تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬ينمو‭ ‬10‭ % ‬سنويا‭ ‬حتى‭ ‬2030

الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬ينمو‭ ‬10‭ % ‬سنويا‭ ‬حتى‭ ‬2030

تحولت‭ ‬المخاوف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬نقاشات‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬تأثيره‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬ومستقبل‭ ‬الصناعات‭ ‬إلى‭ ‬هاجس‭ ‬أمني‭ ‬يفتح‭ ‬سوقاً‭ ‬ضخمة‭ ‬أمام‭ ‬شركات‭ ‬الحماية‭ ‬الرقمية‭. ‬وفيما‭ ‬يتداول‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬احتمالية‭ ‬الهلاك‮»‬‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مخاطر‭ ‬وصول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬سيناريوهات‭ ‬شديدة‭ ‬الخطورة،‭ ‬تبدو‭ ‬الأسواق‭ ‬أكثر‭ ‬انشغالاً‭ ‬بالتهديدات‭ ‬الآنية‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬وما‭ ‬تعنيه‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

طفرة‭ ‬الحماية

وتظهر‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم،‭ ‬إذ‭ ‬تضاعفت‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬لشركات‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬باولو‭ ‬ألتو‭ ‬نيتووركس‮»‬‭ ‬و«كراود‭ ‬سترايك‮»‬‭ ‬و«فورتينت‮»‬،‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬الضعف‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الستة‭ ‬الماضية،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬تزايد‭ ‬رهانات‭ ‬المستثمرين‭ ‬على‭ ‬استفادة‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬موجة‭ ‬التهديدات‭ ‬الجديدة‭ ‬المصاحبة‭ ‬للانتشار‭ ‬المتسارع‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬
ولا‭ ‬تنبع‭ ‬هذه‭ ‬الرهانات‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬النظرية‭ ‬وحدها،‭ ‬فالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أظهر‭ ‬قدرة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬بيئات‭ ‬الاختبار‭ ‬المعزولة‭ ‬والتسلل‭ ‬إلى‭ ‬أنظمة‭ ‬مؤسسات‭ ‬وجهات‭ ‬مختلفة،‭ ‬فيما‭ ‬يمنح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الجهات‭ ‬الخبيثة‭ ‬والمخترقين‭ ‬أدوات‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬الهجمات‭. ‬وتتسع‭ ‬قائمة‭ ‬المخاطر‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬محتوى‭ ‬‮«‬التزييف‭ ‬العميق‮»‬‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬تضليل‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬التحقق،‭ ‬إلى‭ ‬تصميم‭ ‬رسائل‭ ‬احتيال‭ ‬إلكتروني‭ ‬شديدة‭ ‬التخصيص‭ ‬يصعب‭ ‬تمييزها‭ ‬عن‭ ‬المراسلات‭ ‬الحقيقية‭.‬
وتزداد‭ ‬المخاطر‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬وكلاء‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬داخل‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬ومنحهم‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البيانات‭ ‬والأنظمة‭ ‬المؤسسية،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يحاول‭ ‬المهاجمون‭ ‬التلاعب‭ ‬بهؤلاء‭ ‬الوكلاء‭ ‬أو‭ ‬استدراجهم‭ ‬إلى‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬معلومات‭ ‬حساسة،‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬جبهة‭ ‬دفاعية‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬فرق‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭.‬

إنفاق‭ ‬متصاعد

وأمام‭ ‬هذه‭ ‬التهديدات،‭ ‬تتجه‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬تخصيص‭ ‬حصة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ميزانياتها‭ ‬للحماية‭ ‬الرقمية‭. ‬وبحسب‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬تي‭ ‬دي‭ ‬كوين‮»‬‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬‮«‬غارتنر‮»‬،‭ ‬يُتوقع‭ ‬نمو‭ ‬الإنفاق‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬بمتوسط‭ ‬10‭ % ‬سنوياً‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2025‭ ‬و2030،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تحول‭ ‬الأمن‭ ‬الإلكتروني‭ ‬من‭ ‬بند‭ ‬تقني‭ ‬تقليدي‭ ‬إلى‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمؤسسات‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬الاستفادة‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإجمالي،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬المحللين،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬‮«‬إس‭ ‬أند‭ ‬بي‭ ‬كابيتال‭ ‬آي‭ ‬كيو‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإيرادات‭ ‬السنوية‭ ‬لعمالقة‭ ‬القطاع،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬باولو‭ ‬ألتو‮»‬‭ ‬و«كراود‭ ‬سترايك‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬تنمو‭ ‬بنحو‭ ‬20‭ % ‬سنوياً‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬المقبلين،‭ ‬وهي‭ ‬وتيرة‭ ‬تعكس‭ ‬الطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬خدمات‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توسع‭ ‬نطاق‭ ‬الهجمات‭ ‬وتطور‭ ‬أدوات‭ ‬تنفيذها‭.‬
ويمنح‭ ‬ذلك‭ ‬شركات‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬فرصة‭ ‬للاستحواذ‭ ‬على‭ ‬حصة‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬إنفاق‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الطفرة‭ ‬تثير‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬سؤالاً‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬يتعلق‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بهذه‭ ‬المكاسب‭ ‬إذا‭ ‬تحولت‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬منافس‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الحماية‭.‬

