تسرب البيانات يشعل صراع الذكاء الاصطناعي
فتحت السلطات الصينية جبهة جديدة في المنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة، بعدما بدأت تحقيقاً مع شركتي الذكاء الاصطناعي «ديب سيك» و«مونشوت» بشأن احتمال تسرب بيانات صينية حساسة إلى نماذج تابعة لشركة «أنثروبيك» الأميركية، في تطور ينقل المواجهة بين القوتين من الرقائق والقدرات الحاسوبية إلى أمن البيانات والسيادة الرقمية.
وبحسب ما أوردته مجلة «ذي إنفورميشن»، تحقق إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية في احتمال وقوع خروق لأمن البيانات لدى الشركتين، بعدما زعمت «أنثروبيك» أن «ديب سيك» و«مونشوت» مررتا معلومات حساسة إلى نموذجها للذكاء الاصطناعي «كلود».
وتشمل البيانات التي يُشتبه في انتقالها معلومات مرتبطة بالدولة الصينية والشرطة والجيش، إلا أن التقرير لم يحدد حجمها أو توقيت انتقالها أو الآليات التقنية التي يُعتقد أنها استخدمت في تمريرها.
ولم تعلن السلطات الصينية حتى الآن نتائج التحقيق، كما لم يتضمن التقرير ما يثبت وقوع تسرب فعلي، لتظل المعلومات المتعلقة بتمرير البيانات إلى «كلود» مزاعم منسوبة إلى «أنثروبيك» في انتظار ما تسفر عنه التحقيقات.
ويكتسب الملف أهمية إضافية في ظل المكانة التي أصبحت تحتلها «ديب سيك» و«مونشوت» في صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية، بالتزامن مع سعي بكين إلى بناء نماذج محلية قادرة على منافسة الأنظمة الأميركية وتقليل اعتماد قطاعها التكنولوجي على التقنيات الأجنبية.
لا يقتصر التحرك الصيني على الشركتين موضع التحقيق، إذ أفاد التقرير بأن السلطات استدعت ممثلين عن خمس شركات تكنولوجيا وذكاء اصطناعي بارزة، هي «علي بابا» و«زيبو» و«سينس تايم» و«ميني ماكس» و«شاومي»، لاستجوابهم في إطار التدقيق بالقضية.
ويشير توسيع نطاق الاستدعاءات إلى أن السلطات تبحث في ممارسات قطاع الذكاء الاصطناعي المحلي بصورة أوسع، بدلاً من التعامل مع القضية باعتبارها واقعة منفردة مرتبطة بـ«ديب سيك» و«مونشوت».
وقد يمتد التدقيق إلى آليات تفاعل النماذج الصينية مع الأنظمة الأجنبية، ونوعية المعلومات التي يمكن أن تنتقل خلال هذه العمليات، ومدى كفاية الإجراءات التي تعتمدها الشركات لمنع وصول البيانات الحساسة إلى جهات أو نماذج خارج البلاد.
وتثير القضية أسئلة تتجاوز حماية المعلومات التقليدية، إذ تعتمد عمليات تطوير واختبار نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من البيانات والتفاعل بين أنظمة متعددة، ما يجعل مراقبة مسارات المعلومات إحدى القضايا الأساسية بالنسبة إلى الجهات التنظيمية.
وتزداد حساسية المسألة عندما تكون البيانات مرتبطة بمؤسسات حكومية أو أمنية وعسكرية، إذ يتحول التعامل معها من قضية تجارية أو تقنية إلى ملف يرتبط مباشرة بأمن المعلومات.
صراع البيانات
يأتي التحقيق في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محاور المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. وخلال السنوات الماضية، تركز جانب كبير من هذه المنافسة على الرقائق المتقدمة وقيود التصدير ومراكز البيانات والقدرات الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج.
لكن التحقيق الجديد يضيف البيانات إلى عناصر الصراع، خصوصاً مع تزايد أهميتها في تدريب النماذج وتحسين أدائها. وفي حال ثبوت انتقال معلومات حساسة إلى أنظمة أجنبية، فقد تتجه بكين إلى فرض قيود إضافية على طرق استخدام الشركات المحلية للنماذج الأجنبية أو تفاعلها معها.
وقد تشمل الإجراءات المحتملة تشديد متطلبات حماية البيانات الحكومية والعسكرية والأمنية، وزيادة التدقيق في الأدوات الأجنبية المستخدمة في تطوير النماذج المحلية، إضافة إلى تعزيز الرقابة على تدفقات البيانات بين الأنظمة الصينية والخارجية.
ويبرز هنا مفهوم السيادة الرقمية باعتباره جزءاً متزايد الأهمية من المنافسة التكنولوجية، إذ لم تعد قدرة الدول على تطوير الذكاء الاصطناعي مرتبطة فقط بامتلاك الرقائق والبنية التحتية، بل تشمل أيضاً السيطرة على البيانات وتحديد أين يمكن استخدامها وكيفية انتقالها.
توقيت حساس
يأتي الكشف عن التحقيق في توقيت لافت بالنسبة إلى «ديب سيك»، التي تستعد للمشاركة في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي هذا الأسبوع تتناول مخاطر الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي.
ويضع التحقيق الشركة أمام ملف داخلي حساس بالتزامن مع مشاركتها في نقاش دولي بشأن المخاطر الأمنية للتكنولوجيا، بينما لم تتضح حتى الآن النتائج التي قد تتوصل إليها الجهات الصينية أو ما إذا كانت القضية ستقود إلى إجراءات تنظيمية جديدة.
كما يمكن أن تكون لتوسيع التحقيقات انعكاسات تتجاوز الشركات المستدعاة، خصوصاً إذا قررت بكين إعادة تقييم الضوابط التي تحكم تعامل قطاع الذكاء الاصطناعي المحلي مع النماذج الأجنبية.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه الشركات الصينية على تسريع تطوير نماذج محلية منافسة، ما يجعل قدرتها على الوصول إلى البيانات والتقنيات والحوسبة عنصراً أساسياً في السباق مع الشركات الأميركية.
يكشف التحقيق الصيني عن تحول جديد في طبيعة المنافسة على الذكاء الاصطناعي بين بكين وواشنطن. فبعد أن هيمنت الرقائق المتقدمة وقيود التصدير والقوة الحاسوبية على المواجهة، ينتقل أمن البيانات إلى واجهة الصراع. ومع التحقيق مع «ديب سيك» و«مونشوت» واستدعاء خمس شركات تكنولوجية أخرى، تبدو بكين بصدد فحص أوسع لكيفية تفاعل نماذجها المحلية مع الأنظمة الأجنبية. وستبقى النتائج الفعلية للتحقيق حاسمة في تحديد حجم القضية، خصوصاً أن الادعاءات بشأن انتقال بيانات مرتبطة بالدولة والشرطة والجيش لم تثبت حتى الآن. لكن مجرد فتح الملف يضع أمن المعلومات والسيادة الرقمية في قلب المرحلة المقبلة من سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.