الفائدة القوية تضغط على بريق الذهب
تراجعت أسعار الذهب الأربعاء مع إعادة المستثمرين تقييم مسار أسعار الفائدة العالمية، وسط توقعات بأن تبقي البنوك المركزية الكبرى تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول لمواجهة التضخم، في وقت أضاف فيه صعود الدولار إلى أعلى مستوى في شهرين مزيداً من الضغوط على المعدن النفيس.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.6 % إلى 4329.31 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 06:23 بتوقيت غرينتش، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر 0.2 % إلى 4366.90 دولاراً. وجاء الهبوط رغم استمرار التوترات الجيوسياسية التي توفر عادة دعماً للطلب على المعدن باعتباره ملاذاً آمناً.
ويواجه الذهب حالياً معادلة متعارضة بين مخاطر سياسية واقتصادية تدعم الطلب عليه، وسياسة نقدية أكثر تشدداً ترفع تكلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائداً، وهو ما يجعل تحركات الفائدة والدولار من أبرز العوامل التي تحدد اتجاه الأسعار في المدى القصير.
ضغط الفائدة
عاد مسار السياسة النقدية إلى صدارة حسابات المستثمرين بعدما رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الأسبوع الماضي سعر الفائدة القياسي 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، مع الإشارة إلى إمكانية إقرار زيادة أخرى قبل نهاية العام.
وقالت سوزان كولينز، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن، إنها أيدت قرار رفع الفائدة في ظل استمرار خطر بقاء التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2 %. وتزيد مثل هذه المواقف احتمالات استمرار السياسة النقدية المشددة، وهو سيناريو لا يصب عادة في مصلحة الذهب.
فالذهب لا يقدم عائداً دورياً لحائزيه، ولذلك ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به عندما تصعد عوائد السندات والودائع. وكلما طال أمد الفائدة المرتفعة، ازدادت المنافسة بين المعدن النفيس والأصول المدرة للدخل.
ولا تقتصر موجة التشديد على الولايات المتحدة، إذ رفع كل من بنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مؤخراً، ما يعكس اتساع نطاق المعركة ضد التضخم وتحول بيئة السياسة النقدية العالمية مجدداً نحو مستويات أكثر تشدداً.
جاء ارتفاع العملة الأميركية ليضاعف الضغوط على الذهب، بعدما وصل الدولار إلى أعلى مستوى له خلال شهرين. وبما أن المعدن مقوم بالدولار في الأسواق العالمية، فإن ارتفاع العملة الأميركية يزيد تكلفته بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى وقد يؤدي إلى تراجع الطلب.
ويرتبط صعود الدولار أيضاً بتوقعات الفائدة، إذ تدعم العوائد الأميركية المرتفعة الطلب على العملة وتجذب رؤوس الأموال إلى الأصول المقومة بها. ولذلك فإن استمرار توقعات التشديد النقدي يمكن أن يؤثر في الذهب من اتجاهين في الوقت نفسه: رفع عوائد الأصول المنافسة وتقوية الدولار.
ومع ذلك، لا تزال أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة تاريخياً، وهو ما يشير إلى أن ضغوط الفائدة لم تلغ العوامل الأخرى الداعمة للسوق، وفي مقدمتها مشتريات البنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية والطلب على التحوط من التضخم وعدم اليقين الاقتصادي.
رهان طويل
قال كايل رودا، محلل الأسواق المالية لدى «كابيتال دوت كوم»، إن التقلبات قصيرة الأجل في أسعار الذهب تعتمد بدرجة كبيرة على حركة النفط والمستجدات في الشرق الأوسط، لكنه أكد أن المقومات الأساسية طويلة الأجل الداعمة للمعدن لا تزال قوية للغاية.
وتبرز أهمية النفط لأن تحركاته تؤثر مباشرة في توقعات التضخم والسياسة النقدية. فإذا ارتفعت أسعار الطاقة بقوة، يمكن أن تتزايد الضغوط التضخمية وتدفع البنوك المركزية إلى تشديد أكبر، وهو عامل سلبي للذهب من زاوية الفائدة، لكنه قد يكون إيجابياً من زاوية الطلب على التحوط. وتضاف إلى ذلك التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إذ تتابع الأسواق التحركات الدبلوماسية المتعلقة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران. ويمكن لأي تحول في مسار التوترات أن ينعكس سريعاً على النفط والدولار والطلب على الملاذات الآمنة، وبالتالي على أسعار الذهب.
دعم مركزي
رغم الضغوط قصيرة الأجل، أبقى محللو «بي.إم.آي» توقعاتهم لمتوسط سعر الذهب خلال 2026 عند 4400 دولار للأوقية، في إشارة إلى استمرار نظرتهم الإيجابية إلى العوامل الأساسية التي تدعم المعدن.
ويرى المحللون أن المخاطر الجيوسياسية المرتفعة واستمرار مشتريات البنوك المركزية يوفران دعماً قوياً للأسعار، مع توقع وجود دعم مهم قرب مستوى 3800 دولار للأوقية.
وأصبحت مشتريات البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة عنصراً مهماً في معادلة الطلب على الذهب، إذ تسعى بعض السلطات النقدية إلى زيادة تنويع احتياطياتها وتقليل تعرضها لبعض العملات والأصول التقليدية. ويوفر هذا الطلب قاعدة مختلفة عن تدفقات المستثمرين قصيرة الأجل التي تتأثر بسرعة بتحركات الفائدة والدولار.
ولذلك قد تحد المشتريات الرسمية والمخاطر السياسية من حجم أي تراجع حاد، حتى إذا استمرت أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
معادن تتراجع
امتدت الخسائر إلى بقية المعادن النفيسة، إذ هبطت الفضة في المعاملات الفورية 1.2 % إلى 66.24 دولاراً للأوقية، بينما خسر البلاتين 1.4 % ليسجل 1807.80 دولاراً، وتـراجـع البلادـيوم 1.1 % إلى 1293.68 دولاراً.
ويختلف وضع هذه المعادن عن الذهب بسبب اعتماد جانب أكبر من الطلب عليها على الاستخدامات الصناعية، ما يجعلها أكثر حساسية أيضاً لتوقعات النمو الاقتصادي والنشاط الصناعي العالمي إلى جانب تحركات الدولار والفائدة.
ويعكس التراجع الجماعي حالة الحذر في أسواق المعادن مع عودة توقعات التشديد النقدي، خصوصاً أن ارتفاع الدولار يجعل السلع المقومة بالعملة الأميركية أكثر تكلفة للمشترين خارج الولايات المتحدة.
إلى أين يتجه الذهب؟
يتوقف اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة على نتيجة المواجهة بين عاملين رئيسيين: استمرار الفائدة المرتفعة وقوة الدولار من جهة، والمخاطر الجيوسياسية ومشتريات البنوك المركزية من جهة أخرى.
وقد يؤدي استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة إلى إبقاء البنوك المركزية في مسار التشديد، ما يزيد الضغوط على الذهب. وفي المقابل، فإن تصاعد التوترات أو ارتفاع النفط أو زيادة الطلب الرسمي على المعدن قد يعيد الزخم إلى الأسعار. ولذلك تبدو حركة الذهب مرشحة للبقاء شديدة الحساسية للبيانات الاقتصادية وتصريحات مسؤولي البنوك المركزية وتطورات الشرق الأوسط، حتى تتضح بصورة أكبر المدة التي ستبقى خلالها أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة.