تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وول‭ ‬ستريت‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬التهدئة‭ ‬رغم‭ ‬ضجيج‭ ‬الحرب

POI12

رغم‭ ‬استمرار‭ ‬الضبابية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬اختارت‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬جلسة‭ ‬الاثنين‭ ‬على‭ ‬ارتفاع،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬باتوا‭ ‬يراهنون‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬الاحتواء‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬سيناريو‭ ‬الانفجار،‭ ‬وجاء‭ ‬صعود‭ ‬الأسهم‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬تتراجع‭ ‬فيه‭ ‬المخاطر‭ ‬فعليًا،‭ ‬بل‭ ‬بقيت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭ ‬عبر‭ ‬تهديدات‭ ‬سياسية‭ ‬مباشرة،‭ ‬وتقلبات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬الخوف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الجلسة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تصويت‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬التهدئة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬انعكاساً‭ ‬لتحسن‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالأسواق‭.‬
فقد‭ ‬ارتفع‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬ستاندرد‭ ‬آند‭ ‬بورز‭ ‬500‮»‬‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬التعاملات،‭ ‬كما‭ ‬صعد‭ ‬‮«‬ناسداك‮»‬‭ ‬و«داو‭ ‬جونز‮»‬،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬بدت‭ ‬فيه‭ ‬السوق‭ ‬وكأنها‭ ‬تتجاوز‭ ‬واقع‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬وتُسعّر‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يأتي‭ ‬بعدها‭. ‬وهذا‭ ‬السلوك‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬باعتباره‭ ‬ارتدادًا‭ ‬فنيًا‭ ‬أو‭ ‬جلسة‭ ‬تعافٍ‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬مزاج‭ ‬المستثمرين،‭ ‬الذين‭ ‬أصبحوا‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬السيناريو‭ ‬الأقل‭ ‬ضرراً‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتأكد‭ ‬ملامحه‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬
تحول‭ ‬السوق

الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬عادةً‭ ‬وفق‭ ‬الحدث‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬وفق‭ ‬تفسيرها‭ ‬لاحتمال‭ ‬امتداده‭ ‬أو‭ ‬انحساره‭. ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬الاثنين‭ ‬يوضح‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬بدقة‭. ‬فالمتعاملون‭ ‬لم‭ ‬يتوقفوا‭ ‬كثيرًا‭ ‬عند‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬احتمالات‭ ‬خطرة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ركزوا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بدأ‭ ‬يتسرب‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬اتصالات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬ومسارات‭ ‬تهدئة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬التقطت‭ ‬الإشارات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بإمكانية‭ ‬مناقشة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬مؤقت‭ ‬بوصفها‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬تسعير‭ ‬المشهد،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الهدنة‭ ‬أصبحت‭ ‬مؤكدة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬مجرد‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال‭ ‬إلى‭ ‬الطاولة‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭ ‬لتخفيف‭ ‬حدة‭ ‬الذعر‭ ‬وإعطاء‭ ‬الأسهم‭ ‬مبرراً‭ ‬للتماسك،‭ ‬بل‭ ‬وللارتفاع‭ ‬أيضًا‭.‬
وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬النقطة‭ ‬الأهم‭: ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تتحسن‭ ‬لأن‭ ‬الخطر‭ ‬اختفى،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬بدأت‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬الذروة‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تستمر‭ ‬طويلًا‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التسعير‭ ‬المبكر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬تسبق‭ ‬الأحداث،‭ ‬أو‭ ‬تتجاهلها،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تراهن‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬النهائي‭ ‬المحتمل‭.‬

