105 آلاف منزل شاغر تفاقم أزمة لندن
تعيش أسواق الإسكان العالمية مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تقفز فيه الإيجارات وتتزايد صعوبة العثور على مسكن بأسعار مناسبة، تبقى ملايين الوحدات السكنية خالية، ما يكشف أن أزمة السكن لا ترتبط دائماً بنقص المباني، وإنما أحياناً بعدم دخول جزء من المخزون العقاري المتاح إلى سوق البيع أو الإيجار.
وتقدم لندن نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة، إذ تضم العاصمة البريطانية أكثر من 105 آلاف مسكن شاغر تتجاوز قيمتها الإجمالية 40 مليار جنيه إسترليني، أي نحو 54 مليار دولار، رغم معاناة السكان من ارتفاع تكاليف السكن والإيجارات.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المساكن الشاغرة تمثل 7 % على الأقل من إجمالي المخزون السكني في 21 دولة تتوافر عنها بيانات قابلة للمقارنة، وترتفع النسبة إلى 10 % على الأقل عندما تشمل البيانات المساكن الموسمية ومنازل العطلات.
أصول استثمارية
وتبدأ المفارقة من تغير وظيفة العقار بالنسبة إلى بعض المستثمرين، إذ لم تعد الشقة في مدينة عالمية كبرى مجرد مكان للسكن أو وسيلة للحصول على دخل إيجاري، بل تحولت إلى أصل يمكن الاحتفاظ بالثروة داخله والاستفادة من ارتفاع قيمته مستقبلاً.
وبالنسبة إلى أصحاب الثروات والمستثمرين الدوليين، قد تصبح الشقة الفاخرة في سوق مستقرة جزءاً من محفظة استثمارية، حتى إذا ظلت خالية لسنوات. وتعرف إحدى صور هذه الممارسة باستراتيجية «اشترِ واتركه»، حيث يتم شراء العقار للاستفادة من مكاسب قيمته الرأسمالية بدلاً من تأجيره.
وارتفع عدد المساكن الشاغرة في لندن إلى 105.1 آلاف مسكن في 2025، بزيادة 81 % مقارنة بعام 2016، فيما قفز عدد الوحدات التي ظلت فارغة لأكثر من ستة أشهر إلى 47.3 ألف مسكن، بزيادة بلغت 138 %.
ولا تقتصر الظاهرة على بريطانيا، إذ أظهرت بيانات التعداد الأميركي وجود نحو 14 مليون وحدة سكنية شاغرة في الولايات المتحدة خلال 2024. وفي اليابان، وصل العدد إلى نحو 9 ملايين مسكن في 2023، بما يعادل 13.8 % من إجمالي المساكن، وهو مستوى قياسي.
مكاسب رأسمالية
ويفسر ارتفاع أسعار العقارات جانباً من دوافع إبقاء بعض الوحدات خالية، إذ قد يرى المستثمر أن المكاسب الناتجة عن ارتفاع قيمة الأصل أكثر أهمية من الإيرادات التي يمكن الحصول عليها من التأجير.
وتقدم سنغافورة مثالاً واضحاً، بعدما ارتفع مؤشر أسعار العقارات السكنية الخاصة بنحو 38 % بين نهاية 2020 ونهاية 2025. وبالنسبة إلى عقار تبلغ قيمته مليوني دولار، تعني زيادة بهذه النسبة مكسباً نظرياً يقارب 760 ألف دولار خلال خمس سنوات، قبل احتساب تكاليف التمويل والصيانة والضرائب.
ولا يعني ذلك أن ارتفاع الأسعار يبرر وحده ترك العقار فارغاً، لكنه يوضح لماذا ينظر بعض المستثمرين إلى العقارات باعتبارها وسيلة لحفظ الثروة وتحقيق مكاسب رأسمالية طويلة الأجل، وليس مصدراً للإيجارات فقط.
وتحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن الشغور طويل الأجل يقلل الوحدات المتاحة للبيع أو الإيجار، ويمكن بالتالي أن يزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً في المدن التي تعاني بالفعل نقص المعروض وارتفاع الطلب.
تكلفة التأجير
وفي المقابل، قد يكون ترك العقار خالياً مكلفاً أيضاً. ويقدر مجلس جنوب أوكسفوردشاير أن بقاء مسكن من غرفتين دون استخدام لمدة عام قد يكلف مالكه نحو 18.9 ألف جنيه إسترليني بين الإيرادات الإيجارية المفقودة والضرائب والمرافق والتأمين والإصلاحات.
لكن بعض الملاك يوازنون هذه الخسائر مع المخاطر المرتبطة بالتأجير، مثل تكاليف إدارة المستأجرين وإجراءات الإخلاء والقيود على رفع الإيجارات.
وفي كاليفورنيا، يحد قانون حماية المستأجرين من الزيادة السنوية للإيجارات لمعظم الوحدات المشمولة إلى 10 % إجمالاً، أو 5 % مضافاً إليها التغير في تكلفة المعيشة. وقد يرى بعض الملاك أن هذه القيود تقلل مرونتهم في تعديل الأسعار مستقبلاً.
كما قد تفضل بعض المؤسسات العقارية إبقاء وحدات شاغرة أو منح المستأجر شهراً مجانياً بدلاً من خفض القيمة الأساسية للإيجار، خشية أن يؤدي تسجيل إيجار أقل إلى التأثير في تقييم العقار أو إيراداته المستقبلية.
ضرائب الشغور
ودفعت الظاهرة عدداً من المدن إلى استخدام الضرائب لإعادة المساكن الخالية إلى السوق، وتعد فانكوفر الكندية من أبرز التجارب في هذا المجال، بعدما فرضت ضريبة على المنازل الشاغرة وألزمت الملاك بالإفصاح سنوياً عن حالة عقاراتهم.
وأظهرت نتائج التجربة انخفاض عدد العقارات الشاغرة بنسبة 58 % بين عامي 2017 و2023، فيما خصصت المدينة نحو 169.8 مليون دولار كندي لمبادرات الإسكان الميسور منذ تطبيق الضريبة.
ومع ذلك، تحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن نجاح هذه السياسات يتطلب بيانات دقيقة وأنظمة فعالة للرصد والتنفيذ، فضلاً عن تحمل تكاليف إدارية قد تكون مرتفعة.
العقار بين الاستثمار ووظيفة السكن
تكشف أزمة المساكن الشاغرة أن بناء المزيد من الوحدات ليس الحل الوحيد لمشكلة ارتفاع تكاليف السكن، إذ يصبح من الضروري أيضاً معرفة سبب خروج جزء من المخزون القائم فعلياً من سوق الإيجار والبيع.
فخلف كل منزل فارغ قد تكون هناك أسباب مختلفة؛ من انتظار الورثة أو أعمال التجديد إلى صعوبات التأجير أو الاستثمار طويل الأجل. لكن المفارقة تصبح أكثر حدة عندما تتحول آلاف الوحدات في المدن مرتفعة الإيجارات إلى مخازن للثروة بدلاً من مساكن.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام الحكومات: تحقيق التوازن بين حق الملكية وجاذبية الاستثمار العقاري من جهة، والحاجة إلى زيادة المساكن المتاحة للسكان من جهة أخرى، بحيث لا يصبح ارتفاع قيمة العقار نفسه سبباً في ابتعاده عن وظيفته الأساسية باعتباره مكاناً للعيش.