وول ستريت ترتفع وتخسر رهان الأسبوع
اختتمت الأسهم الأميركية تعاملات الجمعة على ارتفاع جماعي، مستعيدة جزءاً من خسائرها بعد أسبوع اتسم بتقلبات قوية، لكن المكاسب التي حققتها في الجلسة الأخيرة لم تكن كافية لإنقاذ المؤشرات الرئيسية من تسجيل خسائر أسبوعية، وسط قلق المستثمرين من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية واستمرار حالة عدم اليقين بشأن تطورات الشرق الأوسط.
وأظهرت البيانات الأولية ارتفاع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 32.94 نقطة، أو 0.43 %، ليغلق عند 7674.10 نقطة، فيما صعد مؤشر «ناسداك» المجمع 112.20 نقطة، أو 0.43 %، إلى 26179.37 نقطة. وكان «داو جونز الصناعي» الأفضل أداءً خلال جلسة الجمعة، بعدما قفز 520.93 نقطة، بما يعادل 0.99 %، ليصل إلى 53280.14 نقطة.
مكاسب الجمعة
وجاء الصعود في ختام أسبوع صعب للأسهم، بعدما تحولت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى المحرك الأبرز لاتجاهات المستثمرين. ورغم الإغلاق الإيجابي يوم الجمعة، أنهى «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» سلسلة مكاسب أسبوعية استمرت ثلاثة أسابيع متتالية، في حين سجل «داو جونز» خسارته للأسبوع الثاني على التوالي.
ويكشف هذا الأداء المتباين بين الجلسة الأخيرة والحصيلة الأسبوعية عن حالة الحذر التي تسيطر على السوق. فالمستثمرون لم يتخلوا عن الأسهم بصورة واسعة، لكنهم أصبحوا أكثر حساسية لتحركات سوق السندات وتوقعات تكاليف الاقتراض، ما أدى إلى انتقال سريع للأموال بين القطاعات والأصول خلال الجلسات الماضية.
وتتزايد أهمية سوق السندات بالنسبة إلى الأسهم كلما ارتفعت العوائد، إذ توفر السندات الحكومية الأميركية عند مستويات العائد المرتفعة بديلاً أكثر جاذبية وأقل مخاطرة لبعض المستثمرين، كما ترفع في الوقت نفسه تكلفة التمويل بالنسبة إلى الشركات وتضغط على تقييمات الأسهم.
ضغط العوائد
وأصبحت تحركات عوائد سندات الخزانة عاملاً رئيسياً في قرارات المستثمرين خلال الأسبوع، بعدما أدى احتمال استمرار تكاليف الاقتراض عند مستويات مرتفعة إلى تراجع الرغبة في المخاطرة. وتكون أسهم النمو والتكنولوجيا عادة بين الأكثر حساسية لهذه التحركات، نظراً لاعتماد تقييماتها بدرجة كبيرة على توقعات الأرباح والتدفقات النقدية المستقبلية.
وعندما ترتفع عوائد السندات، تزيد معدلات الخصم المستخدمة في تقييم تلك التدفقات، ما يقلص القيمة الحالية المتوقعة للأرباح المستقبلية ويجعل التقييمات المرتفعة أكثر صعوبة في التبرير. ومن هنا تصبح تحركات سوق الدين قادرة على إحداث ضغوط مباشرة على «ناسداك» وغيره من المؤشرات التي تضم أوزاناً كبيرة لشركات التكنولوجيا.
كما أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يمتد إلى الاقتصاد الحقيقي، إذ يزيد تكلفة التمويل على الشركات والأسر ويهدد بإبطاء الاستثمار والاستهلاك، وهو ما يضيف طبقة أخرى من المخاوف بالنسبة إلى المستثمرين الذين يراقبون قدرة الاقتصاد الأميركي على مواصلة النمو.
تدخل الخزانة
وزادت التقلبات بعدما كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الحكومة قد توسع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة، بعد إعلان مفاجئ بأنها ستنفق ضعف المبلغ المتوقع على عمليات إعادة الشراء.
وتستهدف هذه العمليات بصورة أساسية دعم السيولة وتحسين كفاءة التداول في سوق سندات الخزانة، لكنها اكتسبت أهمية خاصة في ظل التقلبات الأخيرة للعوائد. ويولي المستثمرون اهتماماً كبيراً لأي خطوات من وزارة الخزانة يمكن أن تؤثر في توازن العرض والطلب داخل أكبر سوق للسندات الحكومية في العالم.
ووصف كريس زاكاريلي، كبير مسؤولي الاستثمار في «نورثلايت أسيت مانجمنت»، الأسبوع بأنه كان متقلباً بدرجة كبيرة، مع تحركات صعودية وهبوطية ارتبطت بارتفاع عوائد سندات الخزانة، ثم تدخل بيسنت، وهو ما يعكس مدى ارتباط أداء الأسهم حالياً بالإشارات القادمة من سوق الدين.
