وول ستريت تهتز تحت وطأة التصعيد
شهدت العقود الآجلة للأسهم الأميركية موجة هبوط حادة خلال تعاملات الأربعاء، بعدما أعادت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط رسم خريطة المخاطر في الأسواق العالمية، إذ تراجعت مؤشرات وول ستريت بصورة جماعية مع تصاعد المخاوف من اتساع الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت قفزت فيه أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أسابيع، الأمر الذي عزز توقعات بعودة الضغوط التضخمية وتأجيل خفض أسعار الفائدة الأميركية.
وجاءت عمليات البيع بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم الهادفة إلى إنهاء الحرب مع إيران أصبحت «منتهية»، مؤكداً أنه لا يرغب في مواصلة التواصل مع طهران، وهي تصريحات اعتبرها المستثمرون مؤشراً على احتمال دخول الأزمة مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، ما انعكس سريعاً على أسواق الأسهم والعملات والسلع.
ويرى محللون أن المستثمرين اتجهوا إلى تقليص مراكزهم في الأسهم مرتفعة المخاطر، خصوصاً شركات التكنولوجيا، مع إعادة توزيع الاستثمارات نحو القطاعات الدفاعية وشركات الطاقة التي تستفيد عادة من ارتفاع أسعار النفط.
كما ساهمت المخاوف من انعكاسات التصعيد على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد في زيادة الضغوط على الأسواق، مع تزايد القلق من أن تؤدي الأزمة إلى تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الإنتاج في عدد من القطاعات.
خسائر جماعية
انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بنحو 620 نقطة، أو ما يعادل 1.17 %، فيما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 63.75 نقطة، أو 0.84 %.
أما العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100»، الأكثر تأثراً بأسهم التكنولوجيا، فقد هبطت بنحو 330 نقطة، أو 1.12 %، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أربعة أسابيع، مع استمرار الضغوط على شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
ويرى متعاملون أن أسهم التكنولوجيا كانت الأكثر عرضة للبيع، نظراً لارتفاع تقييماتها واعتمادها بصورة كبيرة على توقعات استمرار النمو الاقتصادي وتراجع أسعار الفائدة.
كما اتجه المستثمرون إلى تقليص انكشافهم على الأسهم التي سجلت مكاسب قوية خلال الأشهر الماضية، في إطار عمليات جني أرباح مدفوعة بارتفاع مستويات عدم اليقين.
تصريحات ترامب
وخلال حديثه في العاصمة التركية أنقرة قبيل انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي، أكد ترامب أن مذكرة التفاهم مع إيران أصبحت منتهية، مشيراً إلى أنه لا يرى جدوى من مواصلة الحوار مع طهران.
وجاءت هذه التصريحات بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني استهداف مواقع عسكرية أميركية في البحرين والكويت، عقب تنفيذ الولايات المتحدة ضربات جديدة داخل إيران.
وأكدت واشنطن أن عملياتها جاءت رداً على الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
ويرى خبراء أن هذه التطورات رفعت احتمالات استمرار التوتر في المنطقة، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بصورة سريعة، انعكست على مختلف فئات الأصول.
النفط المستفيد الأكبر
واصلت أسعار النفط مكاسبها القوية، إذ ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 5 %، مدفوعة بمخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية في حال استمرار التصعيد.
ويرى اقتصاديون أن الأسواق تركز حالياً على احتمالات تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، وهو ما يفسر الارتفاع السريع في الأسعار.
كما يخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع النفط إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، بما ينعكس على معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى ويؤخر مسار خفض أسعار الفائدة.
ويؤكد محللون أن أسعار النفط أصبحت المحرك الرئيسي للأسواق خلال المرحلة الحالية، مع ارتباطها المباشر بتوقعات التضخم والسياسة النقدية.
أسهم الطاقة تتألق
في المقابل، استفادت شركات الطاقة الأميركية من صعود أسعار النفط، إذ ارتفع سهم «شيفرون» بنسبة 2.4 %، فيما صعد سهم «إكسون موبيل» بنحو 3 %.
كما ارتفع سهم «كونوكو فيليبس» بنسبة 2.2 %، وصعد سهم «ديفون إنرجي» بنحو 2.5 %.
وسجلت أسهم «أوكسيدنتال بتروليوم» و«إيه بي إيه كورب» و«دايموندباك إنرجي» مكاسب تراوحت بين 2.4 % و4.2 %، لتكون من بين أفضل الأسهم أداءً في تعاملات ما قبل افتتاح السوق.
ويرى خبراء أن شركات الطاقة تعد المستفيد الأول من ارتفاع أسعار الخام، إذ تنعكس الزيادات مباشرة على الإيرادات والأرباح، ما يدفع المستثمرين إلى زيادة مراكزهم في هذا القطاع خلال فترات التقلبات.
التضخم يعود للواجهة
أعاد ارتفاع أسعار النفط إلى الواجهة المخاوف من موجة تضخم جديدة، في وقت كانت الأسواق تراهن على بدء الاحتياطي الفيدرالي دورة خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ويشير محللون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، ما قد يجبر البنك المركزي الأميركي على الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
كما أن ارتفاع تكاليف الوقود قد يؤثر في إنفاق المستهلكين وهوامش أرباح الشركات، الأمر الذي يزيد مـن الضغوط على الاقتصاد الأميركي إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
ترقب الفيدرالي
ويترقب المستثمرون صدور محضر اجتماع السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لشهر يونيو، بحثاً عن مؤشرات توضح تقييم صناع القرار لمخاطر التضخم وآفاق النمو الاقتصادي.
وينتظر المتعاملون أي إشارات بشأن مدى استعداد البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام، خاصة في ظل المتغيرات الجديدة التي فرضتها التطورات الجيوسياسية.
ويرى محللون أن أي لهجة متشددة في محضر الاجتماع قد تزيد من الضغوط على الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا، بينما قد توفر الإشارات الإيجابية دعماً للأسواق إذا أظهرت استعداداً أكبر لتخفيف السياسة النقدية.