السعودية توسّع قاطرة النمو الخليجي
تشهد المملكة العربية السعودية اتساعاً في قاعدة اقتصادها وتنوعاً في مصادر نموها، مع تنامي الأنشطة غير النفطية والاستثمارات والتجارة والسياحة والتقنيات المتقدمة، في تحولات تتجاوز آثارها السوق المحلية إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين دول مجلس التعاون، وفتح مجالات أوسع أمام الشراكات الخليجية في قطاعات الإنتاج والخدمات والطاقة والابتكار.
وأكد المركز الإحصائي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أن الاقتصاد السعودي سجل نمواً حقيقياً بنسبة 4.5 % خلال عام 2025، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية نحو 1.275 تريليون دولار، وصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 32.5 مليار دولار، بما يعكس حجم النشاط الاقتصادي واتساع قاعدة الاستثمار في المملكة.
جاء ذلك في تقرير أصدره المركز بعنوان «المملكة العربية السعودية.. قلب الاقتصاد الخليجي وشريك صناعة المستقبل»، بالتعاون مع الهيئة العامة للإحصاء السعودية، بمناسبة احتفال المملكة بيومها الوطني السادس والتسعين، مستعرضاً مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي ترصد مسارات التحول السعودي وارتباطها بمنظومة العمل الخليجي المشترك.
ويقدم التقرير صورة متعددة الجوانب لهذا التحول، تجمع بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وحركة الأفراد والعمل والتعليم والاستثمار، وصولاً إلى السياحة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، لتوضح كيف تتسع دوائر التفاعل بين المملكة ومحيطها الخليجي بالتوازي مع تطور بنيتها الاقتصادية.
أظهرت مؤشرات هيكل الاقتصاد السعودي ارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 72.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغت مساهمة القطاع الخاص غير النفطي 54 %، في دلالة على تنامي دور الأنشطة الإنتاجية والخدمية واتساع حضورها في الاقتصاد. وتضع هذه الأرقام التنويع الاقتصادي في صلب المشهد الذي يرسمه التقرير، إذ تتوزع مجالات النشاط بين قطاعات متعددة تشارك في توليد الناتج وتوسيع فرص الأعمال، بالتوازي مع استمرار الدور المحوري للمملكة في منظومة الطاقة.
وبحسب المركز، فإن نمو القطاعات غير النفطية والتجارية والاستثمارية يعزز حضور السعودية في مسيرة التكامل الخليجي، ويتيح مجالات جديدة للتفاعل مع اقتصادات دول المجلس، خصوصاً مع تنوع احتياجات هذه القطاعات وما يرتبط بها من خدمات وشراكات.
وتبرز مساهمة القطاع الخاص غير النفطي ضمن المؤشرات الرئيسية لهذا المسار، باعتبارها تعكس حضور الشركات والمؤسسات في الأنشطة الاقتصادية خارج القطاع النفطي، وتوضح حجم مشاركتها في القاعدة الإنتاجية والخدمية التي يستند إليها الاقتصاد السعودي.
بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة نحو 32.5 مليار دولار خلال عام 2025، في مؤشر أورده التقرير ضمن ملامح اتساع قاعدة الاستثمار وتعدد مجالات النشاط الاقتصادي.
ويرتبط هذا الجانب بالصورة الأوسع التي عرضها المركز عن تنامي القطاعات الاقتصادية والاستثمارية، وما يصاحبها من تفاعل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، في وقت تستضيف فيه المملكة مؤتمرات وفعاليات عالمية تتصل بالاقتصاد والتقنية والبيئة والتنمية. وأشار التقرير إلى أن هذه الفعاليات تعزز حركة الأعمال والشراكات الدولية والإقليمية، وتدعم حضور المملكة على خريطة اللقاءات الاقتصادية المتخصصة، بما يضيف قنوات للتواصل بين المؤسسات والشركات في مجالات مختلفة.
وفي الإطار الخليجي، أكد المركز أن تنوع القطاعات وتنامي الاستثمار والابتكار يفتحان آفاقاً جديدة للشراكات وتطوير سلاسل القيمة والإمداد، ويعززان فرص الاستفادة المتبادلة من التحولات الاقتصادية والتقنية التي تشهدها المملكة.
التجارة تمد جسور الشراكة
سجل حجم التبادل التجاري السلعي للسعودية نحو 565.3 مليار دولار خلال عام 2025، بما يعكس، وفق التقرير، اتساع النشاط التجاري وتنامي أهمية المملكة في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
ويبرز هذا الحجم من المبادلات التجارية موقع التجارة ضمن مسارات التفاعل الاقتصادي التي تناولها المركز، إلى جانب الاستثمار والعمل والسياحة والطاقة والتقنية، باعتبارها مجالات تتصل مباشرة بتطور العلاقات بين اقتصادات المنطقة.
ووضع التقرير التجارة ضمن التحولات التي يمتد أثرها إلى منظومة التعاون الخليجي، مشيراً إلى أن مسار التطور الاقتصادي السعودي يتقاطع مع حركة أوسع داخل دول المجلس، ويعزز ترابط المصالح والمنافع بينها.
وتكتسب سلاسل القيمة والإمداد حضوراً في هذا السياق، إذ عدّها المركز من المجالات التي يمكن أن تستفيد من تنوع القطاعات وتنامي فرص الاستثمار، بما يفتح المجال أمام تطوير الشراكات بين المؤسسات الخليجية وتوسيع نطاق التعاون في الأنشطة المرتبطة بحركة السلع والخدمات.
السوق المالية تجمع المستثمرين
على صعيد أسواق المال، بلغ عدد مساهمي دول مجلس التعاون في سوق الأسهم السعودية نحو 5749 مساهماً، إلى جانب 353 شركة مدرجة للتداول الخليجي، وفق المؤشرات التي استعرضها المركز.
واعتبر التقرير هذه البيانات تعبيراً عن امتداد حركة الاستثمار والتملك بين مواطني دول المجلس، بما يعكس جانباً من الترابط المالي بين المملكة وبقية الاقتصادات الخليجية.
وتأتي المشاركة في سوق الأسهم ضمن صورة أشمل للتكامل عرضها التقرير، تجمع بين حركة رؤوس الأموال وحضور المواطنين الخليجيين في مجالات العمل والتعليم والخدمات الاجتماعية، لتبرز تعدد مستويات العلاقة الاقتصادية والاجتماعية.
ويكشف إدراج هذه المؤشرات معاً عن اهتمام التقرير برصد المظاهر العملية للتكامل، من خلال مشاركة الأفراد في الأسواق والأنشطة المتاحة داخل المملكة، إلى جانب المؤشرات الكلية المرتبطة بحجم الاقتصاد والتجارة وتدفقات الاستثمار الأجنبي.
سجلت المنافذ السعودية دخول 9.1 ملايين مواطن خليجي خلال عام 2024، فيما بلغ عدد مواطني دول المجلس العاملين في القطاع الخاص بالمملكة 7690 مواطناً، بحسب بيانات التقرير.
وفي التعليم العام، بلغ عدد الطلبة والطالبات من مواطني دول مجلس التعاون في المملكة 10096 طالباً وطالبة، بينما وصل عدد المواطنين الخليجيين المشمولين بالخدمات الاجتماعية إلى 5467 مواطناً خلال العام نفسه.
وأكد المركز أن هذه المؤشرات تعكس اتساع التفاعل الاقتصادي والاجتماعي بين المملكة ومواطني دول المجلس، وتظهر وجهاً للتكامل يتجاوز حركة السلع ورؤوس الأموال ليشمل الأفراد والتعليم والعمل والاستثمار.