شهية المخاطرة
ويضع هذا الارتباط المستثمرين أمام معادلة دقيقة. فمن ناحية، لا تزال الشركات الأميركية الكبرى قادرة على تحقيق أرباح قوية، كما يستمر التفاؤل بشأن قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم جانب مهم من السوق. ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع العوائد يجعل شراء الأسهم عند تقييمات مرتفعة أكثر خطورة.
لذلك تحولت سوق السندات إلى ما يشبه البوصلة اليومية للأسهم. فهبوط العوائد يمنح المستثمرين مساحة أكبر لشراء الأصول عالية المخاطر، بينما يؤدي صعودها إلى عمليات جني أرباح أو إعادة توزيع المحافظ باتجاه قطاعات دفاعية وأدوات ذات دخل ثابت.
ويفسر ذلك جزئياً عدم قدرة المؤشرات على الحفاظ على سلسلة المكاسب الأسبوعية السابقة، رغم أن مستوياتها لا تزال مرتفعة تاريخياً. فالسوق تواجه اختباراً يتعلق بمدى قدرتها على استيعاب بيئة تمويل أكثر تكلفة من دون تعرض تقييمات الشركات لضغوط كبيرة.
قلق جيوسياسي
وإلى جانب سوق السندات، بقي الشرق الأوسط مصدراً إضافياً لعدم اليقين. فغياب مؤشرات واضحة على تحقيق تقدم سياسي يزيد المخاوف من استمرار التوتر وتأثيره في أسواق الطاقة والتجارة والتضخم العالمي.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية مضاعفة بالنسبة إلى وول ستريت لأن أي ارتفاع جديد ومستدام في أسعار النفط قد يعقد مسار التضخم الأميركي. فزيادة تكلفة الطاقة يمكن أن تنتقل إلى النقل والتصنيع والسلع والخدمات، وهو ما قد يقلص قدرة السياسة النقدية على التحول سريعاً نحو ظروف أكثر تيسيراً.
وبالتالي، فإن تطورات الشرق الأوسط لا تؤثر في الأسهم فقط من زاوية المخاطر الجيوسياسية المباشرة، وإنما من خلال تأثيرها المحتمل في النفط والتضخم وأسعار الفائدة وعوائد السندات، وهي سلسلة مترابطة تجعل المستثمرين أكثر حذراً تجاه أي تصعيد جديد.
تباين المؤشرات
ويعكس تفوق «داو جونز» خلال جلسة الجمعة، بارتفاعه 0.99 % مقابل 0.43 % لكل من «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك»، اختلاف حساسية قطاعات السوق تجاه العوائد المرتفعة. فالمؤشر الصناعي يضم شركات تقليدية وقطاعات أقل ارتباطاً بتقييمات النمو طويل الأجل مقارنة بالثقل التكنولوجي الكبير في «ناسداك».
ويصبح هذا الاختلاف أكثر وضوحاً خلال الفترات التي ترتفع فيها عوائد السندات، إذ يميل المستثمرون إلى إعطاء وزن أكبر للشركات التي تحقق تدفقات نقدية حالية قوية أو تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة، مقابل تقليل التعرض لبعض الشركات التي تعتمد تقييماتها بدرجة أكبر على توقعات النمو المستقبلية.
لكن المكاسب القوية لـ«داو» في الجلسة الأخيرة لم تمنعه من تسجيل خسائر للأسبوع الثاني على التوالي، ما يشير إلى أن الضغوط لم تكن مقتصرة على التكنولوجيا، وإنما طالت نطاقاً أوسع من السوق.
اختبار التقييمات
وتأتي هذه التطورات بعدما حققت الأسهم الأميركية مكاسب قوية خلال الفترة الماضية، وهو ما رفع التقييمات وزاد حساسية المؤشرات لأي أخبار سلبية. فكلما ارتفعت أسعار الأسهم، تصبح قدرة السوق على تحمل مفاجآت العوائد أو التضخم أو السياسة النقدية أقل، خصوصاً عندما تتزامن هذه العوامل مع مخاطر جيوسياسية.
ومع ذلك، فإن صعود المؤشرات الثلاثة يوم الجمعة يشير إلى استمرار وجود طلب على الأسهم عند التراجعات. فالمستثمرون لم يتحولوا إلى موقف دفاعي كامل، بل يواصلون البحث عن فرص شراء مع مراقبة اتجاه العوائد ومستجدات السياسة الاقتصادية.
وتبقى قوة أرباح الشركات وقدرة الاقتصاد الأميركي على تجنب تباطؤ حاد عاملين أساسيين في تحديد ما إذا كانت خسائر الأسبوع تمثل مجرد عملية تصحيح بعد ثلاثة أسابيع من المكاسب، أم بداية مرحلة أكثر تقلباً في وول ستريت.