إصلاح سوق رأس المال يعيد توزيع المخاطر
وفقاً للتحليل البحثي، فإن تحسين بيئة تشغيل المؤسسات الخاصة سيكون له أثر مباشر في استقرار الصين وتطورها على المستويات السياسية والاقتصادية والمالية والمجتمعية، باعتبار القطاع الخاص المصدر الرئيسي للتوظيف. ولذلك، لم تعد السياسات الرامية إلى دعم نمو المؤسسات الخاصة قادرة على الاكتفاء بالسعي إلى تحقيق المساواة في الحقوق، بل باتت مطالبة بحزمة إصلاحات متكاملة تشمل الإيرادات والتمويل والرقابة والإطار القانوني.
وتحتاج هذه السياسات إلى تحديد واضح لاستراتيجية التطوير وآليات تنفيذها، بما يسمح للصين بالانتقال بصورة أعمق إلى اقتصاد سوق تقوده المؤسسات الخاصة. ويبدو مسار الإصلاح أكثر وضوحاً في جانب الإيرادات، من خلال تبسيط النظام الضريبي وتوحيده، إلى جانب معالجة الجوانب المؤسسية التي تحد من قدرة القطاع الخاص على النمو.
وفي هذا السياق، وفرت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الأوثق بين البر الرئيسي وهونغ كونغ (CEPA) فرصة مهمة، إلا أن الانطباع السائد عنها كان أنها تستهدف مساعدة هونغ كونغ على التعامل مع مشكلاتها قصيرة الأجل المرتبطة بالدورة الاقتصادية. غير أن القيمة الحقيقية لهونغ كونغ بالنسبة إلى البر الرئيسي تكمن في البيئة المؤسسية المتقدمة التي توفرها للمؤسسات الخاصة، ولا سيما في مجالات التمويل والرقابة والقوانين.
ولم تستفد الصين حتى ذلك الوقت من هذه البيئة بالقدر الكافي، إذ لم تُجمع عناصرها أو تُقارن وتُحلل بصورة منهجية تمهيداً للاستفادة منها في عملية الإصلاح. واقتصرت مساهمات هونغ كونغ في الإصلاح الاقتصادي الصيني بدرجة كبيرة على الاستثمار ونقل أساليب التشغيل ذات الطابع الدولي إلى الصين.
ومع تطور الاقتصاد، لم تعد المشكلات التي تواجه المؤسسات الخاصة، بما فيها ما يوصف بـ«الخطيئة الأصلية» للمؤسسات الخاصة، إلى جانب أوجه القصور في الأنظمة المالية والقانونية، مجرد قضايا تخص الشركات بصورة منفردة، بل أصبحت قضايا ذات أبعاد مجتمعية أوسع تتطلب معالجة على مستوى البيئة الاقتصادية والمؤسسية ككل.
انفتاح القطاع المالي
مع التزام الصين بفتح اقتصادها في إطار الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، كان من المتوقع أن يتواصل انفتاح القطاع المالي. ورغم أن الحكومة الصينية تمكنت من إدارة المخاطر النظامية في القطاع المصرفي بدرجة جيدة، فإن دخول أربعة مصارف حكومية رئيسية إلى الأسواق الخارجية، أو استعدادها لذلك تباعاً، أثار نقاشاً واسعاً في الداخل، وسط مخاوف من أن يؤدي الانفتاح إلى زيادة المخاطر على النظام المالي المحلي.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الصناعة المصرفية وحدها العنصر الأكثر إثارة للقلق في عملية الانفتاح المالي المرتبطة بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. فالمشكلة لا تتعلق بالعمل المصرفي بمعناه الضيق، وإنما ينبغي النظر إليها ضمن إطار أوسع لإدارة المخاطر على المستوى الوطني.
فعندما تدخل مؤسسة إلى السوق وتصدر سندات، تتوزع المخاطر المرتبطة بها بين أسواق الأسهم والسندات، ما يخفف بدرجة كبيرة من تركّز المخاطر داخل المصارف. وفي حال تعرضت المؤسسة لمشكلات، يظهر الأثر أولاً في صورة انخفاض حاد في سعر أسهمها، قبل أن تنتقل الخسائر إلى حاملي السندات، ثم تصل المخاطر في مرحلة لاحقة إلى القطاع المصرفي.
كما تتمتع المصارف بأولوية الدائنين عند إفلاس المؤسسة وتصفيتها، وهو ما يوفر لها مستوى إضافياً من الحماية. ومن هذا المنظور، لا تكون المخاطر التي تواجه المصارف بالضرورة مرتفعة بالدرجة نفسها التي قد توحي بها عملية الانفتاح المالي.
سوق رأس المال تحت الاختبار
بسبب حداثة سوق رأس المال الصيني، لا تزال مؤسسات كثيرة خارج السوق ولم تصدر سندات، ما يجعل المصارف تؤدي عملياً دور أسواق الأسهم والسندات في الوقت نفسه. وهذا يفسر جانباً رئيسياً من ارتفاع المخاطر المرتبطة بالقطاع المصرفي الصيني، إذ يفتقر سوق رأس المال إلى العمق والتطور الكافيين لتوزيع المخاطر على قنوات متعددة.
وتكمن الخطورة في تركّز المخاطر الائتمانية للاقتصاد بأكمله داخل المصارف، بحيث تتحمل المؤسسات المصرفية العبء الأكبر بصورة منفردة. وحتى المصارف الأجنبية ذات الخبرة والأسواق المتقدمة لن تكون قادرة على استيعاب مثل هذا الحجم من المخاطر إذا تركز لديها بالكامل. وقد حققت الصين خلال أكثر من عقدين من الإصلاح والانفتاح تقدماً اقتصادياً واسعاً، إلا أن استمرار الانفتاح المالي دون تطوير فعلي لسوق رأس المال قد يفتح المجال أمام مشكلات كبيرة.
ولا تتمثل المشكلة الأساسية في سوق رأس المال الصيني في قدرة أسعار الأسهم المحلية، المعروفة بأسهم الفئة A، على الارتفاع، وإنما في الحاجة إلى تنفيذ حزمة متكاملة من الإصلاحات. ولذلك، ينبغي ألا ينصب اهتمام السياسات الحكومية على حركة الأسعار في السوق بقدر التركيز على تطوير آليات المنافسة وإدارة المخاطر الناجمة عن تقلبات الأسعار.
وتتجاوز آثار سوق رأس المال المستثمرين المباشرين، إذ ترتبط بمدخرات ودخول شريحة واسعة من السكان وأجيالهم المقبلة. وإذا لم يتطور السوق بصورة سليمة، فقد تنعكس آثاره سلباً على دخول شريحة واسعة من المجتمع، ولا يكون المساهمون بالضرورة الأكثر تضرراً، بل قد تمتد التداعيات إلى المزارعين والقطاعات الأقل استفادة من النشاط المالي.
وفي المقابل، يمكن لسوق رأس مال متطور أن يؤدي دوراً أكبر في خلق فرص العمل، وتجميع المدخرات وتوجيه رؤوس الأموال، بما يدعم في النهاية عملية التنمية الاقتصادية.
المنافسة تخفف المخاطر
في ظل العولمة المالية، يرتبط تطوير سوق رأس المال بدرجة أكبر بتوسيع نطاق المنافسة، باعتبارها إحدى الآليات التي تساعد على الحد من تركز المخاطر. ولذلك، تبرز الحاجة أولاً إلى إدخال آليات تنافسية على المستوى المحلي، بما يسمح بتوزيع المخاطر بدلاً من تركّزها في سوق واحدة.
وتتمتع الصين بمساحة جغرافية واسعة، إلا أن أسواق الأوراق المالية كانت متركزة في مناطق محددة، في حين غابت السوق المالية المنظمة عن مناطق أخرى في الغرب والشمال، وهو ما قد يزيد المخاطر النظامية المرتبطة بتركيز النشاط المالي. كما أن مبدأ «يمكننا فقط أن ننجح، لا يمكننا أن نفشل» أسهم في تراكم المخاطر داخل النظام بدلاً من توزيعها.
ومن منظور إدارة المخاطر، فإن وجود أكثر من سوق للأوراق المالية يمكن أن يوفر مساحة أكبر للمنافسة. فاختلاف الجهات التي تدير المؤسسات، وتباين مستويات الأداء بينها، يخلق حوافز تنافسية، كما يؤدي اختلاف أساليب إدارة المخاطر إلى توزيعها على نطاق أوسع بدلاً من تراكمها في نقطة واحدة.
ومن هنا، تحتاج السياسة الاقتصادية إلى النظر إلى النظام المالي باعتباره منظومة مترابطة، مع تعزيز قدرة القطاع بأكمله على مواجهة المخاطر النظامية، بدلاً من التركيز على مؤسسة أو سوق منفردة.
تطوير البورصة
ثانياً، يتطلب تطوير سوق رأس المال إدخال المنافسة الخارجية. فعلى الرغم من وجود منافسة بين أسواق رأس المال في شنغهاي وهونغ كونغ، فإنها لا تزال محدودة، وهو ما يثير إشكالية مهمة في هيكل السوق. فالمستثمرون الصينيون لا يستطيعون الوصول إلى أسهم أفضل الشركات الصينية المدرجة في الأسواق الخارجية، ويرى التحليل أن منع المؤسسات الصينية الأكثر كفاءة من دخول الأسواق الأجنبية يمثل شكلاً من أشكال التمييز، على غرار القيود المفروضة على المستثمرين الصينيين في شراء الأسهم الأجنبية.
وتتطلب معالجة هذا الوضع تصحيح القيود التاريخية المفروضة على المستثمرين والمؤسسات، من خلال استخدام إيصالات الإيداع الصينية (CDRs) وغيرها من الأدوات التي تتيح توسيع نطاق المشاركة في أسواق رأس المال. وإذا أتيح للمستثمرين الصينيين شراء أسهم المؤسسات المدرجة في الأسواق الخارجية، فستتحول البورصات الأجنبية إلى منافسين مباشرين لبورصة شنغهاي، بما يفرض على الأخيرة التعامل مع منافسة حقيقية تتجاوز حدود السوق المحلية.
ومن شأن هذا الضغط أن يدفع بورصة شنغهاي إلى إجراء تغييرات مؤسسية وتطوير قدرتها على المنافسة، بما يسهم في نهاية المطاف في خفض المخاطر داخل سوق رأس المال. وفي ظل هذه الظروف، يصبح الوصول إلى سوق رأس مال أكثر تطوراً وتوازناً أمراً أكثر قابلية للتحقق.
وعلى المدى الطويل، ومع النمو الاقتصادي السريع الذي كانت الصين تحققه بمعدل يقارب 9 %، والتطور الإيجابي للاقتصاد الحقيقي، إلى جانب المضي في إصلاح هيكل الأسهم، بدت آفاق سوق الأسهم الصينية إيجابية. ومع بدء تنفيذ هذا الإصلاح، كان من المتوقع أن تظهر آثاره تدريجياً، ولا تكمن أهميته في توزيع الأرباح فحسب، وإنما في إتاحة انتقال حقوق السيطرة إلى المؤسسات الإدارية الأكثر قدرة، بما يسمح لسوق رأس المال بأداء وظيفته الأساسية بصورة أكثر فاعلية.
مسار التحديث الاقتصادي
تتمثل المشكلة الأهم التي تواجه الصين في تلك المرحلة، وفق هذا الطرح، ليس في أسعار الفائدة أو أسعار الصرف أو غيرها من المتغيرات الاقتصادية الكلية، وإنما في استكمال عملية التحديث والانتقال التدريجي من اقتصاد ريفي محدود واقتصاد مخطط إلى اقتصاد حديث أكثر تنسيقاً وتكاملاً.
ويحتاج هذا الاقتصاد الحديث إلى هيكل مؤسسي وقواعد خاصة به، تشمل سوقاً لرأس المال، وسوقاً للسندات، وآليات لإدارة المخاطر وغيرها من المكونات الضرورية لعمل النظام المالي بكفاءة. ويشكل بناء هذه المنظومة إحدى القضايا الرئيسية في مسار التحول الاقتصادي الصيني.