تريليونات إعادة الشراء.. قوة مالية أم وهم الأرباح؟
تحولت عمليات إعادة شراء الأسهم إلى واحدة من أبرز أدوات إدارة رأس المال في الأسواق العالمية، بعدما توسعت الشركات في استخدام السيولة الفائضة لشراء جزء من أسهمها بدلاً من توزيع الأموال بالكامل على المساهمين في صورة أرباح نقدية أو توجيهها إلى استثمارات جديدة.
وتبدو المعادلة جذابة للوهلة الأولى؛ فكلما انخفض عدد الأسهم المتداولة، ارتفعت حصة السهم الواحد من الأرباح إذا بقي صافي الربح ثابتاً، وهو ما يمكن أن يحسن مؤشرات الربحية ويمنح سعر السهم دعماً في السوق.
لكن خلف هذه المكاسب تظهر معادلة أكثر تعقيداً. فإذا جاءت الأموال المستخدمة في إعادة الشراء من تدفقات نقدية فائضة لا تحتاج إليها الشركة للتوسع، فقد تكون العملية وسيلة فعالة لإعادة رأس المال إلى المستثمرين. أما إذا جرى تمويلها بالديون أو جاءت على حساب الاستثمار والبحث والتطوير، فقد تتحول إلى مصدر للمخاطر بدلاً من أن تكون دليلاً على القوة المالية.
ولهذا أصبح السؤال الذي يشغل المستثمرين أقل ارتباطاً بحجم برنامج إعادة الشراء، وأكثر ارتباطاً بمصدر الأموال المستخدمة فيه وما إذا كانت الشركة تعيد فائضاً حقيقياً إلى مساهميها أم تستخدم الهندسة المالية لتحسين مؤشرات السهم.
مرونة مغرية
تتمتع إعادة شراء الأسهم بميزة رئيسية مقارنة بالتوزيعات النقدية، وهي المرونة. فالشركة تستطيع زيادة مشترياتها أو تقليصها وفق أوضاعها المالية من دون أن تواجه التأثير النفسي نفسه الذي يمكن أن يحدث عندما تخفض توزيعات الأرباح المنتظمة.
وتخفيض التوزيعات النقدية قد يُفسر في الأسواق باعتباره إشارة إلى تراجع التدفقات النقدية أو ضعف التوقعات، ولذلك تميل بعض الإدارات إلى استخدام إعادة الشراء باعتبارها طريقة أقل إلزاماً لإعادة الأموال إلى المساهمين.
كما تحمل العملية أثراً حسابياً مباشراً. فإذا انخفض عدد الأسهم القائمة وبقيت أرباح الشركة دون تغيير، ترتفع ربحية السهم تلقائياً، ويمكن أن ينخفض مضاعف الربحية إذا ظلت القيمة السوقية والأرباح ثابتتين.
طفرة تريليونية
اكتسب الجدل أهمية أكبر بعدما سجلت عمليات إعادة شراء الأسهم عالمياً مستوى قياسياً في 2025، إذ أنفقت الشركات 1.46 تريليون دولار على شراء أسهمها، بزيادة 8.4 % على أساس سنوي، وأضافت نحو 113 مليار دولار إلى قيمة البرامج مقارنة بالعام السابق.
ولم تعد الظاهرة مقتصرة على مجموعة محدودة من الشركات الكبرى، إذ أصبحت 52 % من الشركات العالمية تنفذ برامج لإعادة شراء الأسهم، مقابل 36 % فقط قبل عقد.
وخلال الفترة نفسها، قفزت قيمة عمليات إعادة الشراء 123 %، متجاوزة نمو التوزيعات النقدية البالغ 98 %، لتصبح أداة رئيسية لإعادة رأس المال إلى المساهمين.
وبلغت قيمة إعادة الشـراء عالمياً ما يعادل نحو 75 % من إجمالي التوزيعات المباشرة للمساهمين، لكن الفروق بين الأسواق ظلت واسعة، إذ وصلت النسبة إلى 147 % في الولايات المتحـدة مقابل 13 % فقط في أستراليا.
وتستحوذ الشركـات الأمريكية وحـدها على 71 % من إجمالي عمليات إعادة الشراء العالمية خلال 2025، بعدما زادت مشترياتها 8.5 %، فيما سجلت أسواق أخرى نمواً أسرع، بقيادة كندا بزيادة 67.9 %، وهولندا 53.5 %، وفرنسـا 44.4 %. كما قفزت سنغافورة 62.3 % إلى 1.5 مليار دولار بدعم رئيسي من القطاع المصرفي.
قطاعياً، استحـوذت المؤسســات المالية عـلى 26 % من إجمالي إعـادة الشـراء، مع ارتفاع إنفاقهـا 23.1 % إلى مستوى قياسي بلغ 386 مليار دولار، بينما زادت مشتريات شركات التكنولوجيا 18.5 % إلى مستوى قياسي عند 312 ملياراً.
دين خفي
تظهر المخاطر بصورة أوضح عندما لا تعتمد الشركة على فائض نقدي حقيقي، وإنما تقترض الأموال لشراء أسهمها. ففي هذه الحالة ينخفض عدد الأسهم، لكن ميزانية الشركة تصبح أكثر تعرضاً للديون والصدمات.
ويقدم بنك التسويات الدولية مثالاً مبسطاً لشركة تمتلك أصولاً بقيمة 100 دولار وديوناً بقيمة 30 دولاراً، بما يجعل نسبة الرافعة المالية 0.30. وإذا اقترضت 10 دولارات إضافية لتمويل إعادة شراء أسهم، ترتفع النسبة إلى 0.40. وهنا يصبح تحسين ربحية السهم مصحوباً بارتفاع المخاطر المالية، لأن الشركة تتحمل التزامات أكبر وتصبح أكثر حساسية لارتفاع الفائدة أو انخفاض الإيرادات.
ثمن النمو
يمتد الجدل أيضاً إلى ما تخسره الشركة مقابل الأموال التي تعيدها إلى المساهمين. وتشير تحليلات أكاديمية إلى أن الإفراط في إعادة الشراء قد يزاحم الإنفاق الرأسمالي والبحث والتطوير والاستثمارات التي ترفع الإنتاجية والنمو على المدى الطويل.
وتبرز «بوينج» ضمن الأمثلة المثيرة للجدل، بعدما أنفقت 43 مليار دولار على إعادة شراء الأسهم بين 2013 و2019، وهي قيمة تجاوزت أرباحها خلال الفترة، وسط نقاش بشأن أولويات الإنفاق على التطوير والسلامة.
كما يثير استخدام إعادة الشراء انتقادات عمالية، إذ ترى نقابات أن توجيه مليارات الدولارات إلى المساهمين يمكن أن يأتي على حساب الأجور والمزايا. وفي 2015 أعادت «فيرايزون» شراء أسهم بقيمة 5 مليارات دولار قبل أن تدخل في خلافات بشأن تكاليف العمالة والأجور.
الفائض أم الهندسة المالية؟
لا تمثل إعادة شراء الأسهم في حد ذاتها مؤشراً على قوة الشركة أو ضعفها، إذ يتوقف أثرها على وضع الميزانية ومصدر التمويل والفرص الاستثمارية المتاحة أمام الإدارة.
فالشركة التي تحقق تدفقات نقدية مستدامة ولا تجد مشاريع قادرة على تحقيق عائد مناسب قد تكون إعادة الأموال إلى المساهمين أكثر كفاءة من الاحتفاظ بالسيولة أو إنفاقها على توسعات ضعيفة الجدوى. كما يستطيع المستثمرون إعادة توجيه هذه الأموال إلى شركات وقطاعات تتمتع بفرص نمو أفضل.
لكن المعادلة تنقلب عندما تقترض الشركة لتمويل المشتريات أو تستنزف السيولة الضرورية للاستثمار، أو عندما تستخدم إعادة الشراء لإخفاء ضعف نمو الأرباح التشغيلية عبر رفع ربحية السهم حسابياً.