أزمة الزنك تشتد عالميا.. والمصاهر الصينية في قلب العاصفة
تكمن أزمة عنصر الزنك عالمياً، التي أدت إلى عجز في الأسواق وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، في النقص الحاد في معروض الخام «مركزات الزنك» المورد للمصاهر، مقابل زيادة الطلب الصناعي والبيئي.
أزمة الزنك عالمياً
يشهد سوق الزنك العالمي أزمة نقص حادة في المعروض وعجزاً هيكلياً مفاجئاً، مما دفع أسعار المعدن إلى الارتفاع، لتسجل أعلى مستوياتها في أكثر من 4 سنوات، وتقترب من حاجز 4000 دولار للطن.
ويأتي هذا التحول بعد توقعات سابقة كانت تشير إلى وجود فائض في الإنتاج، قبل أن تتحول الأسواق إلى عجز تجاري وندرة واضحة في المخزونات العالمية.
وتعود هذه الأزمة إلى تضافر عدة أسباب رئيسية:
1 - تراجع الإنتاج واضطرابات المناجم الكبرى
انخفاض جودة الخام:
تعاني مناجم عالمية كبرى، مثل منجم Antamina في بيرو ومنجم Red Dog في ألاسكا، من تراجع طبيعي في جودة ونسب تركيز عروق الزنك المستخرجة، مما قلص الإنتاج الإجمالي.
الإغلاقات والصيانة:
واجهت عدة مناجم ومصاهر حول العالم إغلاقات مؤقتة أو أعمال صيانة طويلة، من بينها بعض المصاهر في أوروبا وكوريا الجنوبية، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والحوادث التشغيلية.
كما واجهت العديد من المناجم الرئيسية المنتجة للزنك تحديات تشغيلية أدت إلى توقف الإنتاج أو تراجعه.
● منجم إيريش في أيرلندا: وهو أكبر منجم للزنك في أوروبا، حيث تم تعليق العمل فيه ووضعه قيد الصيانة بسبب الخسائر التشغيلية وارتفاع التكاليف.
● إغلاقات مؤقتة وحوادث: تعرضت مناجم كبرى أخرى في أستراليا لاضطرابات ناتجة عن التغيرات المناخية أو أعمال الصيانة غير المخطط لها أو تراجع جودة الخام المستخرج.
2 - تراجع إنتاج المصاهر الصينية والأوروبية
تمتلك الصين أكثر من 50 % من قدرات تكرير الزنك عالمياً، وقد تراجع إنتاجها نتيجة انخفاض «رسوم المعالجة» إلى مستويات سالبة أو قريبة من الصفر، مما دفع المصاهر إلى خفض طاقتها الإنتاجية لعدم جدواها الاقتصادية.
وفي أوروبا، تسببت أزمات الطاقة المتكررة في جعل تشغيل مصاهر المعادن مكلفاً للغاية، مما حد من إنتاج الزنك المكرر.
ولا تقتصر المشكلة على استخراج الزنك فحسب، بل تمتد إلى معالجته.
ارتفاع أسعار الطاقة:
تتطلب مصاهر الزنك كميات هائلة من الكهرباء. وأجبرت أزمات الطاقة المتكررة في أوروبا وبعض مناطق آسيا العديد من المصاهر على خفض إنتاجها أو إغلاق أبوابها تماماً لعدم جدواها الاقتصادية.
شح المركزات:
أدى تراجع إنتاج المناجم إلى نقص «مركزات الزنك» الموردة للمصاهر، مما جعل المصاهر تتنافس على المواد الخام المتاحة، ودفع رسوم المعالجة إلى مستويات منخفضة جداً حدت من ربحيتها.
أسباب تراجع إنتاج المصاهر في الصين
نقص إمدادات الخامات والتوترات:
تعتمد المصاهر الصينية، التي تنتج أكثر من نصف الزنك المكرر في العالم، بشكل كبير على استيراد خامات المركزات من دول مثل إيران وروسيا. وقد أدت التوترات الجيوسياسية والعقوبات وصعوبات الشحن البحري عبر مضيق هرمز إلى تعطل هذه الشحنات.
انخفاض رسوم المعالجة:
تسببت الندرة العالمية في خامات المناجم في انخفاض حاد برسوم المعالجة لتصل إلى مستويات سلبية، مما حول عمليات الصهر من الربحية إلى تكبد خسائر مالية، دفعت المصاهر إلى خفض الإنتاج.
أعمال الصيانة والقيود البيئية:
ساهمت عمليات الصيانة الدورية للمصاهر والقيود المرتبطة بالانبعاثات الكربونية، في بعض الفترات، في حدوث انكماش إضافي في حجم الإنتاج الصيني.
3 - قفزة في الطلب العالمي «التحول الأخضر»
هناك طلب متزايد وضخم على الزنك لاستخدامه في جلفنة الفولاذ لحمايته من الصدأ، وهو عنصر أساسي في صناعة ألواح الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح وصناعة بطاريات الزنك والأيون الحديثة.
وتشهد دول كبرى، مثل الهند والولايات المتحدة، توسعاً هائلاً في مشاريع البنية التحتية والسيارات الكهربائية، مما يستهلك كميات ضخمة من المعدن.
وتتمثل أزمة عنصر الزنك عالمياً في تسجيل أسعاره مستويات قياسية هي الأعلى منذ 4 سنوات، مقتربة من 4000 دولار للطن في بورصة لندن للمعادن. وتعود هذه الأزمة إلى فجوة هيكلية حادة وعجز مستمر بين قفزة الطلب الناجمة عن التحول الأخضر وتراجع إمدادات المناجم والمصاهر.
قفزة الطلب بفعل التحول
الأخضر والبنية التحتية
● الطاقة الشمسية وطاقة الرياح: يُعد الزنك عنصراً حيوياً لحماية البنية التحتية الخضراء، حيث يُستخدم بشكل أساسي في جلفنة الفولاذ لحماية الألواح الشمسية وتوربينات الرياح من الصدأ والتآكل. ويُقدر الاتحاد الدولي للزنك (IZA) أن مشاريع الطاقة المتجددة ستضيف مئات الآلاف من الأطنان سنوياً إلى الطلب العالمي بحلول عام 2030.
● البطاريات والسيارات الكهربائية: زاد استخدام الزنك في تقنيات تخزين الطاقة الناشئة، مثل بطاريات الزنك والأيون، وصناعة السيارات الكهربائية.
● طفرة البنية التحتية في الهند والصين: تقود الهند، عبر استثمارات السكك الحديدية والطرق الساحلية، إلى جانب حزم التحفيز الاقتصادي في الصين، طلباً هائلاً على الفولاذ المجلفن، مما يستهلك كميات ضخمة من المعروض المتاح.
4 - تراجع المخزونات العالمية والسياسات التجارية
انخفضت المخزونات المتاحة في بورصة لندن للمعادن (LME) والأسواق الغربية إلى مستويات منخفضة تاريخياً.
وشهدت مستودعات بورصة لندن للمعادن سحوبات ضخمة ومستمرة للمعدن المكرر، مما أدى إلى انخفاض المخزونات المتوافرة خارج الصين إلى أدنى مستوياتها منذ عدة سنوات. وخلق هذا الشح المادي المباشر فجوة سريعة بين العرض الفوري والطلب المتزايد.
وأدت التوترات في منطقة الشرق الأوسط إلى تعطل شحنات مركزات الزنك، الخام شبه المصنع، المتجهة من موانئ رئيسية مثل ميناء بندر عباس الإيراني إلى المصاهر الصينية الكبرى، مما حرم السوق من رافد أساسي للإمدادات.
كما تسببت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا في تباطؤ تشغيل وتوسيع منشآت كبرى، مثل منجم «أوزيرنوي» الروسي، نتيجة نقص قطع الغيار المعدة للصيانة والتشغيل.
السياسات التجارية والتحقيقات الحمائية
التحقيق الأميركي بموجب المادة 232:
فتحت الولايات المتحدة تحقيقاً بشأن الواردات من المعادن الاستراتيجية، ومنها الزنك. وأثار هذا التحقيق مخاوف من احتمال فرض رسوم جمركية مشددة، مما دفع العديد من التجار إلى إعادة توجيه تدفقات التجارة العالمية واحتجاز كميات كبيرة داخل الأسواق الأميركية للاستفادة من علاوات الأسعار المحلية وحرمان البورصات العالمية منها.
تغير هوامش المعالجة (TCs):
شهدت المصاهر الصينية، التي تنتج أكثر من نصف الزنك المكرر عالمياً، فترات من الانخفاض الحاد في رسوم معالجة الخامات وتدني أرباحها، مما دفع العديد منها إلى خفض معدلات التشغيل أو إجراء أعمال صيانة مطولة خفضت الإنتاج الإجمالي.