الأمن السيبراني ينمو 10 % سنويا حتى 2030
تحولت المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من نقاشات تدور حول تأثيره في الوظائف ومستقبل الصناعات إلى هاجس أمني يفتح سوقاً ضخمة أمام شركات الحماية الرقمية. وفيما يتداول قطاع التكنولوجيا مفهوم «احتمالية الهلاك» للتعبير عن مخاطر وصول الذكاء الاصطناعي إلى سيناريوهات شديدة الخطورة، تبدو الأسواق أكثر انشغالاً بالتهديدات الآنية التي تفرضها هذه التكنولوجيا على الشركات والمؤسسات، وما تعنيه من زيادة محتملة في الإنفاق على الأمن السيبراني خلال السنوات المقبلة.
طفرة الحماية
وتظهر انعكاسات هذا التحول بالفعل في أسواق الأسهم، إذ تضاعفت القيمة السوقية لشركات كبرى في الأمن السيبراني، مثل «باولو ألتو نيتووركس» و«كراود سترايك» و«فورتينت»، بأكثر من الضعف خلال الأشهر الستة الماضية، في مؤشر على تزايد رهانات المستثمرين على استفادة القطاع من موجة التهديدات الجديدة المصاحبة للانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي.
ولا تنبع هذه الرهانات من المخاوف النظرية وحدها، فالذكاء الاصطناعي أظهر قدرة متزايدة على اختراق بيئات الاختبار المعزولة والتسلل إلى أنظمة مؤسسات وجهات مختلفة، فيما يمنح في الوقت نفسه الجهات الخبيثة والمخترقين أدوات أكثر قوة لتنفيذ الهجمات. وتتسع قائمة المخاطر من إنشاء محتوى «التزييف العميق» القادر على تضليل بعض وسائل التحقق، إلى تصميم رسائل احتيال إلكتروني شديدة التخصيص يصعب تمييزها عن المراسلات الحقيقية.
وتزداد المخاطر مع توسع الشركات في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل ومنحهم إمكانية الوصول إلى البيانات والأنظمة المؤسسية، إذ قد يحاول المهاجمون التلاعب بهؤلاء الوكلاء أو استدراجهم إلى الكشف عن معلومات حساسة، ما يضيف جبهة دفاعية جديدة أمام فرق الأمن السيبراني.
إنفاق متصاعد
وأمام هذه التهديدات، تتجه الشركات إلى تخصيص حصة أكبر من ميزانياتها للحماية الرقمية. وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة «تي دي كوين» استناداً إلى بيانات «غارتنر»، يُتوقع نمو الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني بمتوسط 10 % سنوياً بين عامي 2025 و2030، بما يعكس تحول الأمن الإلكتروني من بند تقني تقليدي إلى أولوية استراتيجية بالنسبة للمؤسسات.
ولا تقتصر الاستفادة المحتملة على زيادة الإنفاق الإجمالي، إذ تشير تقديرات المحللين، وفق بيانات «إس أند بي كابيتال آي كيو»، إلى أن الإيرادات السنوية لعمالقة القطاع، مثل «باولو ألتو» و«كراود سترايك»، قد تنمو بنحو 20 % سنوياً خلال العامين المقبلين، وهي وتيرة تعكس الطلب المتزايد على خدمات الحماية في ظل توسع نطاق الهجمات وتطور أدوات تنفيذها.
ويمنح ذلك شركات الأمن السيبراني فرصة للاستحواذ على حصة متزايدة من إنفاق الشركات على التكنولوجيا، لكن هذه الطفرة تثير في المقابل سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بقدرتها على الاحتفاظ بهذه المكاسب إذا تحولت نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها إلى منافس مباشر في سوق الحماية.
منافس جديد
وتكمن المفارقة في أن نماذج اللغات الكبيرة التي يؤدي انتشارها إلى خلق تهديدات أمنية جديدة قد تصبح في الوقت نفسه من أقوى الأدوات المستخدمة لمواجهتها. فالقدرات التي تسمح لهذه النماذج بكتابة الشفرات وتحليلها وفهم الأنظمة البرمجية يمكن توظيفها أيضاً في البحث عن نقاط الضعف والثغرات بصورة أسرع وعلى نطاق أكبر.
وقد بدأت ملامح هذا التحول في الظهور بالفعل، إذ أصبحت نماذج اللغات الكبيرة تُستخدم بصورة متزايدة في خدمات الفحص البرمجي، مستفيدة من قدرتها على تحليل كميات هائلة من الشفرات واكتشاف آلاف الثغرات الأمنية التي كان من الممكن أن تظل غير مرصودة بالأساليب التقليدية.
وتفتح هذه القدرات سوقاً إضافية تتمثل في مساعدة مطوري البرمجيات على إنشاء «تحديثات» لمعالجة الشفرات المعيبة. فبعد اكتشاف الثغرة يمكن للذكاء الاصطناعي المساهمة في اقتراح التعديل المطلوب أو كتابة أجزاء من الشفرة اللازمة لإغلاقها، ما يجعل إصلاح البرمجيات مجالاً طبيعياً لتوسع نماذج الذكاء الاصطناعي.