منافس‭ ‬جديد
وتكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نماذج‭ ‬اللغات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬يؤدي‭ ‬انتشارها‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬تهديدات‭ ‬أمنية‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬الأدوات‭ ‬المستخدمة‭ ‬لمواجهتها‭. ‬فالقدرات‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لهذه‭ ‬النماذج‭ ‬بكتابة‭ ‬الشفرات‭ ‬وتحليلها‭ ‬وفهم‭ ‬الأنظمة‭ ‬البرمجية‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬والثغرات‭ ‬بصورة‭ ‬أسرع‭ ‬وعلى‭ ‬نطاق‭ ‬أكبر‭.‬
وقد‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬بالفعل،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬نماذج‭ ‬اللغات‭ ‬الكبيرة‭ ‬تُستخدم‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬الفحص‭ ‬البرمجي،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الشفرات‭ ‬واكتشاف‭ ‬آلاف‭ ‬الثغرات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬غير‭ ‬مرصودة‭ ‬بالأساليب‭ ‬التقليدية‭.‬
وتفتح‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬سوقاً‭ ‬إضافية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬مطوري‭ ‬البرمجيات‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬تحديثات‮»‬‭ ‬لمعالجة‭ ‬الشفرات‭ ‬المعيبة‭. ‬فبعد‭ ‬اكتشاف‭ ‬الثغرة‭ ‬يمكن‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬اقتراح‭ ‬التعديل‭ ‬المطلوب‭ ‬أو‭ ‬كتابة‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الشفرة‭ ‬اللازمة‭ ‬لإغلاقها،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إصلاح‭ ‬البرمجيات‭ ‬مجالاً‭ ‬طبيعياً‭ ‬لتوسع‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

حدود‭ ‬النماذج

لكن‭ ‬اكتشاف‭ ‬الثغرة‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬إذ‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬تحديد‭ ‬أي‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬وأولوية‭ ‬للمعالجة،‭ ‬ثم‭ ‬اختبار‭ ‬التحديثات‭ ‬وتطبيقها‭ ‬فعلياً‭ ‬داخل‭ ‬أنظمة‭ ‬تشغيلية‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعطيل‭ ‬الأعمال‭ ‬أو‭ ‬خلق‭ ‬ثغرات‭ ‬جديدة‭. ‬وهذه‭ ‬مهام‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬توليها‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭ ‬وكاملة‭.‬
وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬شركات‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬التقليدية؛‭ ‬فهي‭ ‬متجذرة‭ ‬داخل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬التقنية‭ ‬لعملائها،‭ ‬ولديها‭ ‬معرفة‭ ‬بالأنظمة‭ ‬والأجهزة‭ ‬والهويات‭ ‬وسلوك‭ ‬المستخدمين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أدوات‭ ‬مخصصة‭ ‬لرصد‭ ‬التهديدات‭ ‬والاستجابة‭ ‬لها‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭.‬
وبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬مباشرة،‭ ‬قد‭ ‬ينشأ‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬تكاملاً‭ ‬يجمع‭ ‬مطوري‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مع‭ ‬مزودي‭ ‬خدمات‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬بحيث‭ ‬تتولى‭ ‬النماذج‭ ‬تحليل‭ ‬الشفرات‭ ‬واكتشاف‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف،‭ ‬بينما‭ ‬تدير‭ ‬شركات‭ ‬الحماية‭ ‬تحديد‭ ‬الأولويات‭ ‬وتطبيق‭ ‬الإصلاحات‭ ‬ومراقبة‭ ‬الأنظمة‭.‬