هدنة‭ ‬محتملة
الحديث‭ ‬عن‭ ‬مقترحات‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الطرح‭ ‬غير‭ ‬المحسوم،‭ ‬لعب‭ ‬دورًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬المزاج‭ ‬الاستثماري‭. ‬فالمستثمرون‭ ‬لا‭ ‬يحتاجون‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬نهائي‭ ‬كي‭ ‬يعيدوا‭ ‬بناء‭ ‬مراكزهم،‭ ‬بل‭ ‬يكفي‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‭ ‬بأن‭ ‬الأزمة‭ ‬بدأت‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬تفاوض‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬التصعيد‭ ‬المفتوح‭.‬
هذا‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬الأسهم‭ ‬الأميركية‭ ‬دفعة‭ ‬واضحة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬كانت‭ ‬خلال‭ ‬الجلسات‭ ‬السابقة‭ ‬قد‭ ‬تحركت‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬التوترات‭ ‬والتهديدات‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ترك‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬دفاعي‭. ‬ومع‭ ‬ظهور‭ ‬نافذة‭ ‬سياسية‭ ‬ولو‭ ‬ضيقة‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المتعاملين‭ ‬وجدوا‭ ‬الفرصة‭ ‬مناسبة‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الشراء،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لتقليص‭ ‬رهاناتهم‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الهبوط‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬أصبحت‭ ‬مطمئنة‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬الأدق‭ ‬أنها‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬انتظار‭ ‬متفائلة‭ ‬بحذر‭. ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتصرف‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الأسوأ‭ ‬قادم‭ ‬حتماً،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضاً‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الاطمئنان‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بتجاهل‭ ‬كل‭ ‬المخاطر‭ ‬المحيطة،‭ ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الارتفاع‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الأسهم‭ ‬بدا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬رهان‭ ‬على‭ ‬الاحتواء‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأن‭ ‬الأزمة‭ ‬انتهت‭ ‬فعلاً‭.‬

ضغط‭ ‬سياسي

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الميل‭ ‬نحو‭ ‬التهدئة،‭ ‬فإن‭ ‬المشهد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬خالياً‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬الضغط‭. ‬فقد‭ ‬عاد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ليكرر‭ ‬نبرته‭ ‬التصعيدية،‭ ‬ملوحًا‭ ‬باستهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ضمن‭ ‬الإطار‭ ‬الزمني‭ ‬الذي‭ ‬حدده،‭ ‬وهذه‭ ‬الرسائل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تفصيلاً‭ ‬هامشياً‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬التداول،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تذكيراً‭ ‬مباشراً‭ ‬بأن‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬هشاً،‭ ‬وأن‭ ‬السوق‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬سبقت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬التفاؤل‭.‬
اللافت‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الأسهم‭ ‬لم‭ ‬تنهَر‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد‭ ‬اللفظي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬باتوا‭ ‬يفسرون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬باعتبارها‭ ‬أدوات‭ ‬ضغط‭ ‬تفاوضي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬إعلاناً‭ ‬وشيكًا‭ ‬لمرحلة‭ ‬عسكرية‭ ‬أشد‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬تبقى‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬لأن‭ ‬الأسواق‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تخطئ‭ ‬حين‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬التصريحات‭ ‬العالية‭ ‬السقف‭ ‬لن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أفعال‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬الجلسة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬جلسة‭ ‬ثقة،‭ ‬بل‭ ‬جلسة‭ ‬تجاهل‭ ‬منظم‭ ‬للخطر،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬محاولة‭ ‬لترجيح‭ ‬كفة‭ ‬الاحتمال‭ ‬الأقل‭ ‬ضرراً‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬البديل‭ ‬الأسوأ‭ ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬بعد‭.‬

نفط‭ ‬متوتر

في‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬يُظهر‭ ‬النفط‭ ‬القدر‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الارتياح‭ ‬الذي‭ ‬أظهرته‭ ‬الأسهم‭. ‬فقد‭ ‬بقيت‭ ‬الأسعار‭ ‬متقلبة‭ ‬وعالية،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطراً‭ ‬قائماً‭ ‬ومباشراً،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬احتمال‭ ‬سياسي‭ ‬يمكن‭ ‬احتواؤه‭ ‬بسهولة‭.‬
وهذه‭ ‬المفارقة‭ ‬بين‭ ‬أداء‭ ‬الأسهم‭ ‬وسلوك‭ ‬النفط‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭. ‬فبينما‭ ‬اختارت‭ ‬الأسهم‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬فكرة‭ ‬التهدئة،‭ ‬بقي‭ ‬النفط‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تسعير‭ ‬احتمال‭ ‬الاضطراب‭ ‬المستمر‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬عناصر‭ ‬غير‭ ‬مستقرة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الملاحة‭ ‬أو‭ ‬الإمدادات‭ ‬أو‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسهم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬ككل‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬اطمئناناً‭. ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬الأسهم‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬نهاية‭ ‬سريعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يذكّر‭ ‬الجميع‭ ‬بأن‭ ‬الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬بعد‭.‬
خوف‭ ‬مستتر

هذا‭ ‬التناقض‭ ‬ظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬مؤشر‭ ‬التقلبات‭ (‬VIX‭)‬،‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬مؤشر‭ ‬الخوف‮»‬،‭ ‬فوق‭ ‬مستويات‭ ‬مقلقة‭ ‬نسبياً‭. ‬فلو‭ ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬واثقة‭ ‬فعلا‭ ‬ًمن‭ ‬أن‭ ‬الأسوأ‭ ‬انتهى،‭ ‬لكان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نشهد‭ ‬تراجعاً‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬التحوط‭ ‬والتقلب‭. ‬لكن‭ ‬بقاء‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬مرتفعاً‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين،‭ ‬رغم‭ ‬شرائهم‭ ‬للأسهم،‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يدفعون‭ ‬ثمنًا‭ ‬للحماية‭ ‬من‭ ‬سيناريوهات‭ ‬سلبية‭ ‬محتملة‭.‬
وهذا‭ ‬السلوك‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭: ‬هناك‭ ‬شهية‭ ‬شراء،‭ ‬نعم،‭ ‬لكن‭ ‬يقابلها‭ ‬شك‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬استدامة‭ ‬هذا‭ ‬التفاؤل‭.‬
بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬يقين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬رهان‭ ‬محسوب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬تطور‭ ‬مفاجئ‭ ‬سياسياً‭ ‬أو‭ ‬عسكرياً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬المعادلة‭ ‬بسرعة‭.‬

أثر‭ ‬مؤجل

ما‭ ‬يقلق‭ ‬بعض‭ ‬مديري‭ ‬الأصول‭ ‬والمحللين‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تطور‭ ‬الأزمة‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأسواق‭ ‬أقل‭ ‬حساسية‭ ‬مما‭ ‬ينبغي‭ ‬تجاه‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬اضطراب‭ ‬الطاقة‭. ‬فحتى‭ ‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬قد‭ ‬أعادت‭ ‬تسعير‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬بقاء‭ ‬النفط‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬المرتفعة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التضخم‭ ‬أو‭ ‬كلفة‭ ‬التشغيل‭ ‬أو‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭.‬
فأسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬النفط‭ ‬والطيران‭ ‬والنقل،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وهوامش‭ ‬الربحية،‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬وسلوك‭ ‬المستهلكين،‭ ‬وإذا‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬هذا‭ ‬التوتر،‭ ‬فإن‭ ‬السوق‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة‭ ‬لتوقعاتها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬بدأت‭ ‬الضغوط‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬داخل‭ ‬البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الفعلية‭.‬
وهنا‭ ‬تحديداً‭ ‬تكمن‭ ‬فجوة‭ ‬التسعير‭ ‬الحالية‭: ‬الأسهم‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬كحدث‭ ‬سياسي‭ ‬قابل‭ ‬للاحتواء،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬تداعياتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أبطأ‭ ‬ظهوراً،‭ ‬لكنها‭ ‬أعمق‭ ‬أثراً‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭ ‬الآن‭.‬

شراء‭ ‬النهاية

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬الاثنين‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيصه‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ ‬واحدة‭: ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬اشترت‭ ‬النهاية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬فعلياً‭.‬
فالسوق‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬الأسهم‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬لن‭ ‬تستمر‭ ‬طويلًا،‭ ‬وأن‭ ‬التهديدات‭ ‬السياسية‭ ‬ستنتهي‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الضغط‭ ‬لا‭ ‬الفعل،‭ ‬وأن‭ ‬مساراً‭ ‬تفاوضياً‭ ‬ما‭ ‬سيظهر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ممتدة‭.‬
هذا‭ ‬الرهان‭ ‬قد‭ ‬يثبت‭ ‬صحته‭ ‬إذا‭ ‬اتجهت‭ ‬الأمور‭ ‬فعلاً‭ ‬نحو‭ ‬التهدئة‭. ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يظل‭ ‬رهانًا‭ ‬هشاً،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬انتكاسة‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬أو‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الصفر‭ ‬خلال‭ ‬جلسة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭.‬

رجوع لأعلى