الأسهم الأمريكية تتماسك رغم ضغوط الفائدة والأرباح
ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية في تعاملات الخميس، في محاولة لتعويض جانب من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها الأسواق خلال الجلسة السابقة، مدعومة بنتائج أعمال قوية لبعض شركات التكنولوجيا العملاقة، في وقت واصل فيه المستثمرون تقييم تداعيات قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إلى جانب متابعة التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط.
وتعيش الأسواق الأمريكية حالياً واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ أشهر، إذ تتداخل عدة عوامل مؤثرة في قرارات المستثمرين، تشمل نتائج أرباح الشركات، ومسار التضخم، وتوقعات أسعار الفائدة، وارتفاع عوائد السندات، فضلاً عن المخاطر الجيوسياسية التي عادت لتتصدر المشهد العالمي بعد تجدد المواجهات العسكرية في المنطقة.
ويرى محللون أن المستثمرين يحاولون الموازنة بين مؤشرات إيجابية تتمثل في استمرار قوة أرباح شركات التكنولوجيا، ومؤشرات أخرى تدعو للحذر، أبرزها ارتفاع تكلفة التمويل، واستمرار الضبابية بشأن توقيت أي خفض محتمل لأسعار الفائدة.
تعويض الخسائر
ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز الصناعي بنحو 140 نقطة، أي بنسبة 0.3 %، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.5 %، بينما قفزت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنسبة 1.1 %، مدفوعة بالأداء القوي لأسهم شركات التكنولوجيا.
وجاء هذا التحسن بعد جلسة وصفت بأنها من الأصعب خلال العام، إذ فقد مؤشر داو جونز أكثر من 1100 نقطة، مسجلاً أكبر خسارة يومية له منذ أبريل 2025، نتيجة موجة بيع واسعة أعقبت قرار الاحتياطي الفيدرالي وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
ويعتقد خبراء الأسواق أن ارتداد العقود الآجلة يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص الفرص بعد التراجعات الأخيرة، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء حالة التقلب، خاصة مع استمرار صدور بيانات اقتصادية مؤثرة خلال الأيام المقبلة.
رهان التكنولوجيا
واصلت شركات التكنولوجيا الكبرى لعب الدور الأبرز في تحريك الأسواق، حيث تصدر سهم مايكروسوفت قائمة الرابحين بعدما ارتفع بنسبة 8.3 % في تعاملات ما قبل افتتاح السوق، مستفيداً من نتائج مالية تجاوزت توقعات المحللين، مدعومة بالنمو المتواصل في أعمال الحوسبة السحابية Azure، إضافة إلى الطلب المتزايد على حلول الذكاء الاصطناعي. ويؤكد هذا الأداء استمرار مايكروسوفت في الاستفادة من الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت أحد أهم محركات نمو الشركة خلال الأرباع الأخيرة، وهو ما عزز ثقة المستثمرين في قدرتها على مواصلة تحقيق أرباح قوية.
في المقابل، تعرض سهم ميتا بلاتفورمز لضغوط حادة، متراجعاً بنحو 9 %، بعدما أصدرت الشركة توقعات للإيرادات جاءت دون توقعات السوق، إضافة إلى انخفاض التدفق النقدي الحر بنسبة 91% خلال الربع الثاني، نتيجة استمرار الإنفاق المكثف على مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي.
ويشير محللون إلى أن الأسواق باتت أكثر حساسية تجاه مستويات الإنفاق الرأسمالي، حتى بالنسبة للشركات العملاقة، إذ يطالب المستثمرون بتحقيق توازن بين الاستثمار في التقنيات المستقبلية والحفاظ على معدلات الربحية والتدفقات النقدية.
الرقائق تتراجع
في المقابل، واصل قطاع أشباه الموصلات تعرضه لضغوط ملحوظة، إذ انخفض سهم كوالكوم بنسبة 5.1 %، بينما تراجع سهم آرم بأكثر من 7 % في تعاملات ما قبل افتتاح السوق.
ويأتي هذا الأداء رغم استمرار الزخم الكبير المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إذ يرى المستثمرون أن بعض شركات الرقائق لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بتباطؤ الطلب في أسواق الهواتف الذكية والإلكترونيات الاستهلاكية، فضلاً عن ارتفاع تقييمات الأسهم بعد المكاسب الكبيرة التي حققتها خلال العامين الماضيين.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل من جاذبية الشركات التي تعتمد تقييماتها بصورة كبيرة على توقعات النمو المستقبلي، وهو ما يزيد من عمليات جني الأرباح في هذا القطاع.
موسم الأرباح
وتتواصل هذا الأسبوع واحدة من أكثر فترات إعلان النتائج المالية ازدحاماً في وول ستريت، حيث ينتظر المستثمرون تقارير عدد من أكبر الشركات المدرجة، لما تحمله من مؤشرات مهمة حول أداء الاقتصاد الأمريكي.
ومن المقرر أن تعلن بريستول-مايرز سكويب نتائجها قبل افتتاح السوق، فيما تتجه الأنظار بعد الإغلاق إلى نتائج أمازون وآبل وكوين بيس، التي تمثل قطاعات التجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا الاستهلاكية، والعملات الرقمية.
ويرى محللون أن نتائج هذه الشركات ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت أرباح الشركات الأمريكية قادرة على مواصلة النمو رغم استمرار ارتفاع تكاليف التمويل وتباطؤ النشاط الاقتصادي في بعض القطاعات.
كما ستوفر نتائج أمازون وآبل مؤشرات مهمة حول قوة الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي، الذي لا يزال يمثل المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة.
رسائل الفيدرالي
وفي الجانب النقدي، لا يزال المستثمرون يحللون نتائج اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي قرر الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع.
إلا أن التركيز انصب على تصريحات مسؤولي البنك المركزي، التي أظهرت استمرار الحذر تجاه التضخم، وعدم تقديم أي إشارات واضحة بشأن قرب خفض أسعار الفائدة.
وأدى ذلك إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل بصورة ملحوظة، حيث ارتفع العائد على السندات لأجـل 30 عاماً إلى أكثر مـن 5.2 %، وهو أعلى مستوى يسجله منذ عام 2007، بعد أن قفز بنحو تسع نقاط أساس خلال يوم واحد.
ويرى خبراء أن استمرار ارتفاع العوائد يمثل أحد أبرز التحديات أمام سوق الأسهم، لأنه يزيد من جاذبية الاستثمار في السندات، ويرفع في الوقت نفسه تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات والأفراد، ما قد يؤثر في معدلات الاستثمار والإنفاق خلال الفترة المقبلة.
الضبابية مستمرة رغم تحسن المعنويات المؤقت
رغم الارتفاع الذي سجلته العقود الآجلة، لا تزال الأسواق الأمريكية تواجه بيئة استثمارية معقدة تتداخل فيها نتائج الشركات، والسياسة النقدية، وبيانات الاقتصاد الكلي، إلى جانب التوترات الجيوسياسية العالمية. وفي الوقت الذي تمنح فيه أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى دعماً واضحاً للمؤشرات، فإن استمرار ارتفاع عوائد السندات وترقب بيانات التضخم والنمو سيبقيان العاملين الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأسهم الأمريكية خلال الأسابيع المقبلة، وسط توقعات باستمرار التقلبات حتى تتضح رؤية الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار أسعار الفائدة.