النفط يرتفع وسط تصاعد مخاطر الإمدادات العالمية
عادت أسعار النفط إلى الارتفاع خلال تعاملات الأربعاء بعدما استعادت الأسواق جانباً من حالة القلق المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، في وقت تراجعت فيه توقعات المستثمرين بإمكانية التوصل سريعاً إلى تفاهمات تنهي التوترات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أعاد علاوة المخاطر إلى الأسعار بعد موجة هبوط حادة شهدتها الجلسة السابقة.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1.61 % لتصل إلى 80.64 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 0.77 % إلى 76.35 دولاراً للبرميل، في تحرك عكس حالة الترقب التي تسيطر على المتعاملين الذين باتوا يوازنون بين المؤشرات السياسية والبيانات الاقتصادية عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
وجاء هذا الارتفاع بعد يوم واحد فقط من خسائر قوية دفعت خام برنت إلى الإغلاق دون مستوى 80 دولاراً للمرة الأولى منذ منتصف يوليو، وهو ما يعكس حجم التقلبات التي تشهدها سوق النفط العالمية، حيث أصبح أي تصريح سياسي أو تطور ميداني كفيلاً بتغيير اتجاه الأسعار خلال ساعات قليلة.
ولا ترتبط هذه التحركات فقط بتوقعات العرض والطلب، بل أيضاً بتقدير الأسواق لاحتمالات تعطل الإمدادات أو تأثر حركة الملاحة البحرية في أحد أهم أقاليم إنتاج النفط في العالم، الأمر الذي يجعل المستثمرين أكثر حساسية تجاه الأخبار السياسية مقارنة بالفترات السابقة.
تقلبات مستمرة
شهدت سوق النفط خلال الأيام الماضية حالة من التذبذب الحاد، إذ اندفع المستثمرون في البداية إلى البيع بعد تداول أنباء عن إحراز الوسطاء تقدماً في الجهود الرامية إلى إنهاء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما عزز الاعتقاد بأن المنطقة قد تتجه نحو تهدئة تخفف من مخاطر انقطاع الإمدادات.
وكانت قطر قد أشارت إلى وجود تقدم في جهود الوساطة، الأمر الذي دفع أسعار النفط إلى التراجع بأكثر من 5 % خلال جلسة الثلاثاء، مع انخفاض خام برنت إلى أقل من 80 دولاراً عند التسوية، في إشارة إلى تراجع علاوة المخاطر التي كانت تسيطر على السوق.
لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، بعدما سارعت إيران إلى نفي وجود أي محادثات سلام مع الولايات المتحدة، في تناقض واضح مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتعود حالة عدم اليقين إلى الواجهة وتدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مواقفهم.
وتوضح هذه التطورات أن السوق لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على التصريحات السياسية أكثر من اعتمادها على المؤشرات الاقتصادية، إذ يكفي صدور بيان أو نفي رسمي حتى تتغير اتجاهات الأسعار بشكل ملحوظ.
رهانات المستثمرين
ينظر المستثمرون إلى الملف الأميركي الإيراني باعتباره أحد أكثر العوامل تأثيراً في أسعار النفط خلال المرحلة الحالية، لأن أي تقدم في مسار المفاوضات قد يخفف المخاوف المتعلقة بالإمدادات، بينما يؤدي تعثرها إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن أن المحادثات مع طهران بدأت بالفعل، مؤكداً أن إيران تمتلك «فرصة أخيرة» للتوصل إلى اتفاق، إلا أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا مجدداً عدم وجود أي مفاوضات مع واشنطن، وهو ما ألقى بظلاله على الأسواق وأعاد التقلبات إلى الواجهة.
ويرى محللون أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً في التعامل مع مثل هذه التصريحات، إذ إن التجارب السابقة أظهرت أن المواقف السياسية قد تتغير بسرعة، ما يجعل بناء توقعات طويلة الأجل أمراً بالغ الصعوبة.
كما أن صناديق الاستثمار الكبرى أصبحت تعتمد بشكل متزايد على استراتيجيات قصيرة الأجل للتعامل مع أسواق الطاقة، مستفيدة من ارتفاع مستويات التذبذب لتحقيق مكاسب سريعة، وهو ما يزيد من حدة التقلبات اليومية.
مخاوف الإمدادات
رغم تراجع حدة التوتر مقارنة بالأيام الماضية، فإن المخاوف المتعلقة بالإمدادات العالمية لا تزال حاضرة بقوة في حسابات المستثمرين.
وقالت رئيسة قسم أبحاث السوق لدى شركة «فيليب نوفا»، بريانكا ساشديفا، إن أوضاع الإمدادات العالمية لا تزال تتطلب قدراً كبيراً من الحذر، حتى وإن انخفض مستوى التوتر المباشر، مشيرة إلى أن الأسواق ما زالت تخشى أي تطورات قد تؤثر في حركة الإنتاج أو الشحن.
كما أشار محللو شركة «آي جي» إلى أن الخلاف الأساسي يتمحور حول مستقبل السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وما إذا كانت إيران ستواصل التمسك بمواقفها، في مقابل استمرار الولايات المتحدة في رفض أي ترتيبات قد تؤثر في حرية الملاحة الدولية.
وتحظى هذه القضية باهتمام كبير لأن أي اضطراب في الممرات البحرية ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والتأمين، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة وصول النفط إلى الأسواق العالمية، وبالتالي دعم الأسعار حتى في حال عدم حدوث نقص فعلي في الإنتاج.
يؤكد خبراء الطاقة أن مجرد زيادة المخاطر الأمنية تدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية على السفن، كما ترفع شركات التأمين قيمة الأقساط، وهي تكاليف تنتقل في النهاية إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع أسعار الطاقة.
بيانات أميركية
إلى جانب التطورات السياسية، يواصل المستثمرون متابعة البيانات الأميركية المتعلقة بالمخزونات النفطية، باعتبارها مؤشراً مهماً على توازن السوق بين العرض والطلب.
وأظهرت بيانات أولية نقلتها مصادر في السوق عن معهد البترول الأميركي ارتفاع مخزونات النفط الخام بنحو 2.7 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 31 يوليو، كما سجلت مخزونات البنزين زيادة، في حين انخفضت مخزونات نواتج التقطير.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المعروض في السوق الأميركية لا يزال عند مستويات مريحة نسبياً، وهو ما قد يحد من وتيرة صعود الأسعار إذا جاءت البيانات الحكومية مؤكدة لهذه الزيادة.
وفي المقابل، يرى محللون أن تأثير المخزونات قد يبقى محدوداً إذا استمرت التوترات الجيوسياسية، لأن الأسواق عادة ما تعطي الأولوية للمخاطر المتعلقة بالإمدادات عندما تتصاعد الأزمات السياسية أو العسكرية.
الطلب الآسيوي
في المقابل، لا تزال آسيا تمثل المحرك الأكبر لنمو الطلب العالمي على النفط، إذ تواصل الصين والهند استيراد كميات ضخمة من الخام لتلبية احتياجات القطاعين الصناعي والنقل، رغم التباطؤ النسبي الذي يشهده الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، أعلنت الصين تخفيف القيود المفروضة على صادرات الوقود خلال أغسطس، في خطوة تهدف إلى منح المصافي المحلية مرونة أكبر في تسويق منتجاتها والاستفادة من الطلب الإقليمي المتزايد على المشتقات النفطية.
ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى زيادة صادرات الديزل والبنزين والوقود المكرر إلى الأسواق الآسيوية، لكنها في الوقت نفسه تعكس استمرار النشاط القوي للمصافي الصينية التي تعد من أكبر مستهلكي النفط الخام في العالم.
كما تواصل الهند تسجيل معدلات مرتفعة في استهلاك الوقود، مدفوعة بالنمو الاقتصادي وزيادة حركة النقل والصناعة، الأمر الذي يوفر دعماً إضافياً للطلب العالمي، ويحد من الضغوط التي قد تنجم عن تباطؤ الاستهلاك في بعض الاقتصادات المتقدمة.
وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن الاقتصادات الآسيوية ستظل صاحبة المساهمة الأكبر في نمو الطلب العالمي خلال السنوات المقبلة، وهو ما يمنح سوق النفط قاعدة استهلاك قوية، حتى في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية في أوروبا وأميركا الشمالية.