العنصر‭ ‬البشري

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يتزايد‭ ‬فيه‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الهجمات‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تظل‭ ‬التهديدات‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسلوك‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المخاطر‭. ‬وتشير‭ ‬أبحاث‭ ‬‮«‬بيرنشتاين‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭ % ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬ثغرات‭ ‬بشرية،‭ ‬مثل‭ ‬سرقة‭ ‬الهوية‭ ‬أو‭ ‬اختراق‭ ‬كلمات‭ ‬المرور،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬حصراً‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬خلل‭ ‬تقني‭ ‬معقد‭.‬
وقد‭ ‬يجعل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬عبر‭ ‬إنتاج‭ ‬رسائل‭ ‬تصيد‭ ‬واحتيال‭ ‬مقنعة‭ ‬ومخصصة‭ ‬لكل‭ ‬ضحية،‭ ‬أو‭ ‬محاكاة‭ ‬أسلوب‭ ‬أشخاص‭ ‬معروفين‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬التزييف‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬انتحال‭ ‬الهوية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬مطوري‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬الموقع‭ ‬الأفضل‭ ‬داخل‭ ‬شبكات‭ ‬الشركات‭ ‬لاكتشاف‭ ‬تلك‭ ‬الأنشطة‭ ‬وملاحقتها‭.‬
وتستفيد‭ ‬شركات‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬أدواتها‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬سلوك‭ ‬المستخدمين‭ ‬والأجهزة‭ ‬وحركة‭ ‬البيانات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬رؤية‭ ‬مباشرة‭ ‬للتهديدات‭ ‬أثناء‭ ‬حدوثها،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬قدرة‭ ‬نظرية‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬الشفرات‭ ‬أو‭ ‬تحديد‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭.‬

حصانة‭ ‬القطاع

وتختلف‭ ‬شركات‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬عن‭ ‬قطاعات‭ ‬برمجية‭ ‬أخرى‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬بفعل‭ ‬قدرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬أشخاص‭ ‬غير‭ ‬متخصصين‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬تطبيقات‭ ‬وبرامج،‭ ‬وهي‭ ‬الظاهرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‮«‬Vibe Coders‮»‬،‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لإنشاء‭ ‬الشفرات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الخبرة‭ ‬البرمجية‭ ‬التقليدية‭.‬
لكن‭ ‬الشركات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أقل‭ ‬استعداداً‭ ‬للمغامرة‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بأمن‭ ‬بياناتها‭ ‬وأنظمتها‭ ‬وعملياتها‭ ‬الحساسة،‭ ‬لأن‭ ‬تكلفة‭ ‬الخطأ‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تعطل‭ ‬تطبيق‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬كفاءته،‭ ‬وإنما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تسريب‭ ‬بيانات‭ ‬العملاء‭ ‬وتعطيل‭ ‬العمليات‭ ‬وخسائر‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭.‬
وبذلك‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬تنافسي‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬مزدوج‭ ‬للنمو؛‭ ‬فهو‭ ‬يزيد‭ ‬قدرات‭ ‬المهاجمين‭ ‬ويرفع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ويوفر‭ ‬أدوات‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الثغرات‭ ‬وتحليل‭ ‬التهديدات‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬سيحل‭ ‬محل‭ ‬الآخر،‭ ‬وإنما‭ ‬أي‭ ‬الشركات‭ ‬ستنجح‭ ‬في‭ ‬دمج‭ ‬قدرات‭ ‬النماذج‭ ‬الجديدة‭ ‬داخل‭ ‬بنيتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها‭ ‬قبل‭ ‬منافسيها‭.‬

سباق‭ ‬الحماية‭ ‬الرقمية‭ ‬مستمر

ومع‭ ‬تزايد‭ ‬اعتماد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تتغير‭ ‬فيها‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديد‭ ‬وأدوات‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬وقد‭ ‬تتمكن‭ ‬نماذج‭ ‬اللغات‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬تولي‭ ‬أجزاء‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬اكتشاف‭ ‬الثغرات‭ ‬وكتابة‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬لكن‭ ‬ارتباط‭ ‬شركات‭ ‬الحماية‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬للعملاء،‭ ‬وامتلاكها‭ ‬بيانات‭ ‬التهديدات‭ ‬وتأثير‭ ‬الشبكة‭ ‬والخبرة‭ ‬التشغيلية،‭ ‬يمنحها‭ ‬خطوط‭ ‬دفاع‭ ‬تنافسية‭ ‬يصعب‭ ‬تجاوزها‭ ‬سريعاً‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬قدرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الهجومية‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬استثماراتها‭ ‬الدفاعية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬والاختراق‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬محركات‭ ‬نمو‭ ‬سوق‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى