تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفوق‭ ‬المهني‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬القادة

التفوق‭ ‬المهني‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬القادة

قد‭ ‬يبدو‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الطريق‭ ‬الطبيعي‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المناصب‭ ‬القيادية،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬يكشف‭ ‬معادلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عند‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬المستويات‭ ‬المهنية‭ ‬المتخصصة‭ ‬إلى‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭. ‬فالمهارة‭ ‬الفنية‭ ‬والخبرة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إنجاز‭ ‬المهام‭ ‬بكفاءة‭ ‬تبني‭ ‬السمعة‭ ‬المهنية،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لبناء‭ ‬النفوذ‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬القرارات‭.‬
وتظهر‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬لدى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬ذوات‭ ‬المسيرات‭ ‬المهنية‭ ‬المتميزة؛‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬الكفاءة‭ ‬واضحة‭ ‬والتقدير‭ ‬مرتفعاً‭ ‬والحضور‭ ‬مستمراً‭ ‬في‭ ‬الاجتماعات‭ ‬المهمة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬ذلك‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬النقاش‭ ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشروعات‭ ‬والفرق‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭. ‬وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الموظفة‭ ‬خبيرة‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها،‭ ‬وأن‭ ‬تصبح‭ ‬قائدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭.‬

تحول‭ ‬قيادي
عند‭ ‬المستويات‭ ‬العليا،‭ ‬تتغير‭ ‬قواعد‭ ‬النجاح‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬العمل‭ ‬الفردي‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالحضور‭ ‬المهني‭ ‬وبناء‭ ‬العلاقات‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إيصال‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬وفهم‭ ‬كيفية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬
وهذا‭ ‬الانتقال‭ ‬يتطلب‭ ‬تحولاً‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬‮«‬الخبيرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬‮«‬القائدة‮»‬‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الخبرة‭ ‬الفنية،‭ ‬وإنما‭ ‬استخدامها‭ ‬قاعدة‭ ‬لبناء‭ ‬تأثير‭ ‬أوسع،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬فقط‭: ‬ماذا‭ ‬تستطيع‭ ‬إنجازه؟‭ ‬بل‭: ‬كيف‭ ‬تستطيع‭ ‬دفع‭ ‬الآخرين‭ ‬والمؤسسة‭ ‬إلى‭ ‬الإنجاز؟
لكن‭ ‬العقبة‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬فالنصائح‭ ‬التقليدية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬تحدثي‭ ‬أكثر‭ ‬عن‭ ‬إنجازاتك‮»‬‭ ‬و‮«‬وسعي‭ ‬شبكة‭ ‬علاقاتك‮»‬‭ ‬و«عززي‭ ‬ظهورك‭ ‬المهني‮»‬‭ ‬تبدو‭ ‬واضحة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تطبيقها‭ ‬يصبح‭ ‬صعباً‭ ‬عندما‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬قناعات‭ ‬شخصية‭ ‬راسخة‭. ‬فإذا‭ ‬اعتُبر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإنجازات‭ ‬تفاخرًا،‭ ‬أو‭ ‬عُدّ‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات‭ ‬وسيلة‭ ‬انتهازية‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب،‭ ‬يصبح‭ ‬تجنب‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬أكثر‭ ‬سهولة‭.‬
ولهذا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬نقص‭ ‬الأدوات،‭ ‬بل‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ينظر‭ ‬بها‭ ‬الشخص‭ ‬إليها‭. ‬فالظهور‭ ‬المهني‭ ‬يمكن‭ ‬إعادة‭ ‬تعريفه‭ ‬باعتباره‭ ‬وسيلة‭ ‬لإيصال‭ ‬قيمة‭ ‬العمل،‭ ‬وبناء‭ ‬العلاقات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أداة‭ ‬لاكتساب‭ ‬المعرفة‭ ‬وفتح‭ ‬قنوات‭ ‬التعاون،‭ ‬بينما‭ ‬يصبح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إنجازات‭ ‬الفريق‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬القائد‭ ‬تجاه‭ ‬العاملين‭ ‬معه‭.‬
وتزداد‭ ‬المسألة‭ ‬تعقيداً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬ارتباط‭ ‬الصورة‭ ‬التقليدية‭ ‬للقائد‭ ‬بصفات‭ ‬ذكورية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البيئات‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬المرأة‭ ‬معضلة‭ ‬عند‭ ‬إبراز‭ ‬إنجازاتها؛‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬ذلك‭ ‬صورتها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الكفاءة،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يعرضها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لتقييمات‭ ‬اجتماعية‭ ‬أقل‭ ‬إيجابية‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬التردد‭ ‬دائماً‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭.‬

