الذهب يصمد فوق 4000 دولار للأونصة
حافظ الذهب على تداوله فوق مستوى 4000 دولار للأونصة رغم سلسلة من العوامل التي كانت تاريخياً كفيلة بدفعه إلى التراجع، وفي مقدمتها ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية والانقسام داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن السياسة النقدية. ويعكس هذا الأداء تغيراً في نظرة المستثمرين إلى المعدن النفيس، الذي لم يعد يتأثر بالمعادلات التقليدية بالقدر نفسه، في ظل استمرار الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية وتصاعد المخاوف المرتبطة بالديون الأمريكية والضبابية الاقتصادية.
دعم نفسي
وقال محلل الأسواق المالية دانيال البنا إن الأسواق تراقب عن كثب تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش، في ظل استمرار الضبابية بشأن مستقبل السياسة النقدية، إلى جانب المخاوف المتعلقة بتضخم الدين العام الأمريكي.
وأوضح أن بقاء الذهب فوق مستوى 4000 دولار للأونصة يرتبط إلى حد كبير بعوامل نفسية، إذ تحول هذا المستوى إلى نقطة دعم قوية مع تزايد عمليات الشراء كلما اقتربت الأسعار منه.
وأضاف أن المستثمرين ينظرون إلى الذهب باعتباره أداة للتحوط في ظل استمرار عدم اليقين، متوقعاً أن تشهد بداية أو منتصف عام 2027 تطورات اقتصادية في الولايات المتحدة قد توفر زخماً إضافياً لارتفاع أسعار المعدن النفيس.
رسائل الفيدرالي
من جانبه، قال رئيس أبحاث السوق في شركة غولد بيليون، حسام العجمي، إن الذهب أظهر قوة ملحوظة عقب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير، رغم أن ثلاثة أعضاء في لجنة السياسة النقدية أيدوا رفع أسعار الفائدة، وهو ما كان يفترض أن يشكل ضغطاً واضحاً على الأسعار.
وأوضح أن الأسواق كانت تتوقع كسر الذهب مستوى الدعم الرئيسي عند 4000 دولار، إلا أن تصريحات رئيس الفيدرالي ساهمت في تهدئة المخاوف من دورة تشديد نقدي أكثر حدة، بعدما أشار إلى أن احتواء التضخم قد يستغرق وقتاً أطول مما تتوقعه الأسواق، ولكن من دون الإشارة إلى خطوات متسارعة لرفع الفائدة.
وأضاف أن هذا الموقف منح المستثمرين قدراً أكبر من الثقة، ودفعهم إلى تقليص رهاناتهم على تشديد نقدي قوي، وهو ما انعكس إيجاباً على أداء الذهب.
وأشار إلى أن الأسواق باتت تسعر احتمال تنفيذ رفع واحد فقط لأسعار الفائدة خلال ما تبقى من عام 2026، بعدما كانت تتوقع سابقاً رفعين، وهو ما خفف الضغوط على المعدن النفيس.
سيناريوهات الأسعار
ويرى العجمي أن الذهب قد يتحرك خلال النصف الثاني من العام ضمن نطاق يقارب 5% صعوداً أو هبوطاً انطلاقاً من المستويات الحالية.
وأوضح أنه في حال اكتفى الاحتياطي الفيدرالي برفع واحد إضافي للفائدة، فقد ترتفع الأسعار إلى نحو 4300 دولار للأونصة، مدعومة باستمرار الطلب الاستثماري وتراجع المخاوف من تشديد نقدي واسع.
أما إذا اتجه البنك المركزي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة مرتين قبل نهاية العام، فمن المرجح أن يتراجع الذهب إلى مستويات تقارب 3900 دولار للأونصة أو أقل قليلاً، نتيجة زيادة جاذبية الأصول ذات العائد.
وأكد في الوقت نفسه أن السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً لا يزال يميل إلى استمرار التحرك العرضي، مع بقاء الأسعار فوق مستوى الدعم الرئيسي.
دعم مستمر
وأشار العجمي إلى أن أداء الذهب خلال الأشهر الأخيرة كان لافتاً، إذ تمكن من الصمود رغم ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، حيث تجاوز العائد على السندات لأجل ثلاثين عاماً 5.3 %، فيما اقترب العائد على السندات لأجل عشر سنوات من 4.7 %.
وأضاف أن العلاقة التقليدية التي كانت تربط بين ارتفاع العوائد وتراجع الذهب أصبحت أقل قوة، مع استمرار البنوك المركزية حول العالم في زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس، سواء خلال فترات صعود الأسعار أو أثناء التراجعات المؤقتة.
كما لفت إلى أن كثيراً من الصناديق الاستثمارية خفضت حيازاتها من الذهب خلال فترة الحرب، لكنها وصلت حالياً إلى مستويات لا تسمح بمزيد من التخارج، وهو ما يقلص ضغوط البيع ويدعم استقرار الأسعار.
ويرى محللون أن استمرار مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب الضبابية المحيطة بالاقتصاد العالمي، سيبقي الذهب أحد أهم أدوات التحوط خلال المرحلة المقبلة، حتى مع استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، وهو ما يعزز فرص حفاظه على تداولاته فوق مستوى 4000 دولار للأونصة في الأجل القريب.