النفط يتجاوز 108 دولارات وسط ضغوط جيوسياسية
عادت المخاطر الجيوسياسية لتفرض إيقاعها بقوة على سوق النفط العالمية، بعدما قفزت أسعار الخام في تعاملات الاثنين إثر رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقترح الإيراني لخفض التصعيد وحل النزاع بين واشنطن وطهران وإعادة فتح مضيق هرمز، ما بدد جزءاً مهماً من التفاؤل الذي دفع الأسعار إلى التراجع في وقت سابق، وأعاد إلى السوق علاوة المخاطر المرتبطة بأمن الإمدادات وحركة ناقلات النفط في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالمياً. وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 4.31 دولارات، بما يعادل 4.13 %، إلى 108.6 دولارات للبرميل بحلول الساعة 10:17 بتوقيت غرينتش، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.9 دولارات أو 4.2 % ليبلغ 96.2 دولاراً للبرميل. وكانت الأسعار قد بدأت الجلسة بمكاسب تجاوزت 3 % قبل أن تتسع لاحقاً، في انعكاس واضح لحساسية السوق تجاه أي تطورات تتصل بالمفاوضات ومستقبل الملاحة في هرمز.
علاوة المخاطر
التحول السريع في الأسعار يعكس حقيقة أن المتعاملين لم يعودوا ينظرون فقط إلى حجم النفط المتاح فعلياً في السوق، وإنما إلى احتمالات تعطل الإمدادات مستقبلاً. فقد أعلنت إيران الأسبوع الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، طرح مقترح عبر وسطاء قطريين يستهدف خفض التصعيد وإعادة فتح المضيق، إلا أن ترامب قال السبت إنه رفض الخطة، قبل أن يشير في مقابلة هاتفية مع «أكسيوس» الأحد إلى توقعه إجراء المفاوضين الأميركيين مزيداً من المحادثات خلال الأسبوع. وهكذا بقي الباب الدبلوماسي مفتوحاً، لكن من دون اختراق يكفي لإزالة علاوة المخاطر التي عادت إلى أسعار الخام.
وتكتسب التطورات حول هرمز أهمية استثنائية للأسواق؛ إذ كان المضيق قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير يتعامل عادة مع نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً، بينها ناقلات للنفط والغاز، وكانت تدفقات الطاقة العابرة منه تمثل نحو 20 % من الإمدادات اليومية العالمية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. ولذلك فإن مجرد ارتفاع احتمالات استمرار القيود أو تعرض الملاحة لمزيد من الاضطراب يكفي لإحداث تحركات كبيرة في الأسعار، حتى مع وجود مؤشرات فعلية على تحسن حجم الشحنات المارة عبر الممر المائي خلال سبتمبر.
سقف برنت
وترى سوجاندا ساشديفا، مؤسسة «إس.إس ويلث ستريت» للأبحاث، أن رفض المقترح قلّص فرص حدوث انفراجة فورية، لكنه لا يعني انتهاء المساعي الدبلوماسية. ووفق تقديراتها، يظل مستوى 120 دولاراً للبرميل نقطة مقاومة حاسمة لعقود برنت الآجلة، إذ يمكن أن تبقى احتمالات التراجع قائمة ما لم تستقر الأسعار فوق هذا المستوى، خصوصاً في حال تحسن حركة الشحن أو إحراز تقدم في المحادثات. ويضع ذلك السوق أمام نطاق شديد الحساسية للأخبار؛ فكل تقدم سياسي قد يسحب جزءاً من علاوة المخاطر، بينما يمكن لأي تعثر جديد أو تصعيد أمني أن يدفع الأسعار إلى اختبار مستويات أعلى.
مفارقة الإمدادات
لكن اللافت أن صعود النفط يأتي بالتزامن مع تحسن ملموس في صادرات الخام من الشرق الأوسط، ما يخلق مفارقة بين الإمدادات الفعلية والمخاطر المتوقعة. وأظهرت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن صادرات الخام من كبار المنتجين في المنطقة ارتفعت خلال سبتمبر إلى نحو 12.8 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ بدء الحرب في فبراير، مدفوعة بزيادة الشحنات من السعودية والإمارات وتعافي جزء من حركة التصدير عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، تظل الصادرات الإقليمية أقل بنحو 6 ملايين برميل يومياً من مستوى فبراير البالغ 18.8 مليون برميل، بما يؤكد أن التعافي الحالي لا يمثل بعد عودة كاملة إلى أوضاع ما قبل الحرب.