عمل‭ ‬داخلي
يتطلب‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬بناء‭ ‬هوية‭ ‬قيادية‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تطوير‭ ‬المهارات‭ ‬الخارجية‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬القضاء‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬الذات،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬رغم‭ ‬وجوده،‭ ‬واكتساب‭ ‬الثقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممارسة‭ ‬القيادة‭ ‬نفسها‭.‬
ويأتي‭ ‬امتلاك‭ ‬الإنجازات‭ ‬ضمن‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكوين‭ ‬صورة‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬الإسهام‭ ‬الشخصي‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬بلغة‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تضخيم‭ ‬أو‭ ‬تقليل‭. ‬فالقيادة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬مرئية،‭ ‬لأن‭ ‬الإنجاز‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬التأثير‭ ‬الذي‭ ‬يستحقه‭.‬
كما‭ ‬يساعد‭ ‬ربط‭ ‬الممارسات‭ ‬القيادية‭ ‬بالقيم‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الارتياح‭. ‬فبناء‭ ‬العلاقات‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هدفه‭ ‬جمع‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المعارف،‭ ‬وإنما‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة‭ ‬وتكوين‭ ‬روابط‭ ‬مهنية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬المشروعات‭ ‬والفرق‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭.‬
وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬المكانة‭ ‬والقوة‭ ‬الشخصية‭. ‬فالقدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬ووضع‭ ‬الحدود‭ ‬والتصرف‭ ‬باستقلالية‭ ‬وإظهار‭ ‬الكفاءة‭ ‬والود‭ ‬بصورة‭ ‬متوازنة‭ ‬تسهم‭ ‬جميعها‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ينظر‭ ‬بها‭ ‬الآخرون‭ ‬إلى‭ ‬الشخص‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬
وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬التحول‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬الذات‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬خبيرة‭ ‬تقود‭ ‬أحياناً‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قائدة‭ ‬تمتلك‭ ‬خبرة‭ ‬عميقة‮»‬‭. ‬فالخبرة‭ ‬تظل‭ ‬مصدراً‭ ‬للقوة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬الهوية‭ ‬المهنية‭ ‬الوحيدة‭.‬

الهوية‭ ‬تصنع‭ ‬النفوذ

عندما‭ ‬تترسخ‭ ‬الهوية‭ ‬القيادية،‭ ‬تتغير‭ ‬وظيفة‭ ‬المهارات‭ ‬الخارجية‭. ‬فشبكة‭ ‬العلاقات‭ ‬تصبح‭ ‬قناة‭ ‬للمعلومات‭ ‬والتأثير،‭ ‬والظهور‭ ‬المهني‭ ‬يصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬لضمان‭ ‬وصول‭ ‬إنجازات‭ ‬الفريق‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار،‭ ‬وفهم‭ ‬ديناميكيات‭ ‬المؤسسة‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لتحريك‭ ‬الأعمال‭ ‬الجيدة‭ ‬نحو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬فيه‭ ‬أكبر‭ ‬أثر‭. ‬
ولا‭ ‬تعود‭ ‬الاستفادة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬القائدة‭ ‬نفسها،‭ ‬إذ‭ ‬يحصل‭ ‬الفريق‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تمثيله‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحه‭ ‬وإبراز‭ ‬إنجازاته،‭ ‬بينما‭ ‬تستفيد‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتنفيذ‭ ‬الأفكار،‭ ‬وإنما‭ ‬تستطيع‭ ‬بناء‭ ‬التأييد‭ ‬لها‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الحاجز‭ ‬أمام‭ ‬التقدم‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دائماً‭ ‬نقص‭ ‬الكفاءة‭ ‬أو‭ ‬الخبرة،‭ ‬وإنما‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬السابقة‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬المستوى‭ ‬الوظيفي،‭ ‬انتقلت‭ ‬القيمة‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنجاز‭ ‬العمل‭ ‬بنفسك‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ينجز‭ ‬بها‭ ‬الآخرون‭ ‬العمل‭ ‬ويتخذون‭ ‬القرارات‭.‬

الخبرة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي
يكمن‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬المهني‭ ‬والقيادة‭ ‬مرحلتان‭ ‬مترابطتان‭ ‬لكنهما‭ ‬ليستا‭ ‬متطابقتين‭. ‬فالمهارة‭ ‬قد‭ ‬تمنح‭ ‬صاحبها‭ ‬المصداقية‭ ‬وتفتح‭ ‬له‭ ‬أبواب‭ ‬التقدم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬التأثير‭ ‬يتطلب‭ ‬بناء‭ ‬حضور‭ ‬وعلاقات‭ ‬ونفوذ‭ ‬وهوية‭ ‬قيادية‭ ‬واضحة‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬الانتقال‭ ‬الحقيقي‭ ‬بمجرد‭ ‬تعلم‭ ‬تكتيكات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬ورشة‭ ‬عمل،‭ ‬وإنما‭ ‬بإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الدور‭ ‬المهني‭ ‬نفسه‭: ‬من‭ ‬شخص‭ ‬تُقاس‭ ‬قيمته‭ ‬أساساً‭ ‬بما‭ ‬ينجزه،‭ ‬إلى‭ ‬قائد‭ ‬تُقاس‭ ‬قيمته‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬الأشخاص‭ ‬والأفكار‭ ‬والقرارات‭. ‬وعندها‭ ‬تصبح‭ ‬الخبرة‭ ‬منصة‭ ‬للقيادة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬سقف‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭.‬

رجوع لأعلى