وول ستريت تقترب مجددا من قممها التاريخية
واصلت الأسهم الأميركية أداءها القوي خلال تعاملات الجمعة، لتقترب من تسجيل مستويات قياسية جديدة، مدعومة بموجة تفاؤل واسعة في قطاع التكنولوجيا، بعد الإدراج اللافت لشركة إس كي هاينيكس الكورية الجنوبية في بورصة ناسداك، بالتزامن مع استعداد المستثمرين لانطلاق موسم نتائج أعمال الشركات الأميركية للربع الثاني، والذي ينظر إليه باعتباره الاختبار الأهم لمسار الأسواق خلال النصف الثاني من العام.
وجاءت المكاسب رغشم استمرار حالة الترقب التي تفرضها التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إذ وازن المستثمرون بين الزخم الكبير الذي يحققه قطاع الذكاء الاصطناعي، وبين المخاوف من انعكاسات التوترات السياسية على أسعار الطاقة والتضخم والسياسة النقدية في الولايات المتحدة.
ويعكس الأداء الإيجابي للمؤشرات الأميركية استمرار الثقة في قوة الاقتصاد الأميركي، وقدرة الشركات الكبرى على تحقيق نمو في الأرباح، رغم ارتفاع أسعار الفائدة واستمرار حالة عدم اليقين العالمية.
زخم التكنولوجيا
قاد قطاع التكنولوجيا موجة الصعود الجديدة في وول ستريت، بعدما استقطب الإدراج الضخم لشركة إس كي هاينيكس اهتمام المستثمرين، إذ افتتح السهم أولى جلساته مرتفعاً بنحو 14 % فوق سعر الطرح البالغ 170 دولاراً، في واحدة من أكبر عمليات الإدراج التي شهدتها الأسواق الأميركية خلال الفترة الأخيرة.
وجمعت الشركة، المتخصصة في صناعة أشباه الموصلات، أكثر من 26 مليار دولار من خلال طرح شهادات الإيداع الأميركية، في خطوة عززت الثقة باستمرار الطلب العالمي على الرقائق الإلكترونية المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة ومراكز البيانات.
ويرى محللون أن نجاح الإدراج يعكس استمرار شهية المستثمرين للاستثمار في الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت المحرك الرئيسي لمكاسب الأسواق الأميركية خلال العام الحالي.
قطاع الرقائق
استعادت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية بريقها بعد فترة من التقلبات، مدفوعة بالرهانات على استمرار الإنفاق الضخم من جانب شركات التكنولوجيا العملاقة لتوسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتعد شركات أشباه الموصلات من أكبر المستفيدين من الطفرة الحالية، إذ تشكل الرقائق الإلكترونية العمود الفقري للبنية التحتية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء في الخوادم أو مراكز البيانات أو الحوسبة السحابية.
ورغم موجات جني الأرباح التي تعرض لها القطاع خلال الأسابيع الماضية بسبب ارتفاع التقييمات، فإن المستثمرين عادوا مجدداً إلى شراء أسهم الشركات الكبرى مع تجدد الثقة بآفاق النمو طويلة الأجل.
نتائج مرتقبة
في المقابل، يترقب المستثمرون انطلاق موسم نتائج أعمال الربع الثاني الأسبوع المقبل، والذي يبدأ بإعلانات البنوك الأميركية الكبرى، وسط توقعات بأن يشكل مؤشراً مهماً على متانة الاقتصاد الأميركي.
وتشير تقديرات مجموعة بورصات لندن إلى أن أرباح الشركات المدرجة على مؤشر ستاندرد اند بورز 500 قد ترتفع بنحو 24 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، على أن تستحوذ شركات التكنولوجيا على الجزء الأكبر من هذا النمو.
ويرى خبراء الأسواق أن نتائج البنوك ستكون أول اختبار حقيقي لمعرفة مدى قوة الإنفاق الاستهلاكي، واتجاهات الإقراض، وقدرة الشركات على مواصلة الاستثمار رغم بيئة الفائدة المرتفعة.
وقال تيري ساندفين، كبير خبراء الأسهم في يو إس بنك ويلث مانجمنت، إن موسم النتائج يأتي هذا العام وسط توقعات مرتفعة للغاية، وهو ما يجعل هامش الخطأ محدوداً أمام الشركات.
