تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وول‭ ‬ستريت‭ ‬تتنفس‭ ‬الصعداء‭.. ‬ومؤشر‭ ‬الخوف‭ ‬ينهار

وول‭ ‬ستريت‭ ‬تتنفس‭ ‬الصعداء‭.. ‬ومؤشر‭ ‬الخوف‭ ‬ينهار

افتتحت الأسهم الأميركية تعاملات الأربعاء على ارتفاع، بعد أن تنفست الأسواق العالمية الصعداء عقب الإعلان عن وقف إطلاق نار مشروط بين الولايات المتحدة وإيران، ما خفف من المخاوف المرتبطة بالطاقة والتضخم والنمو العالمي، وأعاد شهية المستثمرين نحو الأصول الخطرة.
كما تراجع مقياس رئيسي للتقلبات المتوقعة على المدى القصير في وول ستريت خلال تعاملات الأربعاء، بالتوازي مع ارتفاع الأسهم عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
وهبط مؤشر «فيكس» الشهير باسم «مؤشر الخوف في وول ستريت» بنسبة 22.1 % إلى 20.08 نقطة في تمام الساعة 04:53 مساءً بتوقيت مكة المكرمة، وهو أدنى مستوى له منذ السابع والعشرين من فبراير.
ويُعد هذا أكبر انخفاض يومي للمؤشر منذ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق فرض الرسوم الجمركية المرتفعة على أغلب دول العالم في أبريل الماضي.
ويأتي هذا التحرك بعد أن تنفست الأسواق الصعداء مع انحسار احتمال اتساع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، وخصوصاً مع ربط التهدئة بإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما أعاد تسعير المخاطر في النفط والأسهم والسندات والعملات في وقت واحد.

افتتاح على الارتياح

لم يكن صعود وول ستريت في افتتاح جلسة الأربعاء مجرد تحسن اعتيادي في شهية المخاطرة، بل بدا أقرب إلى رد فعل مالي واسع على تراجع احتمال أسوأ السيناريوهات الجيوسياسية. فخلال الأيام الماضية، كانت الأسواق الأميركية تتحرك تحت ضغط مزدوج: خطر اتساع المواجهة في الشرق الأوسط من جهة، وخطر تحوّل هذه المواجهة إلى صدمة طاقة جديدة تضغط على التضخم والفائدة من جهة أخرى.
لكن مع الإعلان عن هدنة مشروطة بين الولايات المتحدة وإيران، تغيرت الصورة بسرعة. فالمستثمر الأميركي لم يقرأ الخبر فقط باعتباره تطوراً سياسياً، بل باعتباره تراجعاً مباشراً في احتمالات وقوع صدمة نفطية كانت قادرة على قلب معادلة الأسواق العالمية كلها. ومن هنا، جاء الافتتاح المرتفع لوول ستريت كترجمة مباشرة لهذا الارتياح.
الأهم أن هذا الصعود لم يكن قائماً فقط على «الراحة النفسية»، بل على إعادة تسعير حقيقية للمخاطر. فكلما تراجعت احتمالات تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وكلما انخفضت فرص اندلاع موجة تضخمية جديدة من بوابة الطاقة، زادت قدرة الأسهم الأميركية على استعادة جزء من زخمها، خصوصاً في القطاعات الأكثر حساسية للفائدة والتكاليف والطاقة.
الخوف يتبخر

أكثر ما لفت الأنظار في جلسة الأربعاء لم يكن فقط صعود الأسهم، بل الهبوط العنيف في مؤشر «فيكس»، الذي يُنظر إليه في الأسواق على أنه المقياس الأكثر شهرة للخوف قصير الأجل في وول ستريت. فعندما يتراجع هذا المؤشر بهذه القوة، فإن الرسالة لا تكون تقنية فقط، بل نفسية ومالية في آن واحد: السوق لم تعد تتعامل مع اللحظة الحالية على أنها «بيئة هلع».
هبوط «فيكس» بأكثر من 22 % إلى أدنى مستوى له منذ أواخر فبراير يعني أن المستثمرين بدأوا فعلياً في تفكيك تسعير الذعر الذي كان قد تراكم في الأيام السابقة. وهذا بالغ الأهمية، لأن الخوف في السوق لا يُقاس فقط بحركة الأسهم، بل بحجم الأموال التي تُدفع للتحوط من التقلبات القادمة. وعندما تنخفض هذه الكلفة بسرعة، فذلك يعني أن السوق بدأت ترى أن أسوأ المخاطر قد تراجعت ولو مؤقتاً.
كما أن أهمية هذا التراجع تتضاعف حين نعلم أنه أكبر انخفاض يومي لمؤشر الخوف منذ تراجع ترامب عن بعض الرسوم الجمركية المرتفعة في أبريل الماضي. وهذا يضع ما حدث اليوم في خانة التحولات السوقية الكبرى، لا في خانة مجرد ارتداد عابر. فالسوق هنا لم تحتفل فقط بخبر سياسي، بل أعادت فعلياً تسعير «الخوف نفسه».

