الخوارزميات تعيد رسم خريطة التداول العالمي
تبدو شاشات التداول الحديثة وكأنها تعكس حركة مستمرة لآلاف المستثمرين، مع ظهور طلبات شراء وبيع واختفاء معظمها خلال أجزاء من الثانية، لكن جانباً كبيراً من هذه الحركة لا يقف خلفه مستثمرون يغيرون قراراتهم باستمرار، وإنما برامج حاسوبية تعيد تسعير أوامرها وتعديلها وإلغاءها تلقائياً. ويعرف ذلك بـ«التداول الخوارزمي»، الذي أصبح جزءاً رئيسياً من البنية الحديثة للأسواق المالية، بعدما انتقلت عملية تنفيذ الصفقات تدريجياً من البشر إلى أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات تتعلق بالسعر والتوقيت والكمية وطريقة التنفيذ. ويمكن لصندوق يرغب في شراء مليون سهم، على سبيل المثال، استخدام خوارزمية لتقسيم الصفقة على ساعات الجلسة بدلاً من تنفيذها دفعة واحدة ودفع السعر إلى الارتفاع. ولا يعني التداول الخوارزمي بالضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ تكفي قاعدة برمجية بسيطة لاتخاذ قرارات الأوامر بصورة تلقائية، بينما تتنوع الاستخدامات بين تنفيذ الصفقات الكبيرة وصناعة السوق والمراجحة والاستراتيجيات الاستثمارية والإحصائية.
ثورة إلكترونية
بدأت جذور التحول نحو التداول الإلكتروني منذ عقود، ففي سبعينيات القرن الماضي طورت بورصة نيويورك نظام «DOT» لتوجيه الأوامر الصغيرة إلكترونياً إلى المتخصصين في قاعة التداول، قبل تعديله عام 1982 ليستوعب أوامر المحافظ التي تضم عدة أسهم. وتسارع التحول خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية مع انتشار دفاتر الأوامر الإلكترونية وزيادة قدرات الحوسبة والاتصال، لتظهر استراتيجيات تقسيم الأوامر وصناعة السوق والمراجحة بصورة أكثر تطوراً. ومع اشتداد المنافسة أصبحت أجزاء من الثانية ذات قيمة مالية كبيرة، وبدأت المؤسسات في وضع خوادمها بالقرب من أنظمة البورصات لتقليل زمن انتقال البيانات والأوامر. ومن هذه البيئة نما التداول عالي التردد باعتباره فرعاً من التداول الخوارزمي يعتمد على بنية تقنية فائقة السرعة. ومع ذلك، لا تقتصر الخوارزميات على التداول السريع؛ فقد تعمل خوارزمية أخرى بهدوء طوال جلسة كاملة لتقسيم طلب مؤسسي ضخم إلى صفقات صغيرة بهدف تقليل تأثيره في السعر وإخفاء الحجم الحقيقي للطلب عن بقية السوق.
هيمنة متفاوتة
ولا توجد نسبة عالمية موحدة تحدد حجم التداول الخوارزمي، لأن طرق القياس تختلف بين الأسواق؛ فقد تحسب الحصة وفق عدد الأوامر أو الصفقات المنفذة أو قيمة التداول. لكن البيانات المتاحة تظهر الحجم الكبير لهذه الأنظمة. ففي بورصة الهند الوطنية بلغت حصة التداول الخوارزمي 55.4 % من صافي قيمة تداول الأسهم الفورية خلال 2025، بينما وصلت في بورصـة تايلاند إلـى 45.29 % من قيمة التداول بين يناير وأغسطس. وفي عينة أوروبية متعددة المنصات، أظهرت دراسة منشورة عام 2014 أن التداول عالي التـردد مثـل بين 24 % و43 % من قيمة التداول، بينما ارتفعت حصته إلى ما بين 58 % و76 % عند القياس بعدد الأوامر. ويكشف هذا الفارق واحدة من أهم سمات الأسواق الإلكترونية الحديثة: كثافة الرسائل لا تعني بالضرورة وجود حجم مماثل من السيولة الفعلية. فقد ترسل الخوارزمية أعداداً ضخمة من الأوامر ثم تعدلها أو تلغيها قبل التنفيذ، وهو ما يفسر الحركة المتواصلة التي يراها المستثمر على الشاشة. وفي الولايات المتحدة لا يوجد رقم رسمي شامل قابل للمقارنة، لكن منظمين أشاروا سابقاً إلى تقديرات تتجاوز 50 % للتداول عالي التردد، مع التأكيد على صعوبة قياس جميع أشكال النشاط الخوارزمي.
سيولة متحركة
يوفر التداول الخوارزمي مزايا مهمة للأسواق في الظروف الطبيعية، إذ يساعد على الربط السريع بين المشترين والبائعين وتحديث أسعار العرض والطلب وتقسيم الأوامر الكبيرة بطريقة تقلل تأثيرها على الأسعار. وخلصت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية إلى أن التداول الخوارزمي ساهم في تحسين عدد من مؤشرات جودة السوق وتوفير السيولة في الظروف العادية. لكن التحدي يظهر عندما تتحول الظروف بسرعة، لأن الأوامر المعروضة على الشاشة لا تضمن بالضرورة وجود سيولة يمكن تنفيذها وقت الاضطراب. وإذا رصدت خوارزميات عديدة إشارة خطر واحدة، فقد تسحب عروضها أو تتجه للبيع في الوقت نفسه، فتتسع الفجوات السعرية بسرعة. وظهر جانب من هذه المخاطر خلال «الانهيار الخاطف» في وول ستريت في مايو 2010، عندما ساهم تفاعل أوامر آلية مع سلوك المشاركين الآخرين في تسارع الهبوط ثم التعافي خلال دقائق، من دون إمكانية اختزال الحدث في برنامج واحد. ولهذا تستخدم بعض الأسواق مقياس «نسبة الأوامر إلى الصفقات»، الذي يقارن حجم رسائل إرسال الأوامر وتعديلها وإلغائها بعدد الصفقات المنفذة. وتفرض بعض الجهات التنظيمية أدوات للحد من المعدلات المفرطة، فيما تستخدم الهند غرامات على النسب المرتفعة مع استثناءات لبعض أنشطة صناعة السوق. والهدف ليس منع إلغاء الأوامر، لأن صناع السوق يحتاجون إلى تحديث أسعارهم باستمرار، وإنما الحد من الرسائل المفرطة التي تضغط على الأنظمة أو يمكن استخدامها لإعطاء صورة مضللة عن العرض والطلب.
السيولة الحقيقية خلف الشاشة
ويبقى التحدي الأساسي أمام المستثمرين والمنظمين هو التمييز بين كثافة النشاط الإلكتروني والسيولة الحقيقية القابلة للتنفيذ. فوجود آلاف الأوامر على الشاشة لا يعني بالضرورة وجود آلاف المستثمرين، كما أن ارتفاع نسبة الإلغاءات لا يمثل وحده دليلاً على التلاعب. وفي المقابل، لا تضمن السيولة الوفيرة خلال الجلسات الهادئة بقاء المشترين والبائعين عند حدوث صدمة حادة. ولهذا تتجه الرقابة الحديثة إلى التركيز على سلوك الأوامر وتوقيتها وجودة السيولة الناتجة عنها، بدلاً من الاكتفاء بعدّ الرسائل الإلكترونية. وبعد عقود من تطور التداول الآلي، لم يعد السؤال الرئيسي هو مدى سرعة السوق، بل مدى قدرة الأسعار المعروضة على التحول إلى صفقات حقيقية عندما يحتاج المستثمر إلى التنفيذ.