البورصات تؤدي دورا أساسيا في النظام المالي
خلال ما يزيد على عشرة أعوام، تمكنت الصين من بناء سوق أسهم حديث يعتمد بدرجة أكبر على التمويل المباشر، ليشكل بذلك منافساً للدور التقليدي للتمويل غير المباشر الذي ظلت المصارف تهيمن عليه. وكان من الصعب، قبل عقد واحد فقط، توقع بلوغ السوق هذا المستوى من التطور خلال فترة زمنية قصيرة.
وساهم نمو سوق الأسهم في خفض نسبة الالتزامات إلى رأس المال لدى المؤسسات الصينية، إلى جانب تحسين هيكل أصولها، وهو ما اكتسب أهمية خاصة في ظل الجهود الرامية إلى إصلاح المؤسسات وتطوير النظام المصرفي.
وفي عام 2001، تجاوزت الأموال التي جمعتها سوقا الأسهم في شنغهاي وشنزن ضعف الأموال التي جُمعت في سوق أسهم هونغ كونغ. ومنذ بداية العام نفسه، تجاوز إجمالي القيمة السوقية لسوقي شنغهاي وشنزن القيمة السوقية لسوق هونغ كونغ، لتحتلا المرتبة الثانية آسيوياً بعد اليابان، وفق المعطيات الواردة في التحليل.
وفي تلك المرحلة، تجاوز عدد المساهمين الصينيين 60 مليون مساهم، يستثمرون في أكثر من ألف شركة مدرجة داخل الصين، فيما بلغت القيمة السوقية الإجمالية للأسهم الصينية نحو 50 % من الناتج المحلي الإجمالي، لتقترب من المستويات المسجلة في كوريا واليابان. ومع توسع السوق، شهد هيكلها الأساسي تغيرات كبيرة، فيما واصلت سوقا شنغهاي وشنزن تطوير قدراتهما، وصولاً إلى تجاوز هونغ كونغ وفق المقارنة المستخدمة في ذلك الوقت.
وخلال السنوات السابقة، تحسن حجم السوق بصورة واضحة، مع أدوار مؤثرة لوسائل الإعلام ولجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية (CSRC)، إلى جانب جهات حكومية أخرى. ورغم أن البعض قد يرى أن أداء مؤشرات الأسهم الصينية كان مخيباً للآمال خلال تلك الفترة، فإن تقييم هذه المرحلة يتطلب منظوراً زمنياً أطول، مع مقارنة أداء السوق بالأسواق الأخرى في المنطقة.
وعند مقارنة أداء الأسواق الآسيوية خلال الفترة الممتدة من يونيو 1997 إلى ديسمبر 2002، تشير البيانات الواردة إلى أن المساهمين الصينيين كانوا الوحيدين الذين حققوا أرباحاً، في حين خسر المستثمرون في الأسواق الأخرى ما بين 30 % و85 % من قيمة الأسهم. وتعكس هذه المقارنة، وفق التحليل، ارتباط أداء أسواق الأسهم بالظروف الاقتصادية التي مرت بها كل منطقة خلال تلك المرحلة.
خفض المخاطر المنهجية
كانت مشكلات التسعير وحوكمة الشركات في سوق الأسهم الصيني من التحديات الشائعة في الأسواق التي دخلت مرحلة التطور حديثاً. وتمثل هذه المشكلات مخاطر منهجية وهيكلية أمام المستثمرين المحليين، إذ يصعب تجنب آثارها من خلال التنويع داخل السوق المحلية.
ويطرح التحليل عدداً من المسارات التي يمكن للصين من خلالها التعامل مع هذه المخاطر، في مقدمتها الحد من تشوهات الأسعار وتحسين حوكمة الشركات، باعتبارهما مسارين أساسيين على المدى الطويل لخفض المخاطر المنهجية والهيكلية.
وقد حظي هذا الاتجاه باهتمام متزايد، مع بدء صانعي السياسات والمشاركين في السوق باتخاذ خطوات عملية لمعالجة هذه الاختلالات وتحسين آليات عمل السوق.
توسيع قاعدة السوق
ثانياً، يمكن أن يسهم دخول المزيد من المؤسسات الخاصة المتميزة والشركات الممولة من الخارج إلى السوق في الحد من المخاطر المنهجية والهيكلية، وهو توجه بدأ تطبيقه في الصين بصورة تدريجية.
