برنت يتجاوز 103 دولارات وسط التوترات
واصلت أسعار النفط مكاسبها في تعاملات الخميس، لتبقى فوق حاجز 100 دولار للبرميل، في سوق تتجاذبها مخاوف استمرار اضطرابات الإمدادات من منطقة الخليج، وعدم ظهور تقدم ملموس ينهي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في مقابل تحركات سعودية مكثفة لتعزيز الصادرات وتوفير مسارات بديلة للخام، بما يحد من الضغوط الواقعة على المستهلكين، خصوصاً في آسيا.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 43 سنتاً، بما يعادل 0.4 %، إلى 103.51 دولار للبرميل، فيما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 35 سنتاً، أو 0.4 %، إلى 92.51 دولار. وجاءت المكاسب بعد ارتفاع النفط بنحو 4 % خلال الجلسة السابقة.
تقلبات حادة
وتعكس تحركات الأسعار حالة عدم اليقين التي تهيمن على سوق الطاقة، إذ بدأ الخامان التعاملات الآسيوية على تراجع قبل أن يغيرا اتجاههما ويعودا إلى الصعود، في إشارة إلى صعوبة تحديد المستثمرين مساراً واضحاً للأسعار في ظل تداخل العوامل الجيوسياسية مع تطورات الإمدادات الفعلية.
وتبقى أزمة مضيق هرمز في قلب حسابات السوق، نظراً إلى أهمية الممر بالنسبة إلى صادرات الطاقة الخليجية. وكان المضيق يمثل قبل الحرب ممراً لنحو خُمس شحنات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي تطور يتعلق بإعادة فتحه أو استمرار اضطراب الملاحة فيه عاملاً سريع التأثير في الأسعار وتكاليف الشحن والتأمين.
وفي المقابل، باتت قدرة دول الخليج على توفير مسارات بديلة ورفع كفاءة البنية التحتية اللوجستية جزءاً أساسياً من معادلة الأسعار، إذ تحاول الأسواق تقدير حجم الإمدادات التي يمكن توفيرها بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية.
مأزق سياسي
وعلى المسار السياسي، قال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن طهران وواشنطن لا تزالان مختلفتين بشأن كيفية إنهاء الحرب، لكنه شدد على ضرورة استمرار الجهود الدبلوماسية. وأوضح أن إيران تراجع الرد الأميركي على مقترحاتها التي تعطي أولوية لرفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز.
وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد قال إن المضيق لن يعاد فتحه ما لم تُلبَّ شروط إيران، بينما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن التوصل إلى اتفاق يحتاج إلى عمل شاق على مدى فترة زمنية، مشيراً أيضاً إلى وجود خيارات عسكرية لدى الرئيس دونالد ترامب.
علاوة المخاطر
وترى رئيسة قسم أبحاث السوق في «فيليب نوفا» بريانكا ساشديفا أن السوق الفعلية للنفط لا تزال بعيدة عن العودة الكاملة إلى طبيعتها، موضحة أن برنت يحتفظ بعلاوة أكبر مرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية ومسارات الشحن، نتيجة تعرضه المباشر بصورة أكبر لاضطرابات الشرق الأوسط ومضيق هرمز، في حين يستفيد الخام الأميركي من إمدادات الولايات المتحدة الأقل تعرضاً لهذه المخاطر.
ويفسر ذلك جانباً من الفارق الكبير بين سعري الخامين، إذ تجاوز برنت مستوى 103 دولارات، مقابل نحو 92.5 دولار لخام غرب تكساس، في وقت يراقب فيه المتعاملون ليس فقط كميات النفط المتاحة، وإنما أيضاً القدرة الفعلية على نقلها إلى الأسواق والمصافي.
وأصبح أمن طرق الشحن عاملاً أكثر تأثيراً في التسعير، بالتوازي مع تكاليف النقل والتأمين والمدة المطلوبة لوصول الشحنات، وهو ما يزيد حساسية السوق لأي إشارات سياسية أو عسكرية جديدة.
إمدادات سعودية
في هذه الأثناء، برزت السعودية باعتبارها عنصراً مهماً في جهود تعزيز الإمدادات، مع تكثيف الشحنات الموجهة إلى الأسواق الآسيوية. وأظهرت بيانات تتبع ناقلات أوردتها «رويترز» أن «أرامكو السعودية» حملت الأحد الماضي نحو 14 مليون برميل من الخام على سبع ناقلات عملاقة في الخليج، بينما ارتفع متوسط تدفقات النفط السعودي عبر هرمز خلال ستة أيام إلى 2.9 مليون برميل يومياً، مقابل نحو 700 ألف برميل يومياً في أغسطس.
