وول ستريت تترقب موسم الأرباح بحذر
تباين أداء العقود الآجلة للأسهم الأميركية خلال تعاملات الثلاثاء، في وقت يواصل فيه المستثمرون إعادة تقييم آفاق شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وسط ارتفاع سقف التوقعات بشأن نتائج أعمال القطاع، إلى جانب متابعة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وترقب صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. وبينما واصل مؤشر «داو جونز» تسجيل أداء قوي، تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط جديدة، في إشارة إلى تزايد الحذر تجاه الشركات التي قادت موجة الصعود في الأسواق العالمية خلال الأشهر الماضية.
ويأتي هذا التباين بعدما سجلت المؤشرات الأميركية مستويات تاريخية خلال الجلسة السابقة، مدفوعة بمكاسب شركات التكنولوجيا، قبل أن تبدأ الأسواق في إعادة النظر في مدى استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة الشركات على تحقيق أرباح تتماشى مع التقييمات المرتفعة التي وصلت إليها أسهمها.
تباين المؤشرات
ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي بنحو 120 نقطة، أو ما يعادل 0.2 %، في حين تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو ثماني نقاط، أو 0.1 %.
وكانت الضغوط الأكبر على مؤشر «ناسداك 100»، الذي يضم أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية، إذ انخفضت عقوده الآجلة بنحو 262 نقطة، أو 0.9 %، متأثرة بموجة بيع استهدفت شركات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن هذا الأداء يعكس استمرار انتقال السيولة بين القطاعات، مع اتجاه بعض المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على أسهم التكنولوجيا بعد المكاسب القوية التي حققتها منذ بداية العام.
مكاسب سابقة
وكانت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت قد أنهت تعاملات الاثنين على ارتفاع، ليتجاوز مؤشر «داو جونز» مستوى 53 ألف نقطة للمرة الأولى في تاريخه، في إنجاز يعكس استمرار قوة السوق الأميركية رغم التحديات الاقتصادية.
وجاءت تلك المكاسب بدعم من صعود أسهم شركات التكنولوجيا، ولا سيما شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، حيث ارتفعت أسهم «إيه إم دي» و«ويسترن ديجيتال»، كما تلقى سهم «برودكوم» دعماً بعد إعلان الشركة توسيع شراكتها مع «أبل» لتطوير جيل جديد من الرقائق المتخصصة.
وساعدت هذه التطورات على تعافي مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بعد التراجعات التي سجلها خلال الأسبوع الماضي، وهو ما عزز ثقة المستثمرين مؤقتاً قبل أن تعود موجة الحذر خلال تعاملات الثلاثاء.
اختبار التقييمات
ورغم استمرار الطلب القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن المستثمرين باتوا أكثر تشدداً في تقييم شركات القطاع، مع ارتفاع أسعار أسهمها إلى مستويات تاريخية.
ويرى خبراء أن السوق لم يعد يكتفي بإعلان نتائج مالية قوية، بل أصبح ينتظر أرقاماً استثنائية وتوقعات مستقبلية أكثر تفاؤلاً، الأمر الذي يزيد الضغوط على الشركات مع اقتراب موسم إعلان نتائج الربع الثاني.
ويشير محللون إلى أن الارتفاع الكبير في تقييمات شركات الرقائق ومراكز البيانات جعل هامش الخطأ ضيقاً للغاية، إذ قد يؤدي أي تباطؤ في النمو أو انخفاض في التوقعات إلى موجات بيع واسعة.
سامسونغ تحت الضغط
وقدمت شركة «سامسونغ إلكترونيكس» مثالاً واضحاً على هذا التوجه، بعدما أعلنت نتائج أولية أظهرت ارتفاع أرباحها التشغيلية خلال الربع المنتهي في يونيو إلى نحو 89.4 تريليون وون، أي ما يعادل نحو 58 مليار دولار، مقارنة بـ4.7 تريليون وون خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
كما تجاوزت أرباح الشركة خلال هذا الربع إجمالي ما حققته في عامي 2024 و2025 مجتمعين، في أداء يعكس استمرار الطلب القوي على رقائق الذاكرة المتطورة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ورغم هذه النتائج الاستثنائية، هبط سهم «سامسونغ» بأكثر من 6 % في بورصة سيؤول، في مفارقة تعكس ارتفاع سقف توقعات المستثمرين، الذين كانوا ينتظرون مؤشرات أقوى بشأن نمو الأرباح خلال الفصول المقبلة.
ويرى مراقبون أن رد فعل السوق تجاه سامسونغ يؤكد أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه أي نتائج لا تتجاوز التوقعات بفارق كبير، حتى وإن كانت الأرقام المعلنة قوية تاريخياً.
ضغوط القطاع
وقال محللو شركة «فيتال نوليدج» إن قطاع التكنولوجيا يواجه حالياً موجة جديدة من الشكوك والضغوط، بعدما تعرضت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية لعمليات بيع واسعة في الأسواق العالمية.
وأوضحوا أن نتائج الربع الثاني قد تكون قوية بالفعل، إلا أن المشكلة تكمن في أن توقعات المستثمرين أصبحت أكثر تفاؤلاً مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاثة أشهر، وهو ما يجعل مهمة الشركات أكثر صعوبة في إقناع الأسواق.
وأضافوا أن أي تباطؤ في وتيرة النمو، أو أي توقعات مستقبلية أقل من المأمول، قد يؤدي إلى تصحيح أوسع في أسعار أسهم التكنولوجيا، خصوصاً تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
الفيدرالي تحت المجهر
وبعيداً عن نتائج الشركات، تترقب الأسواق هذا الأسبوع صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر يونيو، والمقرر نشره الأربعاء، بحثاً عن إشارات أوضح بشأن مستقبل السياسة النقدية الأميركية.
وكان البنك المركزي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 % و3.75 %، مع تأكيد عدد من المسؤولين أن خيار رفع الفائدة لا يزال مطروحاً إذا استدعت الظروف ذلك.
وفي الوقت نفسه، أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، أنه لا يرغب في تقديم توجيهات مسبقة بشأن مسار السياسة النقدية، لكنه أشار خلال مناسبة الأسبوع الماضي إلى أن الضغوط التضخمية بدأت تتراجع تدريجياً.
ويرى محللون أن محضر الاجتماع سيكون عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا كشف عن انقسام داخل البنك المركزي بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
رهانات الفائدة
وتشير تقديرات أداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية إلى أن المتعاملين يتوقعون احتمالاً يبلغ نحو 56% لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل، مقارنة بنحو 60% قبل صدور بيانات التوظيف الأميركية الأخيرة. ويعكس هذا التراجع في التوقعات تأثير البيانات الاقتصادية الأخيرة، التي أظهرت تباطؤاً نسبياً في سوق العمل، ما عزز الرهانات على أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتبنى نهجاً أقل تشدداً إذا استمر التضخم في التراجع.
لكن في المقابل، لا تزال الأسواق حذرة من أن أي بيانات اقتصادية قوية أو ارتفاع جديد في التضخم قد يعيد سيناريو رفع الفائدة بقوة إلى الواجهة.