ولا يقتصر السماح لهذه المؤسسات بدخول السوق على توفير فرص للربح، إذ تشير العديد من الشركات المتميزة إلى أن الحصول على التمويل ليس بالضرورة احتياجها الرئيسي. وفي المقابل، فإن حضور هذه الشركات في سوق الأسهم يرفع من مكانة السوق الصينية، ويوفر للمستثمرين نطاقاً أوسع من الشركات ذات الأداء القوي للاختيار من بينها.
ومع اتساع نطاق العولمة، أصبحت الشركات الكبرى قادرة على الوصول إلى أسواق المال في الخارج، فيما تتنافس البورصات حول العالم على استقطاب هذه الشركات للإدراج فيها. وتفرض هذه المنافسة ضغوطاً على أسواق الأسهم لتحسين نوعيتها ورفع قدرتها على استقطاب الشركات والمستثمرين.
وثالثاً، يتمثل أحد الحلول التي يقودها السوق في إتاحة المجال أمام المستثمرين لتنويع استثماراتهم من خلال الوصول إلى الأسواق الأجنبية، وهي ممارسة شائعة في مناطق متقدمة مثل هونغ كونغ والولايات المتحدة. وفي هذه الحالة، يمكن للحكومة أيضاً امتلاك وإدارة أصول أجنبية ضمن احتياطياتها، بما يحد من المخاطر المرتبطة بتقلب عوائد التصدير.
وتوضح تجربتا هونغ كونغ واليابان جانباً آخر من هذه المسألة، إذ يستطيع المستثمرون في هونغ كونغ تنويع استثماراتهم بسهولة عبر الأسواق الدولية، وهو ما يمكن أن يحد من المخاطر المنهجية والهيكلية طويلة الأجل في سوق الأسهم المحلية. كما أن نسبة السعر إلى الأرباح للشركات المدرجة في هونغ كونغ ليست مرتفعة مقارنة بالشركات المدرجة في نيويورك ولندن، بما يتيح للمستثمرين استخدام المعايير الدولية لتقييم أسعار الشركات المحلية.
ومع التحسن المستمر في سوق الأسهم الصينية، أصبح بإمكان المستثمرين في هونغ كونغ أيضاً نقل جزء من استثماراتهم إلى السوق الصينية بسهولة نسبية، بما يوسع خيارات التنويع ويربط الأسواق الإقليمية بصورة أكبر.
التعلّم من آسيا
جاءت المعجزة الاقتصادية الآسيوية بعد الحرب العالمية الثانية مدفوعة بالنمو في مجالي التجارة والتصنيع، قبل أن تتبعها الأزمة المالية الآسيوية. ومع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، أسهم انخفاض التعريفات الجمركية والحواجز غير الجمركية، إلى جانب تنامي المبادلات التجارية، في إضفاء مزيد من الحيوية على النظام التجاري الآسيوي.
كما تطور التكامل الإقليمي في مجالي التكنولوجيا والمهارات بصورة متسارعة، مدفوعاً بتزايد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الصين من جانب الاقتصادات الآسيوية الأخرى والولايات المتحدة.
ويرتبط جانب من تعثر التنمية الاقتصادية الآسيوية بضعف آليات تحويل المدخرات إلى استثمارات داخل المنطقة. فقد ظل النظام المالي الآسيوي يعاني قيوداً حدّت من قدرته على توفير الأساس اللازم لأسواق رأس المال، والقيام بوظائفها الأساسية، مثل تخصيص الموارد، واكتشاف الأسعار، وإدارة المخاطر، وتعزيز حوكمة الشركات.
وكما هو الحال في الصين، ظل جزء كبير من الودائع في الاقتصادات الآسيوية إما محتفظاً به داخل المصارف، أو موجهاً إلى إقراض الحكومات، أو مستثمراً في الخارج، بدلاً من توجيهه إلى الاستخدامات الإنتاجية. وفي اليابان، ساهم انخفاض أسعار الفائدة المصرفية إلى مستويات متدنية للغاية في تشجيع الاستثمار، وإن كان ذلك في بعض الحالات بعوائد منخفضة أو شبه معدومة.