وتمنح هذه البيانات البعد الاجتماعي موقعاً واضحاً في قراءة العلاقات الخليجية، إذ توضح امتداد الروابط إلى فرص العمل والخدمات التعليمية والاجتماعية، بالتوازي مع النشاط التجاري والاستثماري، بما يعزز تشابك المصالح والمنافع بين دول المجلس ومواطنيها.
السياحة ترفع حصيلة الخدمات
بلغت إيرادات السياحة الدولية في المملكة 47.1 مليـار دولار خـلال عام 2025، بزيادة قـدرهـا 70.9 % مقارنة بعام 2019، في مؤشر يعكس تنامي دور السياحة ضمن مسارات تنويع الاقتصاد السعودي. ويضع التقرير هذا الأداء ضمن المشهد المتصل بتوسع الأنشطة الخدمية وتنامي الحضور الدولي للمملكة، مع استضافة مؤتمرات وفعاليات عالمية، والاستعداد لاستضافات مستقبلية كبرى ترتبط بقطاعات اقتصادية متعددة.
وأشار المركز إلى أن هذه المحطات تدعم قطاعات تشمل السياحة والطيران والضيافة والخدمات اللوجستية والتقنية، بما يوضح اتساع نطاق الأنشطة المرتبطة بالحضور العالمي للمملكة.
وتضيف حصيلة السياحة الدولية بعداً آخر إلى مؤشرات التنويع الواردة في التقرير، إذ تعكس أهمية قطاع خدمي ضمن مصادر النشاط الاقتصادي، وتنسجم مع الصورة العامة التي رسمها المركز عن تنامي مساهمة الأنشطة غير النفطية وتعدد مجالات النمو والاستثمار.
الرياض على موعد مع العالم
استعرض المركز تنامي الحضور الدولي للسعودية من خلال استضافتها مؤتمرات وفعاليات في مجالات الاقتصاد والتقنية والبيئة والتنمية، مشيراً إلى دورها في تعزيز حركة الأعمال والشراكات الدولية والإقليمية.
وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى استضافة الرياض منتدى الأمم المتحدة العالمي السادس للبيانات خلال نوفمبر المقبل، إلى جانب الاستضافات المستقبلية الكبرى، وفي مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» وكأس العالم «فيفا 2034».
ووصف المركز هذه المناسبات بأنها محطات تعزز حضور المملكة في الاقتصاد العالمي وتدعم عدداً من القطاعات، بما يربط بين استضافة الفعاليات وتوسع النشاط في مجالات الخدمات والأعمال.
ويجمع هذا المسار بين لقاءات متخصصة في البيانات والتقنية، وفعاليات عالمية واسعة النطاق، ضمن صورة تعكس تعدد مجالات الحضور السعودي، وتواكب ما رصده التقرير من اتساع قاعدة الاقتصاد وتنوع قطاعاته الإنتاجية والخدمية.
الذكاء الاصطناعي يدخل المنشآت
في مجال التقنية والابتكار، بلغت قيمة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بالمملكة نحو 2.03 مليار دولار خلال عام 2025، فيما وصلت نسبة المنشآت التي تستخدم تقنياته إلى 33.1 %.
وأكد المركز أن هذه المؤشرات تعكس تنامي حضور التقنية والذكاء الاصطناعي في الاقتصاد السعودي، بالتوازي مع اتساع المجالات التي يتناولها التحول الاقتصادي، من القطاعات التقليدية إلى الأنشطة المرتبطة بالبيانات والتقنيات المتقدمة.
واعتبر التقرير هذا المسار مجالاً متنامياً للتعاون الخليجي، لا سيما في البيانات والابتكار والبحث والتطوير، في ظل الحاجة إلى بناء منظومات إقليمية أكثر تكاملاً في الاقتصاد الرقمي.
وبذلك، يضع المركز التطور التقني ضمن الملفات المشتركة التي يمكن أن تعزز التفاعل بين اقتصادات دول المجلس، وتوسع فرص الاستفادة المتبادلة من التحولات الجارية، مع تنامي استخدام هذه التقنيات داخل المنشآت السعودية.