وول ستريت تراهن على الذكاء الاصطناعي رغم توتر الشرق الأوسط
شهدت الأسواق الأمريكية جلسة تداول إيجابية الثلاثاء، بعدما طغت موجة التفاؤل المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي على المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، في وقت يواصل فيه المستثمرون إعادة تموضعهم داخل أسهم التكنولوجيا الكبرى التي تقود النمو العالمي في المرحلة الحالية.
وافتتحت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت تعاملاتها على ارتفاع واضح، إذ صعد مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 106.5 نقطة، بما يعادل 0.21 بالمئة، ليصل إلى مستوى 50686.15 نقطة، بينما ارتفع مؤشر ستاندرد اند بورز 500 بنحو 38.3 نقطة أو ما يعادل 0.51 % إلى مستوى 7511.79 نقطة. أما مؤشر ناسداك المجمع، الذي يضم أكبر شركات التكنولوجيا والنمو، فقد سجل أقوى المكاسب بعدما ارتفع بنحو 246.5 نقطة أو 0.94 % ليصل إلى 26590.504 نقطة.
تفاؤل تقني
وتأتي هذه المكاسب في وقت يشهد فيه قطاع التكنولوجيا الأمريكي حالة من الزخم القوي المدعوم بالتوقعات المتزايدة بشأن استمرار الإنفاق الضخم على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء من قبل الشركات أو الحكومات أو حتى المؤسسات المالية والاستثمارية، الأمر الذي عزز التوقعات بتحقيق شركات التكنولوجيا العملاقة مزيداً من الأرباح القياسية خلال الفصول المقبلة.
ويعتقد المستثمرون أن الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد موجة مؤقتة مرتبطة بالاهتمام الإعلامي أو المضاربات قصيرة الأجل، بل تحولت إلى دورة استثمارية طويلة المدى قد تعيد رسم شكل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاعات متعددة تشمل البنوك والصناعة والرعاية الصحية والإعلام والطاقة والخدمات الحكومية.
وتصدرت شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية وأسهم الحوسبة السحابية قائمة الرابحين في بداية الجلسة، مع استمرار الطلب العالمي على مراكز البيانات العملاقة والبنية التحتية الرقمية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. كما عززت توقعات زيادة الإنفاق الرأسمالي من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى شهية المستثمرين لشراء الأسهم المرتبطة بالقطاع.
ويرى محللون أن الأسواق الأمريكية أصبحت أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات مرتبطة بنمو قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ باتت هذه التكنولوجيا تمثل المحرك الرئيسي لتقييمات العديد من الشركات المدرجة، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا الذي يقود حالياً المكاسب في وول ستريت.
تجاهل المخاطر
وعلى الرغم من استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عقب الهجمات الأمريكية الأخيرة على إيران، فإن المستثمرين بدوا أكثر ميلاً للتركيز على العوامل الاقتصادية والنتائج المالية للشركات بدلاً من التفاعل الحاد مع التطورات السياسية والعسكرية.
وشهدت الأسواق خلال الساعات الماضية حالة من الترقب بشأن احتمالات اتساع دائرة التصعيد في المنطقة، إلا أن غياب أي اضطرابات مباشرة في أسواق النفط العالمية أو سلاسل الإمداد خفف من حدة القلق داخل أوساط المستثمرين، ما سمح بعودة التركيز نحو القطاعات عالية النمو وفي مقدمتها التكنولوجيا.
كما ساهم استقرار أسعار النفط نسبياً في تهدئة المخاوف المتعلقة بالتضخم، خاصة أن الأسواق كانت تخشى أن يؤدي أي تصعيد كبير في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، الأمر الذي قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
رهانات الأرباح
وتتزايد رهانات المستثمرين على أن شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى ستواصل تحقيق معدلات نمو قوية في الأرباح والإيرادات خلال النصف الثاني من العام، خاصة مع تسارع الطلب العالمي على الخدمات الرقمية والبنية التحتية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير تقديرات العديد من المؤسسات الاستثمارية إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز مئات المليارات من الدولارات خلال الأعوام القليلة المقبلة، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على أداء الشركات المنتجة للرقائق الإلكترونية والخوادم وأنظمة الحوسبة السحابية.
كما تعززت التوقعات الإيجابية بعدما أعلنت عدة شركات أمريكية عن خطط توسعية ضخمة لبناء مراكز بيانات جديدة وتطوير قدراتها التقنية، في خطوة تهدف إلى تلبية الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتطبيقات الرقمية الحديثة.
ويعتقد محللون أن هذه الاستثمارات الضخمة ستمنح الاقتصاد الأمريكي دفعة إضافية للنمو، خصوصاً أن قطاع التكنولوجيا لا يزال يمثل المحرك الرئيسي للإنتاجية والابتكار في الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يحذر بعض الخبراء من أن الارتفاعات القوية في أسهم التكنولوجيا قد ترفع مستويات التقييم إلى نطاقات مبالغ فيها، ما قد يزيد من احتمالات حدوث تصحيحات حادة في حال تراجعت وتيرة النمو أو جاءت النتائج المالية دون التوقعات.
الفائدة والتضخم
وتترقب الأسواق الأمريكية حالياً أي إشارات جديدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل السياسة النقدية، في ظل استمرار الجدل حول توقيت خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
ورغم تراجع معدلات التضخم مقارنة بالمستويات المرتفعة التي سجلتها خلال العامين الماضيين، فإن البنك المركزي الأمريكي لا يزال يتعامل بحذر مع أي مؤشرات قد تعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، خصوصاً في ظل قوة سوق العمل واستمرار الإنفاق الاستهلاكي.
كما أن انخفاض الفائدة قد يعزز الإنفاق الاستثماري للشركات على البنية التحتية التقنية ومشروعات التحول الرقمي، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
وفي المقابل، فإن استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول قد يشكل ضغطاً على بعض القطاعات الاقتصادية، إلا أن أسهم التكنولوجيا الكبرى أظهرت حتى الآن قدرة لافتة على الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية رغم ارتفاع الفائدة.
تدفقات استثمارية
وشهدت الصناديق الاستثمارية المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تدفقات مالية قوية خلال الأسابيع الأخيرة، مع تزايد اهتمام المستثمرين الأفراد والمؤسسات بالاستفادة من الطفرة التقنية الحالية. وأظهرت بيانات الأسواق أن جزءاً كبيراً من السيولة العالمية يتجه نحو الأسهم الأمريكية، خاصة شركات التكنولوجيا العملاقة التي تمتلك مراكز مالية قوية وقدرات كبيرة على الاستثمار والتوسع.
كما ساهم الأداء القوي لأسهم التكنولوجيا في تعزيز ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأمريكي، رغم التحديات المتعلقة بالتضخم والتوترات الجيوسياسية والديون الحكومية المرتفعة.
ويرى محللون أن السوق الأمريكية لا تزال الوجهة الرئيسية لرؤوس الأموال العالمية بفضل قوة الشركات المدرجة فيها، إضافة إلى ريادتها في قطاعات التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، تستفيد الأسواق الأمريكية من ضعف الأداء الاقتصادي في بعض الاقتصادات الكبرى الأخرى، ما يدفع المستثمرين إلى زيادة انكشافهم على الأصول الأمريكية باعتبارها أكثر استقراراً وربحية.
تفوق ناسداك
واصل مؤشر ناسداك أداءه المتفوق مقارنة ببقية المؤشرات الأمريكية، مستفيداً من الارتفاعات القوية في أسهم التكنولوجيا وشركات النمو السريع.
وبات المؤشر قريباً من تسجيل مستويات تاريخية جديدة، في ظل استمرار موجة التفاؤل بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيره المتوقع على الاقتصاد العالمي.
كما شهدت أسهم شركات البرمجيات والحوسبة السحابية وشركات أشباه الموصلات ارتفاعات ملحوظة، مع تصاعد التوقعات باستمرار الطلب العالمي على الخدمات الرقمية والتقنيات الحديثة.
ويرى خبراء أن قوة أداء ناسداك تعكس التحول الكبير الذي يشهده الاقتصاد العالمي نحو الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والرقمنة، الأمر الذي يجعل شركات التقنية في موقع متقدم للاستفادة من هذه التحولات.
كما أن ارتفاع شهية المستثمرين للمخاطرة ساهم في تعزيز أداء الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، خاصة في ظل تراجع المخاوف المتعلقة بحدوث ركود اقتصادي أمريكي خلال المدى القريب.