وأضاف أن نتائج البنوك ستوفر مؤشرات مهمة حول النشاط الاقتصادي، وسلوك المستهلكين، واستثمارات الشركات، وهي عوامل ستحدد إلى حد كبير اتجاه الأسواق خلال الأشهر المقبلة.
ترقب اقتصادي
ولا تقتصر أهمية موسم النتائج على قياس أداء الشركات فقط، بل تمتد إلى تقييم المسار العام للاقتصاد الأميركي، في ظل استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة، وترقب المستثمرين لأي إشارات جديدة بشأن السياسة النقدية.
ويعتقد المستثمرون أن استمرار قوة الأرباح قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، بينما قد تدفع أي نتائج مخيبة للآمال الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن النمو الاقتصادي.
كما ستتابع الأسواق عن كثب توقعات الإدارات التنفيذية للشركات بشأن النصف الثاني من العام، باعتبارها مؤشراً مهماً على اتجاهات الاستثمار والإنفاق خلال الفترة المقبلة.
مخاوف التضخم
في الوقت نفسه، عادت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران لتفرض نفسها على اهتمامات المستثمرين، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن طهران طلبت مواصلة المحادثات، وأن
وأعادت الهجمات المتبادلة بين الجانبين هذا الأسبوع المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط تضخمية إضافية، قد تدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسته النقدية المتشددة لفترة أطول.
تقييمات مرتفعة
ورغم استمرار موجة الصعود التي تقودها أسهم التكنولوجيا، فإن عدداً من المحللين يحذرون من أن التقييمات الحالية لبعض الشركات أصبحت مرتفعة مقارنة بمتوسطاتها التاريخية، ما يزيد احتمالات تعرض الأسواق لعمليات جني أرباح إذا جاءت نتائج الأعمال أو التوقعات المستقبلية دون المستوى المأمول.
ومع ذلك، يرى مستثمرون أن الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي لا تزال في مراحلها الأولى، وأن الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية سيواصل دعم أرباح شركات التكنولوجيا والرقائق خلال السنوات المقبلة، وهو ما يبرر استمرار التدفقات الاستثمارية نحو هذا القطاع.
كما ساعدت مؤشرات الاقتصاد الأميركي، التي أظهرت استمرار متانة سوق العمل وتحسن مستويات الإنفاق، في تعزيز ثقة المستثمرين بأن الاقتصاد لا يزال قادراً على تحقيق نمو مستقر، رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض.
أداء المؤشرات
عكست المؤشرات الأميركية هذا التفاؤل، إذ أظهرت البيانات الأولية ارتفاع مؤشر ستاندرد اند بورز 500 بنحو 28.72 نقطة، أو ما يعادل 0.38 %، ليغلق عند مستوى 7572.36 نقطة، مقترباً للغاية من أعلى مستوى قياسي في تاريخه.
كما صعد مؤشر ناسداك المجمع، الذي يضم أكبر شركـات التكنولوجيا، بمقدار 77.52 نقطة، أو 0.25 %، ليصل إلى 26273.21 نقطة، مستفيداً من الأداء القوي لأسهم شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي.
في المقابل، ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 148.28 نقطة، أو 0.28 %، ليغلق عند 52635.69 نقطة، مدعوماً بمكاسب عدد من الأسهم الصناعية والمالية، في إشارة إلى اتساع نطاق الصعود ليشمل قطاعات مختلفة داخل السوق الأميركية.
ويؤكد هذا الأداء أن المستثمرين ما زالوا ينظرون بإيجابية إلى آفاق الاقتصاد الأميركي، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالتضخم وأسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية.
تفاؤل حذر
ويرى خبراء الأسواق أن المرحلة الحالية تتطلب قدراً كبيراً من الحذر، إذ إن الأسواق تتحرك بالقرب من مستويات تاريخية مرتفعة، بينما تنتظر مجموعة من المحفزات المهمة، في مقدمتها نتائج الشركات، وبيانات التضخم، وأي إشارات جديدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
كما ستبقى التطورات السياسية في الشرق الأوسط عاملاً مؤثراً في معنويات المستثمرين، خاصة إذا انعكست على أسعار النفط والطاقة، وهو ما قد يغير توقعات الأسواق بشأن التضخم والنمو خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، فإن استمرار قوة أرباح الشركات، ولا سيما شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، قد يمنح الأسواق دفعة جديدة تسمح للمؤشرات الأميركية بتسجيل مستويات قياسية جديدة خلال الأسابيع المقبلة.