وول ستريت تحطم الأرقام بدعم الوظائف
ارتفعت الأسهم الأميركية في ختام تعاملات الجمعة، وأغلق مؤشر «ستاندرد أند بورز 500» عند مستوى قياسي جديد، مختتماً أسبوعاً قوياً من المكاسب للمؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، بعدما أظهرت بيانات مفاجئة أن الاقتصاد الأميركي فقد وظائف خلال الشهر الماضي، ما قلص توقعات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر.
وأظهرت بيانات أولية ارتفاع «ستاندرد أند بورز 500» بمقدار 46.48 نقطة، أو 0.60 %، ليغلق عند 7756.44 نقطة، بينما قفز مؤشر «ناسداك» المجمع 338.81 نقطة، بما يعادل 1.29 %، إلى 26690.62 نقطة.
كما ارتفع مؤشر «داو جونز الصناعي» 151.33 نقطة، أو 0.28 %، ليصل إلى 54036.43 نقطة، في جلسة عكست استمرار شهية المستثمرين تجاه الأسهم رغم ظهور إشارات متزايدة إلى تباطؤ سوق العمل الأميركية.
مفاجأة الوظائف
كان المحرك الرئيسي للأسواق تقرير الوظائف الأميركية الذي جاء أضعف بكثير من التوقعات، إذ قالت وزارة العمل إن الوظائف غير الزراعية انخفضت بمقدار 23 ألف وظيفة خلال الشهر الماضي، في نتيجة شكلت مفاجأة كبيرة للمستثمرين والاقتصاديين.
وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم يتوقعون إضافة الاقتصاد الأميركي نحو 80 ألف وظيفة، ما يعني أن القراءة الفعلية جاءت بفارق يتجاوز 100 ألف وظيفة عن التقديرات.
ولم تقتصر الإشارات السلبية على قراءة الشهر الأخير، إذ جرى أيضاً تعديل بيانات الوظائف المعلنة للشهرين السابقين لتظهر انخفاضاً حاداً، ما عزز الاعتقاد بأن سوق العمل تفقد جزءاً من زخمها.
وتكتسب بيانات التوظيف أهمية استثنائية بالنسبة إلى الأسواق، لأنها تمثل أحد أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تقييم قوة الاقتصاد واتخاذ قرارات السياسة النقدية.
بطالة أقل
رغم فقدان الوظائف، تراجع معدل البطالة الأميركية إلى 4.1 % خلال الشهر الماضي، مقابل 4.2 % في يونيو، لكن هذا الانخفاض لم يكن بالضرورة مؤشراً على تحسن سوق العمل، إذ جاء نتيجة خروج عاملين من قوة العمل.
ويضع هذا التباين المستثمرين أمام صورة أكثر تعقيداً، حيث يشير تراجع الوظائف إلى تباطؤ الطلب على العمالة، بينما لا يعكس انخفاض معدل البطالة بالضرورة تحسناً في الظروف الاقتصادية عندما يكون مدفوعاً بانخفاض المشاركة في سوق العمل.
ويتابع المستثمرون هذه المؤشرات بحثاً عن إشارات تحدد المسار المقبل للفائدة، خصوصاً أن الاحتياطي الفيدرالي يحاول تحقيق توازن بين الحفاظ على استقرار الأسعار ومنع تباطؤ اقتصادي حاد قد يضغط على سوق الوظائف.
وأصبح أي ضعف إضافي في سوق العمل قادراً على تقليص مساحة التحرك المتاحة أمام البنك المركزي لرفع الفائدة، حتى إذا ظلت الضغوط التضخمية قائمة.
رهانات الفائدة
انعكس تقرير الوظائف سريعاً على توقعات المستثمرين بشأن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، إذ تراجعت احتمالات رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر بصورة ملحوظة.
وأظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» أن الأسواق أصبحت تسعر احتمالاً بنحو 44 % لرفع الفائدة في الاجتماع المقبل، مقارنة مع 55 % خـلال الجلسـة السابقـة، و67 % قبل أسبوع فقط.
ويكشف هذا التحول السريع حجم تأثير البيانات الاقتصادية على توقعات السياسة النقدية، بعدما كان المستثمرون قبل أيام قليلة يميلون بصورة أكبر إلى الاعتقاد بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يحتاج إلى مزيد من التشديد لمواجهة التضخم.
لكن فقدان 23 ألف وظيفة بدلاً من إضافة 80 ألفاً كما كان متوقعاً أعاد المخاوف المتعلقة بالنمو والتوظيف إلى مقدمة حسابات الأسواق، وخفف في المقابل القلق من تشديد نقدي إضافي.