النفط يفتح الباب

من الصعب فهم ارتفاع وول ستريت اليوم من دون التوقف عند ما حدث في النفط. فالتراجع الحاد في أسعار الخام لم يكن خبراً منفصلاً عن الأسهم، بل كان المحرّك الرئيسي لتحسن المزاج في السوق الأميركية. لأن النفط في هذه المرحلة لا يُقرأ فقط كسعر سلعة، بل كإشارة مبكرة إلى ما قد يحدث للتضخم، وهوامش الشركات، وأسعار الفائدة، وثقة المستهلك.
حين يهبط النفط بعد فترة من التوتر، فإن أول من يستفيد هو السوق الأميركية. شركات الطيران والنقل والصناعة والتنقل والخدمات الاستهلاكية ترى في هذا التراجع فرصة لتخفيف ضغوط الكلفة، بينما ترى وول ستريت فيه إشارة إلى أن سيناريو «الصدمة الطاقية» ربما لم يعد هو السيناريو الأساسي في الأمد القريب.
وهنا تكمن قوة التحرك الحالي. فالسوق لم تكن تشتري الأسهم فقط لأنها تحب الأخبار الإيجابية، بل لأنها تتلقى فجأة احتمالاً اقتصادياً أقل سوءاً بكثير مما كان مطروحاً قبل ساعات. وهذا وحده كفيل بإطلاق موجة شراء واسعة، خصوصاً في سوق أميركية كانت شديدة الحساسية لأي تطور يمس الفائدة أو الطاقة أو الحرب في وقت واحد.

التكنولوجيا تتنفس

إذا كان هناك قطاع يلتقط هذه التحولات بسرعة، فهو بلا شك قطاع التكنولوجيا وأسهم النمو. هذه الفئة من الأسهم كانت الأكثر عرضة للتقلب خلال موجات التوتر الأخيرة، ليس فقط لأنها حساسة للفائدة، بل لأنها أيضاً تعتمد في تقييماتها على بيئة أكثر استقراراً من حيث التمويل، والتكاليف، وتوقعات النمو العالمي.
وحين يتراجع النفط، وتخف مخاوف الحرب، وتصبح احتمالات مفاجآت التضخم أقل حدة، فإن أسهم التكنولوجيا تكون من أول المستفيدين. لأن المستثمر يعود فوراً إلى الأصول التي تعتمد على النمو المستقبلي، لا فقط على الأرباح الحالية. وهذا يفسر لماذا غالباً ما تتفاعل ناسداك وأسهم التكنولوجيا الكبرى بشكل أسرع وأوضح مع هذا النوع من التطورات.
كما أن شركات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والبنية الرقمية، ترتبط بشكل غير مباشر بملف الطاقة أيضاً. فهذه القطاعات تحتاج إلى بيئة تشغيلية أكثر استقراراً، وأسعار طاقة أقل تقلباً، وسلاسل إمداد أقل توتراً. وبالتالي، فإن أي تهدئة في الشرق الأوسط لا تُقرأ فقط سياسياً داخل هذه الشركات، بل تشغيلياً وتمويلياً أيضاً.

