الذهب يستعيد بريقه مع ترقب مسار الفائدة الأميركية
ارتفعت أسعار الذهب خلال تعاملات الجمعة، مدعومة بتراجع أسعار النفط عن مستوياتها المرتفعة وتقييم المستثمرين للتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، في محاولة لرصد تأثيرات الأزمة على التضخم العالمي ومسار السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة.
وصعد الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.6 % إلى 4073.23 دولار للأوقية، بعدما تعرض لخسائر قوية في الجلسة السابقة بلغت نحو 2 %. كما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة مماثلة إلى 4075.90 دولار للأوقية.
وجاء صعود الذهب في وقت تراجعت فيه أسعار خام برنت عن مستوى 100 دولار للبرميل، بعدما سجل قفزة قوية في الجلسة السابقة على خلفية تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والمخاوف من تأثيرها على إمدادات الطاقة العالمية.
ويراقب المستثمرون حالياً العلاقة بين أسعار الطاقة والتضخم، إذ إن أي ارتفاعات كبيرة في النفط قد تعقد مهمة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في خفض أسعار الفائدة، بينما قد يؤدي استقرار الأسعار إلى دعم توقعات تيسير السياسة النقدية.
ويُنظر إلى الذهب تاريخياً باعتباره أحد أهم الأصول للتحوط من المخاطر الاقتصادية والسياسية، لكنه يتأثر في الوقت نفسه بارتفاع أسعار الفائدة، نظراً لكونه لا يدر عائداً ثابتاً مقارنة بالأصول الأخرى.
ملاذ آمن
عاد الذهب إلى دائرة اهتمام المستثمرين مع استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث تلجأ الأسواق عادة إلى المعادن النفيسة خلال فترات الأزمات بحثاً عن أدوات تحافظ على القيمة.
وقال تاي وونج، المتعامل المستقل في المعادن، إن الذهب تمكن من الاستقرار قرب مستويات مهمة رغم استمرار ارتفاع العوائد، مشيراً إلى أن المعدن النفيس قد يكون مستعداً لاستئناف الصعود إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية أو تصاعدت حدة التوترات.
وأضاف أن أي قرار من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بالإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير خلال الاجتماع المقبل قد يدعم الذهب، خصوصاً إذا أعاد المستثمرون تقييم توقعات أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ويأتـي ذلك في ظل تراجع الذهب بنحو 23 % منذ اندلاع الحرب التي تدعمها الولايات المتحدة ضد إيران في أواخر فبراير، إذ تعرض المعدن لضغوط نتيجة المخاوف من أن يؤدي ارتفاع التضخم الناتج عن الصراع إلى إبقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
توقعات الفائدة
تتجه أنظار الأسواق إلى اجتماع السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأميركي الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة بأن يبقي البنك أسعار الفائدة دون تغيير.
وتعتبر أسعار الفائدة أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في حركة الذهب، إذ إن ارتفاعها يزيد جاذبية الأصول التي تحقق عوائد، بينما يؤدي انخفاضها عادة إلى دعم المعادن التي لا توفر دخلاً ثابتاً.
وتشير بيانات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة سي إم إي إلى أن المستثمرين يضعون احتمالاً يقارب 80 % لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر المقبل، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر بشأن مسار التضخم والسياسة النقدية.
ويرى محللون أن أي تغير في لهجة الاحتياطي الفيدرالي قد يكون له تأثير مباشر على الذهب، خصوصاً إذا أشارت التصريحات المقبلة إلى استعداد البنك لتخفيف السياسة النقدية أو الاستمرار في التشدد لفترة أطول.
كما تتابع الأسواق بيانات التضخم والوظائف الأميركية باعتبارها مؤشرات أساسية ستحدد قرارات البنك خلال الفترة القادمة.
تراجع النفط
ساهم انخفاض أسعار خام برنت في دعم الذهب خلال تعاملات الجمعة، بعدما تراجعت الأسعار بنحو 4 % عقب ارتفاع قوي تجاوز 7% في الجلسة السابقة.
وكان برنت قد تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو، بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن اتخاذ إجراءات عسكرية قوية ضد إيران والحوثيين عقب هجمات استهدفت ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر.
وأثار ارتفاع النفط مخاوف من عودة الضغوط التضخمية العالمية، إذ إن صعود تكاليف الطاقة ينعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات ويزيد التحديات أمام البنوك المركزية.
لكن تراجع الخام ساعد في تهدئة بعض المخاوف، ومنح المستثمرين مساحة لإعادة تقييم توقعاتهم بشأن التضخم والفائدة، وهو ما انعكس إيجاباً على الذهب.
ولا تزال أسواق الطاقة والمعادن مرتبطة بشكل وثيق بتطورات الشرق الأوسط، حيث يمكن لأي تصعيد جديد أن يعيد موجة التقلبات إلى الأسواق العالمية.
المعادن الأخرى
لم يقتصر الصعود على الذهب فقط، إذ سجلت بعض المعادن النفيسة الأخرى تحركات متباينة خلال التعاملات.
وارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.9 % إلى 58.77 دولار للأوقية، مستفيدة من تحسن الطلب على المعادن النفيسة واستمرار المخاوف الاقتصادية.
في المقابل، تراجع البلاتين بنسبة 0.5 % إلى 1592.89 دولار للأوقية، بينما ارتفع البلاديوم بنسبة 0.2 % إلى 1259.42 دولار.
ويترقب المستثمرون أداء المعادن خلال الفترة المقبلة في ظل تداخل عدة عوامل مؤثرة، من بينها اتجاهات التضخم، وقرارات البنوك المركزية، والتطورات السياسية العالمية.
ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى الذهب في مركز اهتمام الأسواق باعتباره أحد أبرز الأصول التي تلجأ إليها الاستثمارات العالمية عند ارتفاع المخاطر.