الصين تصنع 59 % من أجهزة العالم الرقمية
من الهواتف الذكية التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، إلى أجهزة الحاسوب المستخدمة في العمل والتعليم، مروراً بالرقائق الإلكترونية وشاشات العرض ولوحات الدوائر المطبوعة، تعتمد صناعة التكنولوجيا العالمية على شبكة ضخمة من المصانع وسلاسل التوريد الموزعة بين عدد محدود من الاقتصادات. ورغم أن أكبر شركات التكنولوجيا تتوزع بين الولايات المتحدة وآسيا وغيرها من الأسواق الكبرى، فإن خريطة الإنتاج الفعلي تكشف عن تركّز لافت للقدرات التصنيعية في آسيا، وفي مقدمتها الصين التي تستحوذ وحدها على 58.8 % من القدرة العالمية لتصنيع الأجهزة الرقمية، وفق تحليل أجرته مؤسسة «إمبر» استناداً إلى بيانات جهات متخصصة، من بينها وكالة الطاقة الدولية.
مصنع العالم
وتتفوق الصين بفارق هائل على أقرب منافسيها، إذ تبلغ حصتها 58.8 % من القدرة العالمية، مقارنة بـ10.2 % لتايوان صاحبة المركز الثاني، ما يعني أن القدرة التصنيعية الصينية تعادل نحو ستة أضعاف نظيرتها التايوانية. وتعكس هذه الفجوة الحجم الاستثنائي للقاعدة الصناعية التي بنتها الصين على مدار عقود، وحولتها إلى مركز رئيسي لإنتاج وتجميع الأجهزة الإلكترونية التي تستخدم حول العالم.
ولا تتركز القوة الصينية في منتج أو قطاع واحد، بل تمتد عبر عدد كبير من حلقات سلسلة التوريد التكنولوجية، بدءاً من الإلكترونيات الجاهزة ووصولاً إلى شاشات العرض ولوحات الدوائر المطبوعة ومجموعة واسعة من المكونات التي تدخل في صناعة الأجهزة الرقمية.
وساعدت شبكات الإنتاج الضخمة والمتكاملة على ترسيخ هذا التفوق، إذ ترتبط المصانع الصينية بمنظومة كثيفة من الموردين وشركات المكونات ومرافق التجميع والخدمات اللوجستية. وتسمح هذه البيئة بإنتاج مكونات متعددة وتجميع المنتجات النهائية ضمن نطاق جغرافي مترابط، وهو ما يمنح الشركات مزايا تتعلق بالتكلفة والسرعة والقدرة على زيادة الإنتاج.
وتفسر هذه البنية أيضاً صعوبة إعادة تشكيل سلاسل توريد التكنولوجيا العالمية بسرعة، فرغم مساعي العديد من الشركات والدول لتنويع مواقع التصنيع وتقليل الاعتماد على مركز إنتاج واحد، فإن الحجم الذي وصلت إليه المنظومة الصناعية الصينية يجعل استبدالها أو نقل أجزاء كبيرة منها عملية معقدة تتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً.
ثقل آسيوي
ولا تنتهي الهيمنة الآسيوية عند الصين، إذ تأتي تايوان في المركز الثاني عالمياً بحصة تبلغ 10.2 %، مستفيدة من موقعها المحوري في صناعة أشباه الموصلات وتجميع الإلكترونيات. وتكتسب الجزيرة أهمية استراتيجية تتجاوز حصتها الرقمية بفضل الدور الذي تلعبه في إنتاج الرقائق المستخدمة في مجموعة واسعة من المنتجات، من الهواتف والحواسيب إلى مراكز البيانات والتطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتحتل كوريا الجنوبية المرتبة الثالثة بحصة 6.7 % من القدرة العالمية، مدعومة بقوتها في صناعة أشباه الموصلات ورقائق الذاكرة وشاشات العرض، بينما تأتي اليابان رابعة بحصة 4.8 %، محافظة على موقع مهم في صناعة الإلكترونيات والمكونات والمواد والتقنيات المتقدمة التي تعتمد عليها سلاسل الإنتاج العالمية.
وتستحوذ الدول الثلاث، تايوان وكوريا الجنوبية واليابان، مجتمعة على 21.7 % من القدرة العالمية. وعند إضافة حصة الصين، تصل حصة القوى الأربع في شرق آسيا إلى 80.5 %، ما يكشف الحجم الكبير لتركيز صناعة الأجهزة الرقمية عالمياً داخل هذه المنطقة.
ويبرز هذا التركّز أهمية آسيا بالنسبة للاقتصاد الرقمي العالمي، إذ يمكن لأي اضطرابات كبيرة في الإنتاج أو التجارة أو الخدمات اللوجستية في المنطقة أن تمتد آثارها إلى الشركات والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم، خصوصاً مع الاعتماد المتبادل بين الرقائق والمكونات والإلكترونيات النهائية.
خريطة التصنيع
وفي المراكز التالية تظهر مجموعة من الاقتصادات التي تعمل على تعزيز مواقعها داخل سلسلة التوريد. وتأتي الهند خامسة بحصة 3.8 %، تليها فيتنام بـ3.6 %، مع استفادة البلدين من توجه الشركات العالمية إلى تنويع قواعد الإنتاج وإضافة مراكز تصنيع جديدة إلى جانب الصين.
أما الولايات المتحدة، التي تضم عدداً من أكبر شركات التكنولوجيا وأكثرها قيمة في العالم، فتحتل المركز السابع بحصة تبلغ 2.9 % فقط من القدرة العالمية لتصنيع الأجهزة الرقمية. وتبرز هذه المفارقة الفارق بين السيطرة على تصميم التكنولوجيا والبرمجيات والعلامات التجارية من جهة، والقدرة الفعلية على تصنيع الأجهزة والمكونات على نطاق واسع من جهة أخرى.
وتأتي تايلاند فـي المركـز الثامـن بحصـة 1.3 %، ثم المكسيك بنسبة 1.2 %، بينما تحل ألمانيا عاشرة بحصة تبلغ 0.7 %. ويكشف دخول المكسيك وألمانيا قائمة العشر الكبار عن وجود مراكز تصنيع خارج آسيا، لكنها تظل محدودة الحجم مقارنة بالثقل الهائل لشرق القارة.
وتظهر هذه الأرقام أن صناعة التكنولوجيا، رغم طبيعتها العالمية، تعتمد فعلياً على قاعدة جغرافية شديدة التركّز. فالصين بمفردها تسيطر على أكثر من نصف القدرة التصنيعية، بينما تستحوذ الصين وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان معاً على أكثر من أربعة أخماسها. وفي ظل تسارع الطلب على الأجهزة والرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تتحول خريطة التصنيع إلى قضية اقتصادية واستراتيجية متزايدة الأهمية، مع سعي الاقتصادات الكبرى إلى توسيع قدراتها المحلية وتنويع سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد الكبير على عدد محدود من مراكز الإنتاج.