعلي.
ضغط إيراني
وبعيداً عن التكنولوجيا، تابع المستثمرون التحرك الأميركي الجديد تجاه إيران، بعدما أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب توسيعاً محتملاً للعقوبات على الدول التي تواصل أنشطة تجارية مع طهران، ضمن حملة ضغط اقتصادي متصاعدة.
ووصفت الإدارة الأميركية التحرك بأنه «يوم النصر الاقتصادي»، لكنها لم تفرض عقوبات فعلية جديدة في الوقت الراهن، ما حد من رد فعل الأسواق تجاه الإعلان وأبقى المستثمرين في انتظار تفاصيل بشأن الجهات التي قد تستهدفها الإجراءات وتوقيت تنفيذها.
وتكتسب هذه التطورات أهمية بالنسبة إلى وول ستريت بسبب انعكاساتها المحتملة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية والتضخم. فأي تصعيد اقتصادي يؤدي إلى اضطراب صادرات النفط أو حركة التجارة يمكن أن يعيد الضغوط التضخمية ويغير توقعات السياسة النقدية الأميركية.
وفي المقابل، فإن بقاء الضغط على المستوى الاقتصادي من دون تصعيد أكبر قد يقلل مخاوف المستثمرين من اضطرابات مفاجئة في الأسواق، وهو ما يجعل التفاصيل التنفيذية للعقوبات أكثر أهمية من الإعلان السياسي نفسه.
دعم مالي
وسط خسائر التكنولوجيا، قدم القطاع المالي نقطة قوة واضحة في جلسة الاثنين، إذ ارتفعت أسهم عدد من المؤسسات الكبرى، وفي مقدمتها «جيه.بي مورجان تشيس» و«فيزا».
وساعد صعود الأسهم المالية مؤشر «داو جونز» على الانفصال عن الاتجاه الذي سيطر على «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500»، لينهي التعاملات مرتفعاً بنحو 142 نقطة.
ويعكس التباين بين المؤشرات اختلافاً واضحاً في أداء القطاعات بدلاً من موجة بيع شاملة في السوق الأميركية. ففي الوقت الذي تراجع فيه المستثمرون عن بعض رهانات التكنولوجيا والرقائق، استمرت الأموال في التحرك نحو قطاعات أخرى.
وهذا التباين سيكون مهماً خلال الجلسات المقبلة، إذ سيكشف ما إذا كانت خسائر التكنولوجيا تمثل مجرد عمليات إعادة تمركز قبل نتائج الشركات والبيانات الاقتصادية، أم بداية تحول أوسع في شهية المستثمرين تجاه الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
تضخم مرتقب
إلى جانب نتائج الشركات، تستعد الأسواق لصدور تقرير تضخم يحظى بمتابعة وثيقة، في وقت يواصل المستثمرون تقييم مسار الأسعار وتأثيره المحتمل في قرارات السياسة النقدية الأميركية.
وتظل بيانات التضخم من أكثر المؤشرات قدرة على تحريك الأسهم والسندات والدولار، لأنها تؤثر بصورة مباشرة في توقعات المستثمرين لأسعار الفائدة. وأي قراءة أعلى من المتوقع قد تعيد المخاوف من استمرار السياسة النقدية المتشددة، بينما يمكن لبيانات أضعف أن تعزز الرهانات على تخفيف القيود النقدية.
وتزداد حساسية السوق تجاه التضخم في ظل المخاطر الجيوسياسية والتجارية، خصوصاً أن أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة أو تكاليف الواردات قد يعقد مهمة السيطرة على الأسعار.
وبالنسبة إلى أسهم التكنولوجيا، تكون تحركات الفائدة أكثر أهمية بسبب اعتماد تقييماتها المرتفعة على توقعات الأرباح المستقبلية؛ فارتفاع العوائد يقلل القيمة الحالية لهذه الأرباح، بينما يمنح انخفاضها دعماً عادة لأسهم النمو.
أسبوع حاسم
يدخل المستثمرون بذلك أسبوعاً تتداخل فيه ثلاثة ملفات رئيسية: أرباح الشركات، والتضخم، والتطورات الجيوسياسية. وقد يحدد التفاعل بينها قدرة الأسهم الأميركية على استعادة زخمها بعد بداية أسبوع ضعيفة لمؤشرات التكنولوجيا.
فالأسواق تحتاج إلى نتائج قوية من «إنفيديا» لتأكيد استمرار الطلب المرتفع على الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه تترقب بيانات أسعار لا تعيد إشعال مخاوف الفائدة، بينما تبقى التحركات الأميركية تجاه إيران عاملاً خارجياً قادراً على تغيير حسابات الطاقة والتضخم.
وول ستريت أمام ثلاثة اختبارات
تراجع «ناسداك» بنسبة 0.77% وهبوط «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.28% يكشفان حذر المستثمرين قبل مجموعة من الأحداث القادرة على إعادة رسم اتجاه السوق، بينما أظهر ارتفاع «داو جونز» 0.27% أن الضغوط لم تشمل جميع القطاعات. وستكون نتائج «إنفيديا» الاختبار المباشر لرهانات الذكاء الاصطناعي، فيما تحدد بيانات التضخم جانباً مهماً من توقعات الفائدة، ويظل الضغط الاقتصادي الأميركي على إيران مصدراً للمخاطر الجيوسياسية. وبين هذه العوامل، تدخل وول ستريت مرحلة قد يصبح فيها أداء الشركات والبيانات الفعلية أكثر أهمية من الحماس الذي دفع الأسهم إلى مستويات مرتفعة.