وتكشف هذه القيود في أسواق الأسهم الآسيوية أيضاً عن عدم استفادتها بصورة كافية من وفورات الحجم والسيولة المرتفعة. كما أن تشوهات الأسعار في الأسواق المالية الآسيوية، ومنها السوق اليابانية، لم تزد صعوبة حوكمة الشركات فحسب، بل حدّت بدرجة كبيرة من إمكانية تطوير آليات فعالة في هذا المجال.
إلى جانب ذلك، شكل ارتفاع حجم القروض المتعثرة في الأنظمة المصرفية الآسيوية، وضعف الأطر المنظمة للصرف الأجنبي، مصدرين رئيسيين لمخاطر يمكن أن تمهد الطريق أمام أزمات مالية مستقبلية.
أسست الاقتصادات الآسيوية، بما فيها اليابان، صناعات إنتاجية وتصديرية قوية خلال مرحلة النمو الاقتصادي، لكنها لم تتمكن بالقدر نفسه من بناء صناعة مالية قوية. وقد جاءت مصادر التمويل التي دعمت المعجزة الاقتصادية الآسيوية بصورة رئيسية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة والصادرات.
وتبرز هذه التجربة أهمية استفادة الصين من مرحلة التنمية السريعة في بناء قطاع مالي أكثر قوة، إذ إن تحقيق هذا الهدف يتطلب، كما يؤكد التحليل، تطوير نظام واضح لحقوق الملكية، إلى جانب توفير آليات فعالة لإنفاذ حقوق الملكية والعقود.
الانفتاح والمنافسة في سوق
رأس المال الصيني
ظل بطء تطور سوق الأوراق المالية واختلال آليات عمله أحد الجوانب التي بدت متناقضة مع «المعجزة الاقتصادية الصينية». ويطرح ذلك تساؤلاً حول كيفية تمكن الاقتصاد الحقيقي من تحقيق نمو سريع، رغم تخلف سوق الأوراق المالية نسبياً، وما إذا كان بإمكان الصين الوصول إلى اقتصاد حديث من دون تطوير سوق حديث للأوراق المالية.
ويثير استمرار حالة الفوضى و«التهميش» في سوق الأوراق المالية في البر الرئيسي الصيني تساؤلاً آخر حول أسباب عدم انعكاس الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية على أداء السوق بصورة كافية. ومن المفيد هنا مقارنة السوق الصينية بالأسواق المالية الناضجة في الخارج لتحديد جوانب القصور بصورة أوضح.
وتشير المقارنة الواردة في التحليل إلى أن البنية المادية لسوق الأوراق المالية الصينية كانت، في بعض الجوانب، متقدمة على نظيراتها في الأسواق الخارجية، كما لم تكن السوق تفتقر من الناحية النظرية إلى القوانين أو المؤسسات التنظيمية. فقد صيغت المبادئ الإرشادية لحوكمة الشركات في بورصة شنغهاي بالاستناد إلى نماذج التعاون الاقتصادي والتنظيم والتطوير، فيما اعتُبرت آليات شطب الشركات من الإدراج في بورصتي شنغهاي وشنزن، من الناحية النظرية، أكثر تقدماً من نظيرتها في هونغ كونغ.
كما خضعت آليات إدراج الشركات في سوق البر الرئيسي لدراسات وإصلاحات متعمقة، فيما عكست إصلاحات تقسيم أسهم رأس المال الأخيرة جانباً من الخبرات المتراكمة لدى المشاركين في السوق والجهات التنظيمية. ومع ذلك، لم تنعكس هذه الإجراءات بصورة واضحة على سلوك المستثمرين أو كفاءة السوق.
وتتميز سوق الأوراق المالية بسرعة انعقاد الصفقات وتحقيق الأرباح والخسائر، بينما تعتمد كفاءة عملياتها بدرجة كبيرة على البنية الأساسية لحقوق الملكية. وأي خلل في إحدى حلقات هذه المنظومة يمكن أن ينعكس على كفاءة السوق وعدالتها، فضلاً عن مستوى ثقة المستثمرين بها.
ولهذا، فإن معالجة الاختلالات المتراكمة في سوق الأوراق المالية الصينية لا ترتبط بالتشريعات والآليات التنظيمية وحدها، بل تتطلب أيضاً تجاوز الممارسات التي ترسخت عبر سنوات طويلة، وهو ما يجعل تطوير السوق عملية تدريجية.