بورصة الكويت تستعيد مستويات ما قبل الحرب
تباين أداء المؤشرات الرئيسية لبورصة الكويت خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، في واحدة من أكثر الفترات الاستثنائية التي مرت بها الأسواق الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، بعدما فرضت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تداعيات واسعة على حركة التجارة والطاقة والملاحة البحرية، ورفعت تكاليف الشحن والتأمين، وأحدثت اضطرابات في سلاسل الإمداد، ما انعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على قرارات المستثمرين وتحركات أسواق المال في المنطقة.
ورغم تلك الظروف، أظهرت بورصة الكويت قدرة على امتصاص جانب مهم من تداعيات الأزمة، واستعادت مؤشرات السوق مستويات ما قبل اندلاع الحرب، بالتزامن مع تحسن أداء الأسهم الرئيسية وأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، فيما أسهمت التحركات الحكومية لتوفير الدعم والسيولة للقطاع الخاص، إلى جانب مرونة الشركات واستمرار الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية، في الحد من انعكاسات التطورات الجيوسياسية على الاقتصاد المحلي والسوق المالي.
وتشير إحصائية أداء السوق خلال الأشهر التسعة الأولى من العام إلى تباين حركة المؤشرات الرئيسية منذ بداية 2026، في حين سجلت المؤشرات ارتفاعاً خلال الربع الثالث رغم التراجع على أساس شهري، بما يعكس استمرار حالة التذبذب التي فرضتها التطورات الإقليمية، مقابل قدرة السوق على استعادة جزء كبير من الزخم الذي فقده مع بداية الحرب.
ضغوط استثنائية
وجاء أداء بورصة الكويت خلال الفترة الماضية في ظل مجموعة من الضغوط التي لم تقتصر على حركة التداولات فقط، بل امتدت إلى البيئة التشغيلية للشركات، بعدما أثرت الحرب في حركة الملاحة والتجارة الإقليمية وأدت إلى ارتفاع تكاليف نقل البضائع والتأمين عليها، إلى جانب التأثيرات التي صاحبت توقف أو تراجع بعض التدفقات النفطية.
وكان السوق الكويتي قد تأثر، شأنه شأن بقية أسواق المنطقة، منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير 2026، إذ تراجعت الصادرات النفطية بصورة حادة مع إغلاق مضيق هرمز، بالتزامن مع تأثر سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مستويات المخاطر المرتبطة بالمنطقة.
وأدت تلك التطورات إلى ضغوط على أسعار الأسهم في المراحل الأولى من الأزمة، وسط ارتفاع مستويات الحذر وترقب المستثمرين لمسار الحرب ومدى امتداد تأثيراتها إلى الأنشطة الاقتصادية المختلفة، خصوصاً القطاعات المرتبطة بالتجارة والنقل والخدمات والأنشطة التي تعتمد بصورة أكبر على الواردات.
الدعم الحكومي
وفي مواجهة تلك الضغوط، ساهمت التحركات الحكومية في تقليص جزء من الآثار الاقتصادية للأزمة، خصوصاً من خلال الإجراءات المرتبطة بتوفير الدعم والسيولة للشركات الخاصة، بما ساعد القطاع الخاص على التعامل مع ارتفاع تكاليف الشحن ونقص بعض البضائع واضطراب حركة التجارة.
وشكل توجه الحكومة، من خلال وزارة التجارة والصناعة وبنك الكويت المركزي، لتوفير الدعم والسيولة للشركات الخاصة أحد العوامل التي ساعدت على تخفيف الانعكاسات السلبية الناجمة عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب حركة الإمدادات، فضلاً عن التداعيات التي ترتبت على تراجع الصادرات النفطية خلال مراحل من الحرب.
وانعكس ذلك بصورة إيجابية على قدرة الشركات على مواصلة نشاطها والتكيف مع الأوضاع الاستثنائية، كما ساهم في دعم الاستقرار النسبي للسوق والحد من حدة التأثيرات التي كان من الممكن أن تتعرض لها أسعار الأسهم في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
مرونة الشركات
وأظهرت الشركات الكويتية بدورها مرونة في التعامل مع الظروف التشغيلية غير الاعتيادية، مستفيدة من قوة المراكز المالية لدى عدد منها وقدرة الإدارات على تعديل خطط العمل ومواجهة ارتفاع التكاليف واضطرابات سلاسل التوريد.
وساعدت تلك المرونة، إلى جانب استمرار الدعم الحكومي، الشركات على تجاوز جانب من الصعوبات التي فرضتها الحرب، في وقت أسهمت فيه استعادة الصادرات النفطية تدريجياً في تخفيف الضغوط على الاقتصاد والمالية العامة.
وتكتسب عودة الصادرات النفطية أهمية خاصة للاقتصاد الكويتي في ضوء دور الإيرادات النفطية في تمويل الميزانية العامة، إذ يؤدي تحسن حركة التصدير إلى تخفيف الأعباء على المالية العامة، وتوفير السيولة التي تدعم قدرة الدولة على مواصلة تنفيذ المشروعات التنموية والإنفاق الرأسمالي.
خيارات تمويل أوسع
وبالتوازي مع التعامل مع التداعيات المباشرة للحرب، واصلت الكويت تطوير منظومتها الاقتصادية والتمويلية من خلال سن تشريعات تستهدف توسيع مصادر التمويل وتوفير أدوات إضافية أمام الدولة للتعامل مع احتياجاتها المالية.
وجاء قانون التمويل والسيولة «الدين العام» ضمن أبرز تلك التحركات، قبل أن تتبعه خطوات أخرى شملت إقرار الاقتراض من صندوق الأجيال القادمة لدعم الاحتياطي العام، إلى جانب صدور مرسوم بقانون لتنظيم إصدار الصكوك الحكومية.
وتعمل تلك الأدوات على توسيع الخيارات التمويلية المتاحة، بما يساهم في تخفيف الضغوط المرتبطة بالعجز ويوفر للدولة مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها التمويلية، مع الحفاظ على القدرة على الاستمرار في الإنفاق الرأسمالي وتمويل المشروعات التنموية.
كما توفر عملية تنويع أدوات التمويل مساحة أوسع لإدارة السيولة العامة وعدم الاعتماد على مسار تمويلي واحد، وهو ما تزداد أهميته خلال الفترات التي تشهد اضطرابات في أسواق النفط أو تحديات جيوسياسية تؤثر على الإيرادات العامة.
بيئة استثمارية
ولم تتوقف الإصلاحات عند أدوات تمويل الدولة، إذ واصلت الحكومة والجهات التنظيمية تحديث التشريعات الاقتصادية بهدف تهيئة بيئة استثمارية أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وشملت التشريعات خلال الفترة الأخيرة قانون التمويل العقاري لمستحقي الرعاية السكنية، وقانون مكافحة احتكار الأراضي الفضاء، إلى جانب قانون المطور العقاري، وهي تشريعات ينتظر أن يمتد تأثيرها إلى قطاعات متعددة داخل الاقتصاد المحلي.
ومن المتوقع أن تستفيد شركات العقار والمقاولات والبناء والتجزئة من النشاط الذي قد تولده هذه التشريعات على المدى الطويل، بالتوازي مع استفادة القطاع المصرفي من زيادة الطلب المتوقع على التمويل.
ويمتلك القطاع المصرفي مستويات من السيولة تمكنه من تلبية جانب كبير من الطلب المتوقع على القروض، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى توسيع المحافظ الائتمانية للبنوك وانعكاس ذلك تدريجياً على إيراداتها وأرباحها.
اجتياز الأصعب
وتشير حركة السوق خلال الأشهر الماضية إلى أن بورصة الكويت نجحت في تجاوز المرحلة الأكثر صعوبة من الأزمة، والتي تركزت بصورة خاصة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب.
وشهدت تلك المرحلة اضطراباً واسعاً في حركة الطيران والشحن البحري، إلى جانب استهداف منشآت حيوية، خصوصاً النفطية، وإغلاق مضيق هرمز، وهي عوامل رفعت مستوى المخاطر بصورة كبيرة وألقت بظلالها على معنويات المستثمرين.
ومع انحسار جانب من تلك الضغوط وقدرة الأنشطة الاقتصادية والشركات على التكيف، بدأت السوق في استعادة توازنها تدريجياً، وهو ما ظهر في عودة المؤشرات إلى مستويات ما قبل الحرب واستعادة القيمة السوقية للخسائر التي تكبدتها خلال الأزمة.
ورغم ذلك، جاء أداء بورصة الكويت خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي أضعف مقارنة بالسنوات الماضية بفعل الظروف الاستثنائية المرتبطة بالحرب وتداعياتها الاقتصادية والتجارية.
تفوق الأسهم الأصغر
وكان من أبرز ملامح الفترة تحسن أداء مؤشري السوق الرئيسي والرئيسي 50 بصورة أكبر مقارنة بمؤشر السوق الأول، ما يعكس قدرة الشركات الأصغر على اقتناص فرص استثمارية خلال مرحلة التعافي.
وتظهر الأرقام اتساع الفارق بين أداء المؤشرات مقارنة بالمستويات المسجلة قبل اندلاع الحرب، إذ نما مؤشر السوق الأول بنحو 0.1 % مقارنة بإغلاق جلسة 24 فبراير الماضي، في حين بلغت مكاسب مؤشر السوق الرئيسي نحو 15 %.
وكان الأداء الأقوى من نصيب مؤشر «الرئيسي 50»، الذي سجل ارتفاعاً بنحو 22 % مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بينما نما مؤشر السوق العام بنسبة 2.4 % خلال الفترة ذاتها.
ويعكس ذلك تحولاً نسبياً في اتجاه الفرص داخل السوق، مع قدرة عدد من الأسهم الصغيرة والمتوسطة على تسجيل معدلات تعافٍ أعلى مقارنة بالأسهم القيادية التي يتكون منها السوق الأول.
53.4 مليار دينار
ولم يقتصر التعافي على المؤشرات، إذ تمكنت القيمة السوقية للأسهم المدرجة من تبديد خسائرها التي سجلتها خلال الحرب والعودة إلى مستويات تتجاوز قيمتها قبل الأزمة.
وارتفعت القيمة السوقية بنحو 3.5 % لتصل إلى حوالي 53.4 مليار دينار، مقارنة بنحو 51.6 مليار دينار في جلسة 24 فبراير الماضي، ما يعني استعادة السوق للخسائر التي تكبدها خلال المراحل الأكثر حدة من الحرب.
وتكتسب تلك العودة أهمية في قراءة أداء البورصة خلال الأشهر التسعة الأولى، إذ تكشف أن التأثيرات السلبية للحرب كانت قوية في مراحلها الأولى، لكنها لم تمنع السوق من استعادة جانب كبير من توازنه مع تحسن الظروف وقدرة الشركات والمستثمرين على التكيف.