معضلة الفيدرالي
مع ذلك، لا تبدو مهمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي سهلة، إذ يتعين عليه الموازنة بين ضعف سوق العمل من جهة، واستمرار مخاطر التضخم من جهة أخرى.
وقال توم سيوماديس، كبير محللي الأسواق لدى شركة «إيه.إي ويلث مانجمنت» في توبيكا بولاية كانساس، إن أسعار الفائدة ربما تحتاج إلى الخفض لتحفيز نمو الوظائف إلى حد ما، لكن خفضها يمكن أن يحفز التضخم أيضاً.
وأضاف أن الاقتصاد أصبح في «مأزق نوعاً ما» في المرحلة الحالية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن السوق انطلقت صعوداً لأن أرباح الشركات كانت ممتازة.
وتلخص هذه الرؤية المعضلة التي تواجه السياسة النقدية، فالإبقاء على الفائدة مرتفعة قد يزيد الضغوط على التوظيف والنشاط الاقتصادي، بينما قد يؤدي خفضها في توقيت غير مناسب إلى إعادة إشعال التضخم.
ويعني ذلك أن البيانات المقبلة المتعلقة بالتضخم وسوق العمل ستكتسب أهمية مضاعفة قبل اجتماع سبتمبر، إذ يمكن لأي قراءة مفاجئة أن تعيد تغيير توقعات المستثمرين بصورة حادة.
تراجع النفط
حصلت الأسهم أيضاً على دعم من انخفاض أسعار النفط، بعد ظهور مؤشرات على إحراز تقدم نحو التوصل إلى اتفاق سلام محتمل في حرب إيران، الأمر الذي خفف المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة.
ويمثل تراجع أسعار الخام عاملاً إيجابياً للأسواق الأميركية من زاوية التضخم، إذ تدخل أسعار الطاقة بصورة مباشرة وغير مباشرة في تكاليف النقل والإنتاج والسلع والخدمات، وبالتالي يمكن لانخفاضها أن يساعد في تخفيف الضغوط السعرية.
أرباح قوية
لم يكن صعود الأسهم مدفوعاً بتوقعات الفائدة وحدها، إذ لعب موسم نتائج الأعمال القوي دوراً مهماً في تعزيز ثقة المستثمرين، وخصوصاً تجاه الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وساعدت النتائج القوية على تهدئة المخاوف بشأن الإنفاق الضخم الذي تضخه الشركات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بعدما أثارت الاستثمارات الكبيرة تساؤلات بشأن الفترة التي تحتاج إليها الشركات لتحويل هذه النفقات إلى إيرادات وأرباح ملموسة.
لكن قوة الأرباح منحت المستثمرين مبرراً للاستمرار في الرهان على الأسهم، وأسهمت في دفع «ناسـداك» إلى تسجيـل ارتـفاع بلغ 1.29 % في جلسة الجمعة، متفوقاً بوضوح على «ستاندرد أند بورز» و«داو جونز».
أسبوع المكاسب
أنهت المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة أسبوعاً قوياً، وسجلت أكبر مكاسب أسبوعية بالنسبة المئوية منذ منتصف أبريل، في تحول يعكس تحسن معنويات المستثمرين بعد فترة من المخاوف المرتبطة بالفائدة والتضخم والإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
وجاءت المكاسب نتيجة اجتماع عدة عوامل في وقت واحد، بدءاً من نتائج الشركات القوية، مروراً بتراجع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة، وصولاً إلى بيانات الوظائف التي خفضت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر.
ومع ذلك، فإن استقبال المستثمرين لضعف الوظائف بالصعود يعكس المفارقة المعروفة في الأسواق المالية، حيث يمكن للبيانات الاقتصادية السلبية أن تصبح إيجابية للأسهم عندما تؤدي إلى تقليص توقعات تشديد السياسة النقدية.
مستويات قياسية
يحمل إغلاق «ستاندرد أند بورز 500» عند 7756.44 نقطة أهمية خاصة، لأنه يعكس قدرة السوق على تسجيل مستوى قياسي رغم ظهور إشارات على ضعف التوظيف وعدم حسم مسار أسعار الفائدة.
وفي الوقت نفسه، اقترب «داو جونز» من مستوى 54 ألف نقطة، بعدما أنهى الجلسة عند 54036.43 نقطة، فيما وصل «ناسداك» إلى 26690.62 نقطة مدعوماً بمكاسب شركات التكنولوجيا.
ويعكس الأداء المتباين بين المؤشرات استمرار ميل المستثمرين نحو القطاعات الأكثر استفادة من تراجع العوائد وتوقعات السياسة النقدية الأقل تشدداً، مع بقاء نتائج الشركات عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسهم الفردية.