وتتجه الشحنات النفطية المارة عبر هرمز إلى بلوغ نحو 7.4 ملايين برميل يومياً خلال سبتمبر، وهو تطور يوفر بعض الطمأنينة للمشترين العالميين، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بالممر. فالسوق لا تقيس فقط كمية البراميل التي تعبر المضيق اليوم، وإنما مدى استدامة تلك التدفقات وقدرتها على الاستمرار إذا تجدد التصعيد. وتظهر بيانات «كبلر» كذلك أن 19 ناقلة نفط عملاقة، تحمل كل منها نحو مليوني برميل من الخام السعودي، خرجت من المضيق خلال الأسبوع الماضي، في مؤشر قوي إلى استعادة جزء من القدرة التصديرية الخليجية.
عودة السعودية
وتبرز السعودية في قلب تعافي الإمدادات، إذ تتجه صادراتها النفطية خلال سبتمبر إلى نحو 5.4 ملايين برميل يومياً، مقارنة بنحو 2.5 مليون برميل يومياً في أغسطس. كما قفزت الشحنات من ميناء رأس تنورة إلى نحو 3.6 ملايين برميل يومياً، من 929 ألف برميل يومياً فقط في أغسطس، وإن ظلت أقل من مستوى 6.4 ملايين برميل المسجل في فبراير. ويعكس ذلك قدرة المملكة على إعادة توجيه جانب من تدفقاتها في ظل الاضطرابات التي أصابت مسارات التصدير البديلة، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الفجوة التي لا تزال تفصل السوق عن مستويات التدفق السابقة للحرب.
وكانت السعودية قد أعادت تشغيل خط أنابيب الشرق-الغرب بعد توقفه إثر هجمات بطائرات مسيرة في سبتمبر. ويكتسب الخط أهمية استراتيجية لأنه يسمح بنقل الخام من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر وتجاوز هرمز، وتصل طاقته القصوى إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، إلا أن عودة التشغيل الكامل قد تستغرق وقتاً نتيجة الأضرار التي لحقت ببعض محطات الضخ، بحسب تقارير حديثة.
ضغط الديزل
ولا تتوقف مصادر القلق عند الخام والمضيق، إذ ظهرت المنتجات النفطية المكررة باعتبارها جبهة ضغط إضافية على أسواق الطاقة. وكان برنت قد أنهى الأسبوع الماضي مرتفعاً بنحو 0.4 %، في حين هبط خام غرب تكساس الوسيط 7.9 %، وسط مخاوف من احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى فرض قيود على صادرات الديزل في محاولة لتهدئة الأسعار المحلية القياسية، وهو إجراء قد ينعكس على تشغيل المصافي الأميركية ويعيد توزيع المنتجات النفطية بين الأسواق.
ويرى محللو بنك «إيه.إن.زد» أن المنتجات المكررة لا تزال نقطة ضغط رئيسية، مع مساهمة ارتفاع أسعار الديزل الأميركية في زيادة مخاطر التضخم وإعادة فتح النقاش بشأن قيود محتملة على الصادرات. والمفارقة أن أي تحرك أميركي لحماية السوق المحلية قد ينقل جانباً من المشكلة إلى الخارج؛ فتقليص صادرات الديزل يعني تراجع الكميات المتاحة للأسواق الدولية، ولا سيما أوروبا، وبالتالي احتمال ارتفاع الأسعار هناك في وقت تواجه فيه سوق الطاقة بالفعل اضطرابات في مسارات الخام والإمدادات الإقليمية.
سوق شديدة الحساسية
وتدخل سوق النفط بذلك مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة عوامل رئيسية: مستقبل التفاوض الأميركي-الإيراني، واستدامة التعافي في حركة الشحن عبر هرمز، وقدرة كبار المنتجين الخليجيين على المحافظة على صادرات أعلى واستخدام مسارات بديلة عند الضرورة. وفي الأجل القصير، تبدو البراميل الإضافية القادمة من السعودية والإمارات عاملاً يحد من حدة مخاوف النقص، لكن الفارق الكبير بين صادرات سبتمبر ومستويات فبراير يترك السوق من دون هامش واسع يسمح لها بتجاهل أي تعطيل جديد.
أما العامل الأكثر حسماً فسيبقى سياسياً وأمنياً؛ إذ إن استمرار المحادثات قد يمنح السوق أملاً في استعادة تدفقات أكثر انتظاماً ويضغط على علاوة المخاطر، بينما قد يؤدي تعثرها أو وقوع هجمات جديدة على السفن أو منشآت الطاقة إلى إعادة سيناريو نقص الإمدادات إلى الواجهة. وفي هذه البيئة، يصبح مستوى 120 دولاراً لبرنت اختباراً مهماً لاتجاه السوق، في مقابل بقاء تعافي الصادرات الخليجية صمام أمان يحد، حتى الآن، من انتقال الأسعار إلى مستويات أعلى بصورة مستدامة. والنتيجة أن النفط بات يتحرك بين قوتين متعاكستين: إمدادات تتعافى على الأرض، ومخاطر جيوسياسية تمنع الأسعار من الاطمئنان إليها.