وبحسب المعلومات التي أوردتها «بلومبرغ» في المادة المقدمة، باعت المملكة نحو 100 مليون برميل إلى مشترين آسيويين منذ منتصف الأسبوع الماضي، على أن تصل الشحنات خلال أكتوبر ونوفمبر، وتشمل قائمة المشترين مصافي وشركات في الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وتأتي زيادة التدفقات في توقيت تواجه فيه المصافي الآسيوية ضغوطاً مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع بعض مصادر الإمدادات، ما يزيد أهمية قدرة المنتجين الخليجيين على المحافظة على استقرار التدفقات.
مسارات بديلة
وعززت السعودية قدرتها على تجاوز الاختناقات بعد إعادة تشغيل خط أنابيب «شرق – غرب»، الذي يمثل المسار الرئيسي لنقل الخام من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز. وكانت هجمات بطائرات مسيرة قد أدت إلى توقف الخط في سبتمبر، قبل استئناف تشغيله بمعدلات أولية منخفضة.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 7 ملايين برميل يومياً، فيما كانت المملكة تستخدمه لإعادة توجيه نحو 4 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع قبل توقفه، وهي كمية تعادل قرابة 4 % من الإمدادات العالمية. وأشارت مصادر إلى أن العودة إلى كامل الطاقة التشغيلية قد تستغرق ما بين ستة وثمانية أسابيع بعد تضرر ثلاث محطات ضخ.
وتكتسب عودة الخط أهمية تتجاوز السعودية، لأن زيادة تدفقات الخام عبر البحر الأحمر توفر للأسواق العالمية منفذاً إضافياً للإمدادات الخليجية وتقلل جزئياً الاعتماد على هرمز.
مرونة أرامكو
وأكد الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية» أمين الناصر مراراً أهمية المرونة التشغيلية للشركة في مواجهة الاضطرابات. وكانت الشركة قد رفعت صادراتها عبر البحر الأحمر في مراحل سابقة من الأزمة لتعويض جانب من تعطل التدفقات الخليجية، بينما حذر الناصر في مايو من أن استمرار اضطرابات هرمز قد يؤخر عودة سوق النفط إلى طبيعتها حتى 2027.
وتمنح شبكة الأنابيب والموانئ ومرافق التخزين المملكة قدرة أكبر على تعديل وجهات الشحن والاستجابة للتحولات السريعة في طرق التجارة، وهي ميزة ازدادت أهميتها مع تحول أمن الإمدادات من قضية تتعلق بحجم الإنتاج وحده إلى معادلة تشمل كذلك النقل والتخزين وسلامة الممرات البحرية.
كما توفر زيادة الشحنات السعودية للأسواق الآسيوية قدراً من المرونة للمصافي التي تبحث عن بدائل في بيئة أصبحت فيها المخاطر السياسية عاملاً مؤثراً في قرارات شراء الخام.
مخزونات أميركية
وعلى الجانب الأميركي، أضافت بيانات المخزونات عاملاً آخر إلى معادلة الأسعار. فقد ارتفعت مخزونات النفط الخام الأميركية 3 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 18 سبتمبر، لتصل إلى 426.4 مليون برميل، في حين كان محللون استطلعت «رويترز» آراءهم يتوقعون انخفاضها بنحو 641 ألف برميل.
وفي المقابل، انخفضت مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بنحو 428 ألف برميل إلى 107.4 مليون برميل، فيما تراجعت مخزونات البنزين 1.7 مليون برميل إلى 206 ملايين برميل. كما هبط تشغيل المصافي 519 ألف برميل يومياً، وانخفض معدل استغلال طاقتها 2.8 نقطة مئوية إلى 94 %.
وتزيد هذه الأرقام حساسية سوق المنتجات المكررة، خصوصاً في ظل الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن إمكانية فرض قيود على صادرات الديزل.
ضغط الديزل
وهبطت العقود الآجلة للديزل منخفض الكبريت بنحو 5 % خلال تعاملات الأربعاء بعد تقرير تحدث عن إعداد إدارة ترامب خططاً لحظر صادرات الديزل لمدة 90 يوماً، إلا أن البيت الأبيض نفى ذلك. وكان وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قد قال إن حظر التصدير لن يكون فعالاً، بينما حذر محللون من أن القيود قد تزيد اضطراب الإمدادات العالمية بدلاً من خفض أسعار الطاقة.
ويضع ذلك سوق النفط أمام معادلة معقدة: مخزونات خام أميركية أعلى من المتوقع توفر بعض عوامل التهدئة، مقابل انخفاض مخزونات الوقود واستمرار اضطراب طرق التجارة وارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية.