أكبر احتياطي أمريكي يعزز أمن الصناعات الدفاعية والتكنولوجية مستقبلاً
دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة في سباق تأمين المعادن الحرجة بعدما أعلنت شركة تعدين عن اكتشاف أكبر رواسب معروفة لمعدن التنجستن داخل البلاد، في مشروع تقدر قيمته بنحو 152 مليار دولار، وهو تطور يعزز الطموحات الأمريكية لتقليص الاعتماد على الصين في واحدة من أكثر المواد الخام أهمية للصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
ويأتي الإعلان في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على المعادن الإستراتيجية، التي أصبحت تمثل حجر الأساس في الصناعات العسكرية، والفضائية، والإلكترونية، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي. كما يعكس الاكتشاف تحولاً متزايداً في السياسات الصناعية الأمريكية نحو تعزيز الإنتاج المحلي للمواد الخام الحيوية، بعد سنوات طويلة من الاعتماد على الواردات.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره فرصة لإعادة بناء قاعدة تعدين وطنية لمعدن غاب إنتاجه عن الولايات المتحدة لأكثر من عقد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من هشاشة سلاسل الإمداد العالمية تحت تأثير التوترات الجيوسياسية.
معدن إستراتيجي
يحتل التنجستن مكانة استثنائية بين المعادن الصناعية بفضل خصائصه الفيزيائية الفريدة، إذ يعد من أكثر المعادن صلابة، ويتمتع بدرجة انصهار مرتفعة للغاية، ما يجعله مادة لا غنى عنها في التطبيقات التي تتطلب مقاومة عالية للحرارة والضغط.
وتستخدمه الصناعات الدفاعية في إنتاج الذخائر الخارقة للدروع، والصواريخ، والمحركات النفاثة، كما يدخل في تصنيع الأقمار الاصطناعية، وأنظمة الطيران، والإلكترونيات الدقيقة، إضافة إلى المعدات الصناعية وأدوات القطع والحفر.
ومع توسع الإنفاق العسكري العالمي، وتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، ارتفع الطلب على التنجستن بصورة ملحوظة، ليصبح أحد أكثر المعادن حساسية بالنسبة إلى الأمن الاقتصادي والصناعي للدول الكبرى.
قبضة بكين
يأتي الإعلان الأمريكي في وقت تواصل فيه الصين إحكام سيطرتها على سوق التنجستن العالمية، إذ تستحوذ على نحو 80 % من الإنتاج والإمدادات، وهو ما يمنحها نفوذاً واسعاً في واحدة من أهم سلاسل التوريد الصناعية.
وخلال الأشهر الماضية فرضت بكين قيوداً على صادرات المعدن، الأمر الذي أدى إلى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بالتزامن مع تزايد الطلب من قطاعات الدفاع والإلكترونيات والفضاء.
وأصبح هذا الاعتماد الكبير على الإنتاج الصيني مصدر قلق متزايد لدى الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى، التي تسعى إلى تنويع مصادر التوريد وتقليل المخاطر المرتبطة بأي اضطرابات جيوسياسية أو تجارية.
كما يعكس الاكتشاف الأمريكي اتجاهاً أوسع نحو إعادة توزيع إنتاج المعادن الحرجة عالمياً، في ظل سعي العديد من الدول إلى بناء سلاسل إمداد أكثر استقلالية.
خلاف تنظيمي
ورغم أهمية الاكتشاف، فإن المشروع يواجه تحدياً تنظيمياً قد يؤخر تطويره، يتمثل في اعتراض وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» على السماح بالتعدين في جزء من منطقة الامتياز.
وتؤكد الوكالة أن جزءاً من الموقع يستخدم منذ سنوات لاختبار ومعايرة أجهزة الأقمار الاصطناعية، مستفيدة من الخصائص الطبيعية الفريدة للمنطقة الصحراوية التي توفر بيئة مثالية لتحليل الإشارات الفضائية.
وبناء على ذلك، فرضت السلطات الفيدرالية حظراً يمتد لعشرين عاماً على عمليات التعدين والاستكشاف داخل مساحة تبلغ نحو 17 ميلاً مربعاً.
في المقابل، ترى الشركة المطورة أن القرار استند إلى بيانات غير مكتملة، وتطالب بإعادة تقييمه في ضوء الأهمية الإستراتيجية للاحتياطي المكتشف، معتبرة أن المشروع يمثل مصلحة وطنية تتجاوز الاعتبارات المحلية.
طفرة الأسعار
ساهمت القيود على الإمدادات العالمية في دفع أسعار التنجستن إلى مستويات قياسية، إذ ارتفعت بنحو 600 % منذ فبراير 2025، نتيجة تراجع المعروض وازدياد الطلب من الصناعات العسكرية والتكنولوجية.
وأعادت هذه القفزة تقييم الجدوى الاقتصادية للعديد من مشروعات التعدين التي كانت غير مربحة في السابق، لتصبح أكثر جاذبية للمستثمرين مع استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة.
كما كشفت أعمال الاستكشاف في مشروع نيفادا عن وجود رواسب كبيرة من الليثيوم والبورون والبوتاس، وهي معادن تدخل في إنتاج البطاريات والأسمدة وعدد كبير من الصناعات الإستراتيجية، ما يرفع القيمة الاقتصادية للمشروع ويمنحه أهمية تتجاوز التنجستن وحده.
ويرى خبراء أن تنوع الموارد المعدنية داخل الموقع قد يساعد في تحسين العائد الاقتصادي وتقليل المخاطر الاستثمارية المرتبطة بتقلب أسعار معدن واحد.
رهان واشنطن
يحظى المشروع بدعم واضح من إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي جعلت تأمين المعادن الحرجة جزءاً أساسياً من إستراتيجيتها الصناعية، بهدف تقليص الاعتماد على الصين وتعزيز أمن سلاسل التوريد.
وأدرجت الحكومة المشروع ضمن برنامج FAST-41 المخصص لتسريع إجراءات الترخيص للمشروعات الإستراتيجية، بالتوازي مع دعم عدد من مشاريع التعدين داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ومع ذلك، يؤكد محللون أن الطريق نحو الإنتاج التجاري لن يكون قصيراً، إذ يحتاج المشروع إلى استكمال الدراسات الفنية، والحصول على الموافقات البيئية والتنظيمية، وتأمين التمويل اللازم، إلى جانب إنشاء البنية التحتية الخاصة بالاستخراج والمعالجة.
كما أن نجاح المشروع سيظل مرتبطاً بقدرته على تحقيق جدوى اقتصادية مستدامة في ظل تقلبات الأسعار العالمية والتطور المستمر في تقنيات التعدين والتصنيع.
الاكتشاف يمنح واشنطن فرصة لا ضماناً فورياً
يمثل اكتشاف أكبر رواسب للتنجستن في الولايات المتحدة تحولاً مهماً في سباق المعادن الحرجة، ويمنح واشنطن فرصة حقيقية لتقوية أمنها الصناعي والدفاعي وتقليص اعتمادها على الصين. إلا أن تحويل هذا المورد الضخم إلى إنتاج تجاري سيحتاج سنوات من العمل والاستثمارات والموافقات التنظيمية، ما يعني أن الهيمنة الصينية على سوق التنجستن لن تتغير سريعاً، لكن ملامح منافسة جديدة بدأت تتشكل في واحدة من أكثر السلع الإستراتيجية أهمية للاقتصاد العالمي.