426 مليار دولار تدفع الصناعة الخليجية
بلغت الاستثمارات الصناعية في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 426 مليار دولار، موزعة على قاعدة إنتاجية تضم قرابة 22 ألف مصنع، يعمل بها أكثر من 1.7 مليون شخص، وفق أحدث البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي الخليجي، في مؤشر إلى حجم القطاع ودوره في دعم اقتصادات المنطقة وتوسيع مصادر الدخل والإنتاج.
وكشفت البيانات المتاحة حتى يوليو 2026 عن حضور واسع للصناعة في النشاط الاقتصادي الخليجي، سواء من حيث الأموال المستثمرة والمصانع القائمة، أو فرص العمل وحركة التجارة الخارجية، فيما بلغت مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس نحو 13 % بنهاية عام 2025.
وتوضح الأرقام أن الصناعة باتت إحدى القواعد التي تستند إليها جهود التنويع الاقتصادي، مع امتداد أنشطتها من معالجة الموارد الطبيعية وتصنيع مشتقاتها، إلى إنتاج المعادن والمواد الوسيطة والسلع التي تدخل في أنشطة اقتصادية متعددة. كما تبرز البيانات ارتباط القطاع بالأسواق الخارجية، من خلال تصدير المنتجات الصناعية واستيراد المعدات والمكائن ومستلزمات الإنتاج.
22 ألف مصنع
وتضم المنظومة الصناعية الخليجية قرابة 22 ألف مصنع، تشكل قاعدة لإنتاج طيف واسع من السلع والمواد، وتمنح القطاع حضوراً في السوق المحلية وحركة التبادل التجاري مع الخارج.
ولا يقتصر أثر هذه القاعدة على المنتجات النهائية التي تطرحها المصانع، إذ تشمل أنشطتها أيضاً المواد التي تحتاج إليها منشآت أخرى لاستكمال عمليات التصنيع. فالحديد والألمنيوم واللدائن، على سبيل المثال، تدخل في استخدامات إنتاجية متعددة، وهو ما يجعل العلاقة بين المصانع جزءاً مهماً من نشاط القطاع.
ويتيح هذا التنوع النظر إلى الصناعة الخليجية باعتبارها مجموعة من الأنشطة المترابطة، تبدأ في بعض الحالات من الموارد الأولية، ثم تمر بعمليات المعالجة والتحويل، وصولاً إلى منتجات قابلة للاستخدام أو التصدير. وتزداد أهمية هذه الروابط كلما اتسع الاعتماد على الإنتاج المحلي في تلبية احتياجات الأنشطة الصناعية الأخرى.
426 مليار دولار
وبحسب المركز الإحصائي الخليجي، يصل إجمالي الاستثمارات الصناعية إلى نحو 426 مليار دولار، بما يعكس حجم الأموال الموظفة في القطاع على مستوى دول المجلس.
وتكتسب هذه الاستثمارات أهميتها من ارتباطها بأصول إنتاجية ومشروعات صناعية، تتولى تحويل المواد والخامات إلى منتجات ذات استخدامات مختلفة، وتدعم النشاط الاقتصادي عبر التشغيل والإنتاج والتجارة.
وتوفر قيمة الاستثمارات، عند قراءتها إلى جانب أعداد المصانع والعاملين، صورة أشمل عن وزن القطاع. فحجم الأموال وحده لا يوضح كامل أثر الصناعة، كما أن عدد المنشآت لا يكفي لتحديد قدراتها؛ بينما يساعد الجمع بين هذه المؤشرات على فهم اتساع القاعدة الصناعية وحضورها في اقتصادات المنطقة.
وتعبر القيمة المعلنة عن إجمالي الاستثمارات الصناعية الواردة في البيانات، ومن ثم فإنها توضح حجم القطاع، من دون أن تعني أن المبلغ بكامله يمثل استثمارات جديدة ضُخت خلال عام واحد.
1.7 مليون عامل
وعلى صعيد التشغيل، أظهرت المؤشرات توظيف أكثر من 1.7 مليون عامل في القطاع الصناعي الخليجي، ما يبرز دوره في توفير فرص العمل إلى جانب مساهمته في الإنتاج والصادرات.
ويضيف هذا الرقم بُعداً آخر إلى أهمية الصناعة في برامج التنمية، إذ ترتبط الأنشطة الإنتاجية باحتياجات تشغيلية وفنية وإدارية متنوعة، تختلف باختلاف طبيعة المصنع والمنتجات والتقنيات المستخدمة فيه.
وتعني استدامة النشاط الصناعي استمرار الحاجة إلى المهارات المرتبطة بالإنتاج والصيانة والجودة وإدارة العمليات. ولذلك، فإن قراءة بيانات العمالة تظل جزءاً أساسياً من تقييم أثر القطاع، خصوصاً عند ربطها بحجم القاعدة الإنتاجية والاستثمارات القائمة.
ولا تتضمن الأرقام الواردة تفصيلاً لتوزيع العاملين بحسب الدول أو الأنشطة أو الجنسيات، لكنها تظهر الحجم الإجمالي للتوظيف داخل القطاع على مستوى مجلس التعاون.
13 % من الناتج
وسجلت مساهمـة الصناعــات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس نحو 13 % بنهاية عام 2025، بما يؤكد وزنها ضمن مكونات الاقتصادات الخليجية.
وتشمل أهمية هذه الأنشطة تحويل المواد إلى منتجات أعلى تصنيعاً، بدلاً من الاقتصار على تداولها في صورتها الأولية. وهو ما يمنح الصناعة دوراً في زيادة الاستفادة الاقتصادية من الموارد المتاحة، وتوسيع الأنشطة المرتبطة بها.
وتأتي هذه المساهمة في وقت تتجه فيه دول المنطقة إلى تنويع قواعدها الاقتصادية، عبر تعزيز قطاعات قادرة على الإنتاج والتشغيل والتصدير. وتوفر الصناعات التحويلية أحد المسارات لتحقيق ذلك، بما تمتلكه من روابط مع التجارة والنقل والخدمات والأنشطة الإنتاجية الأخرى.
ومع ذلك، فإن تنوع النشاط الصناعي لا يعني انفصاله بالكامل عن الطاقة؛ إذ تظهر تركيبة الاستثمارات والصادرات استمرار الحضور البارز للمنتجات النفطية والغازية، إلى جانب المعادن والسلع المصنعة.
أظهرت خريطة الاستثمارات استحواذ مجموعة تضم صناعات اللدائن والمنتجات النفطية المكررة والألمنيوم والوقود الغازي والحديد والصلب على نحو 40 % من إجمالي الاستثمارات الصناعية الخليجية.
ويكشف هذا التوزيع عن الوزن الكبير للصناعات الأساسية، التي توفر منتجات تستخدم بصورة مباشرة أو تدخل في مراحل تصنيع لاحقة. كما يوضح أن جزءاً مهماً من الاستثمارات يرتبط بقطاعات تستفيد من الموارد والإمكانات الإنتاجية المتاحة في المنطقة.
ولا تعني هذه النسبة اقتصار الصناعة الخليجية على الأنشطة الخمسة، لكنها تحدد موضع تركز رئيسي لرؤوس الأموال داخل القطاع، في مقابل توزع بقية الاستثمارات على أنشطة صناعية أخرى.
وتبرز أهمية هذا التوزيع عند تقييم مسار التنويع، إذ يتصل الأمر بتوسيع نطاق المنتجات ومراحل التصنيع، إلى جانب زيادة حجم الاستثمارات. فكل مرحلة إنتاج إضافية يمكن أن تفتح مجالاً لاستخدام المواد الصناعية في منتجات أخرى، بدلاً من توقف النشاط عند حدود إنتاج المادة الأساسية.
الصناعات الأساسية
وتؤدي القطاعات الصناعية الرئيسية دوراً يتجاوز إنتاج سلع منفردة، إذ توفر مدخلات تحتاج إليها أنشطة أخرى، ما يجعلها جزءاً من سلاسل مترابطة للإنتاج.
فاللدائن والمعادن والمنتجات المكررة تستخدم في مجالات متعددة، وتتوزع أهميتها بين الاستهلاك المباشر والاستخدام الصناعي. ويسهم توافر هذه المواد في دعم الروابط بين المنتجين والمصانع التي تعتمد عليها في عملياتها.
ومن هنا، تبرز أهمية التكامل الصناعي بين دول المجلس، بوصفه مجالاً للاستفادة من تنوع المنتجات والقدرات القائمة. فوجود صناعات أساسية واسعة يمكن أن يدعم تطوير أنشطة لاحقة تعتمد على مخرجاتها، بما يوسع نطاق التصنيع داخل المنطقة.
ويظل تعميق هذه الروابط مرتبطاً بقدرة المنشآت على تلبية المتطلبات الفنية والتشغيلية للمشترين، إلى جانب انتظام الإمدادات وتنافسية المنتجات.
وفي التجارة الخارجية، أظهرت البيانات أن المنتجات الصناعية تمثل نحو 69 % من إجمالي الصادرات الخليجية المتجهة إلى الأسواق العالمية، ما يبرز ثقلها في حركة التصدير.
وتشمل قائمة المنتجات الغازات النفطية والهيدروكربونات والزيوت البترولية، إلى جانب السيارات والمركبات العضوية والألمنيوم والسفن والقوارب والآلات والمعدات الكهربائية.
ويعكس هذا التوزيع اتساع قائمة السلع التي تتعامل بها دول المجلس مع الأسواق الخارجية، مع استمرار أهمية الطاقة ومشتقاتها ضمن هيكل التجارة، بالتوازي مع وجود منتجات معدنية وسلع مصنعة ومعدات.
ومن المهم عند قراءة هذه النسبة مراعاة أن قائمة المنتجات الصناعية الواردة تشمل منتجات نفطية وغازية؛ وبالتالي فإن حصة الصناعة من الصادرات لا تمثل، بذاتها، نسبة للصادرات غير النفطية. وهذا التفريق يساعد على فهم أدق لطبيعة الصادرات وموقع الأنشطة الصناعية ضمنها.
منتجات متنوعة
وتظهر قائمة الصادرات وجود أكثر من مسار للنشاط الصناعي والتجاري الخليجي؛ فبعض المنتجات يرتبط بالطاقة ومعالجتها، وبعضها الآخر بالمعادن والكيماويات والمعدات ووسائل النقل.
ويمنح هذا التنوع صورة أوسع عن علاقة القطاع بالطلب الخارجي، إذ تختلف الأسواق والاستخدامات النهائية بحسب نوع السلعة، كما تختلف طبيعة المنافسة ومتطلبات الجودة والتوريد.
وتؤكد البيانات حضور المنتجات الصناعية في التجارة العالمية، لكنها لا تتضمن في النص المتاح تفصيلاً لحصة كل سلعة أو توزيعها بين دول المجلس. لذلك، فإن دلالتها الرئيسية تتمثل في تنوع قائمة الصادرات وثقل المنتجات الصناعية في مجموعها، من دون ترتيب تفصيلي للأنشطة بحسب قيم صادراتها.