حدود النماذج
لكن اكتشاف الثغرة لا يمثل سوى جزء من عملية الأمن السيبراني، إذ يتعين على الشركات تحديد أي نقاط الضعف أكثر خطورة وأولوية للمعالجة، ثم اختبار التحديثات وتطبيقها فعلياً داخل أنظمة تشغيلية معقدة من دون تعطيل الأعمال أو خلق ثغرات جديدة. وهذه مهام لا تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي حتى الآن توليها بصورة مستقلة وكاملة.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة التي تمتلكها شركات الأمن السيبراني التقليدية؛ فهي متجذرة داخل البنية التحتية التقنية لعملائها، ولديها معرفة بالأنظمة والأجهزة والهويات وسلوك المستخدمين، فضلاً عن أدوات مخصصة لرصد التهديدات والاستجابة لها بصورة مستمرة.
وبدلاً من أن تتحول العلاقة بين الطرفين بالضرورة إلى منافسة مباشرة، قد ينشأ نموذج أكثر تكاملاً يجمع مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي مع مزودي خدمات الأمن السيبراني، بحيث تتولى النماذج تحليل الشفرات واكتشاف نقاط الضعف، بينما تدير شركات الحماية تحديد الأولويات وتطبيق الإصلاحات ومراقبة الأنظمة.
العنصر البشري
وفي الوقت الذي يتزايد فيه التركيز على الهجمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تظل التهديدات التقليدية المرتبطة بالسلوك البشري في صدارة المخاطر. وتشير أبحاث «بيرنشتاين» إلى أن أكثر من 80 % من الهجمات تسعى إلى استغلال ثغرات بشرية، مثل سرقة الهوية أو اختراق كلمات المرور، بدلاً من الاعتماد حصراً على اكتشاف خلل تقني معقد.
وقد يجعل الذكاء الاصطناعي هذه الهجمات أكثر فاعلية عبر إنتاج رسائل تصيد واحتيال مقنعة ومخصصة لكل ضحية، أو محاكاة أسلوب أشخاص معروفين داخل المؤسسة، أو استخدام التزييف العميق في انتحال الهوية. ومع ذلك، فإن مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي لا يمتلكون بالضرورة الموقع الأفضل داخل شبكات الشركات لاكتشاف تلك الأنشطة وملاحقتها.
وتستفيد شركات الأمن السيبراني هنا من انتشار أدواتها داخل المؤسسات وقدرتها على متابعة سلوك المستخدمين والأجهزة وحركة البيانات، وهو ما يمنحها رؤية مباشرة للتهديدات أثناء حدوثها، وليس فقط قدرة نظرية على تحليل الشفرات أو تحديد نقاط الضعف.
حصانة القطاع
وتختلف شركات الأمن السيبراني في هذا الجانب عن قطاعات برمجية أخرى تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل قدرة الذكاء الاصطناعي على تمكين أشخاص غير متخصصين من بناء تطبيقات وبرامج، وهي الظاهرة المرتبطة بما يعرف بـ«Vibe Coders»، الذين يعتمدون بصورة كبيرة على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء الشفرات بدلاً من الخبرة البرمجية التقليدية.
لكن الشركات قد تكون أقل استعداداً للمغامرة عندما يتعلق الأمر بأمن بياناتها وأنظمتها وعملياتها الحساسة، لأن تكلفة الخطأ لا تقتصر على تعطل تطبيق أو انخفاض كفاءته، وإنما يمكن أن تمتد إلى تسريب بيانات العملاء وتعطيل العمليات وخسائر مالية كبيرة.
وبذلك قد يتحول الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى شركات الأمن السيبراني من تهديد تنافسي إلى محرك مزدوج للنمو؛ فهو يزيد قدرات المهاجمين ويرفع الحاجة إلى الحماية من جهة، ويوفر أدوات أكثر قوة لاكتشاف الثغرات وتحليل التهديدات من جهة أخرى. وفي هذه المعادلة، قد لا يكون السؤال من سيحل محل الآخر، وإنما أي الشركات ستنجح في دمج قدرات النماذج الجديدة داخل بنيتها الدفاعية والاستفادة منها قبل منافسيها.
سباق الحماية الرقمية مستمر
ومع تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على الذكاء الاصطناعي، يبدو أن سوق الأمن السيبراني يتجه إلى مرحلة تتغير فيها طبيعة التهديد وأدوات الدفاع في الوقت نفسه. وقد تتمكن نماذج اللغات الكبيرة من تولي أجزاء متزايدة من اكتشاف الثغرات وكتابة الإصلاحات، لكن ارتباط شركات الحماية بالبنية التحتية للعملاء، وامتلاكها بيانات التهديدات وتأثير الشبكة والخبرة التشغيلية، يمنحها خطوط دفاع تنافسية يصعب تجاوزها سريعاً. وفي المقابل، فإن كل تقدم في قدرات الذكاء الاصطناعي الهجومية قد يدفع المؤسسات إلى زيادة استثماراتها الدفاعية، ما يجعل الصراع بين الابتكار والاختراق أحد أبرز محركات نمو سوق الأمن السيبراني خلال السنوات المقبلة.