الفيدرالي يستفيد

في الخلفية، كان هناك لاعب صامت لكنه حاضر بقوة: الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. فواحدة من أهم الأسباب التي جعلت الأسواق ترتاح اليوم هي أن تراجع النفط، ولو مؤقتاً، يخفف الضغط عن البنك المركزي الأميركي في معركته المستمرة مع التضخم.
لو استمرت أسعار النفط في الارتفاع أو قفزت أكثر بفعل التوتر، لكانت الأسواق بدأت سريعاً في إعادة تسعير سيناريو أكثر تشدداً للفائدة أو على الأقل تأجيل أي آمال بتخفيف السياسة النقدية. وهذا بحد ذاته كان سيشكل عبئاً كبيراً على وول ستريت، وخصوصاً على الأسهم الحساسة للفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات والقطاعات الاستهلاكية.
لكن مع تراجع الخام وهدوء علاوة الخطر الجيوسياسي، حصل الفيدرالي على ما يشبه هدنة اقتصادية غير مباشرة. فالمخاوف من موجة تضخم جديدة عبر بوابة الطاقة تراجعت مؤقتاً، ما أعاد للأسواق شيئاً من التوازن في قراءة مستقبل السياسة النقدية.
ومع ذلك، فإن هذا الارتياح لا يعني أن معركة الفيدرالي انتهت. بل فقط أن أحد أكثر مصادر الإزعاج المحتملة هدأ قليلاً، وهو ما يكفي أحياناً لرفع الأسهم بقوة، حتى لو بقيت الأسئلة الكبرى مفتوحة.

المستثمرون يغيّرون مواقعهم

واحدة من أهم الإشارات في جلسة اليوم هي أن المستثمرين لم يكتفوا برد فعل عاطفي، بل بدأوا فعلياً إعادة التموضع داخل السوق. فخلال فترات التوتر، تميل المحافظ الاستثمارية إلى الاحتماء بالدولار، والسندات، والذهب، وبعض الأسهم الدفاعية. أما عندما تنخفض احتمالات الانفجار، ولو قليلاً، فإن الأموال تعود بسرعة إلى القطاعات التي جرى التخلي عنها أو تقليصها.
وهذا بالضبط ما يبدو أنه حدث في افتتاح وول ستريت. فالمستثمرون بدأوا الخروج من وضعية «الدفاع الكامل» والعودة تدريجياً إلى وضعية «الهجوم الانتقائي». وهذه المرحلة غالباً ما تكون حاسمة، لأنها لا تعني فقط شراء الأسهم، بل إعادة بناء قناعة بأن أسوأ الاحتمالات قد لا تتحقق.
كما أن جزءاً من الصعود الحالي قد يكون ناتجاً عن إغلاق مراكز بيع، أو تغطية رهانات سابقة بُنيت على احتمال تصعيد أكبر. وهذا النوع من الحركة يكون عادة سريعاً وحاداً، لأنه لا يعكس فقط تفاؤلاً جديداً، بل أيضاً تفكيكاً لرهانات قديمة أصبحت أقل منطقية بعد الهدنة.

الارتداد أم الاتجاه؟

السؤال الذي يهم وول ستريت الآن ليس: لماذا ارتفعت الأسهم؟ بل: هل هذا الصعود بداية اتجاه جديد، أم مجرد ارتداد حاد على خبر سياسي؟ والإجابة هنا ليست محسومة بعد.
إذا صمدت الهدنة، واستمرت أسعار النفط في التراجع أو الاستقرار، وتراجعت فعلاً مخاطر صدمة الطاقة، فقد يتحول هذا الارتفاع إلى قاعدة انطلاق جديدة للأسهم الأميركية، خصوصاً إذا دعمتها لاحقاً بيانات تضخم أو أرباح شركات أو مؤشرات نمو أكثر إيجابية. لكن إذا تعثرت التفاهمات أو عاد الخطاب التصعيدي أو ظهرت اضطرابات جديدة في الإمدادات، فقد تعود السوق سريعاً إلى وضعية الدفاع.
كما أن جزءاً من مكاسب اليوم قد يكون مرتبطاً بطبيعة السوق نفسها: السوق الأميركية تكره الفراغ السياسي، لكنها تحب الهدنة حتى لو كانت مؤقتة. ولهذا، فإن المستثمرين قد يمنحون الصعود الحالي فرصة، لكنهم لن يمنحوه ثقة كاملة إلا إذا ترسخ التحول في المشهد السياسي والاقتصادي معاً.

رجوع لأعلى