زيادة الإنتاج النفطي تكتسب أهمية كبيرة للكويت
تزايدت شحنات النفط من الكويت عبر مضيق هرمز بوتيرة أعلى، في تطور يعكس تحسُّن حركة الإمدادات عبر أحد أهم الممرات المائية لتجارة الطاقة، رغم استمرار المخاطر الأمنية، واستعادت صادرات الكويت مـن النفط عبر هرمز نحو 70 % من مستويات قبل الحرب، حيث شهدت حركة النفط العابرة للمضيق من مختلف المنتجين الخليجيين تحسنًا ملحوظًا، ما عزّز الإمدادات المتاحة في الأسواق العالمية، في وقت تظلّ فيه حركة الملاحة عبر الممر الملاحي تحت ضغط التطورات الجيوسياسية.
وفي حديث خاص لـ «عالم الاقتصاد» أكد الخبير فـي استراتيجيــات النفط والطــاقــة د. عبدالسميع بهبهاني أن زيادة إنتاج النفط تمثل أهمية كبيرة للكويت في ظل التحديات الراهنة، مبينا أن الزيادة الأخيرة جاءت بصورة أكبر من الحقول القائمة، خصوصاً حقول الشمال، مع إمكانية مساهمة المنطقة المقسومة وحقل الوفرة.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
● تشهد صادرات الكويت من النفط تعافيا، إذ بلغت نحو مليون برميل يوميا، وذلك من خلال عمليات النقل المباشر بين الناقلات خارج مضيق هرمز.. كيف ترى ذلك؟
تعني زيادة الإنتاج الكثير بالنسبة لي، كاختصاصي في الطاقة والاقتصاد، خصوصاً أن الحديث عن هذه الزيادة يحمل أهمية كبيرة في ظل التحديات التي تواجه الكويت، كما أن زيادة إنتاج «أوبك» بنحو 188 ألف برميل يومياً، والتي امتدت من أغسطس إلى سبتمبر، تأتي في إطار الحفاظ على توازن السوق وتجنب أي تباطؤ اقتصادي.
وتمتلك الكويت حالياً القدرة على زيادة إنتاجها، مدعومة بالاكتشافات الجديدة، إلا أن تطوير هذه الاكتشافات يحتاج إلى بعض الوقت، وكانت الزيادة التي حققتها الكويت في يوليو ناتجة، على الأرجح، عن الحقول الخضراء، أي الحقول القائمة التي لا تزال تتمتع بقدرات إنتاجية متاحة.
وأتوقع أن تكون النسبة الأكبر من هذه الزيادة جاءت من حقول الشمال، نظراً إلى جاهزيتها الإنتاجية، وفي المقابل، هناك حقول أخرى تحتاج إلى مزيد من البرمجة والتطوير، مثل النفط الثقيل والحقول الجوراسية المصاحبة للغاز، والتي تتطلب وقتاً لرفع مستويات إنتاجها.
كما قد تكون هناك مساهمة من المنطقة المقسومة، ولا سيما حقل الوفرة، في ظل التعاون القائم مع السعودية، ويمكن الاستفادة من خطوط الأنابيب السعودية في نقل الإنتاج، خصوصاً أن المنطقة المقسومة تُدار مناصفة تقريباً بين البلدين، ورغم أن طاقة الوفرة تصل إلى نحو 150 ألف برميل يومياً، فإن إنتاجها ظل لفترة طويلة دون هذه القدرة، عند مستويات تقارب 70 ألف برميل يومياً.
وتشير استمرارية التصدير والإنتاج في الوقت الراهن إلى تحسن آليات النقل وتجاوز بعض العراقيل اللوجستية التي فرضتها التوترات والاضطرابات الأخيرة، كما ترسل هذه الاستمرارية رسالة إلى الأسواق العالمية مفادها أن الإمدادات الكويتية لا تزال موثوقة وقادرة على تلبية جانب من الطلب العالمي على النفط والمخزونات.
● ما أهمية زيادة إنتاج النفط في الكويت للاقتصاد الوطني، وما انعكاساتها المتوقعة على الإيرادات العامة ؟
اقتصادياً، فإن وجود ممرات مستقرة لتصدير الإنتاج يمثل عاملاً مهماً، خصوصاً مع قدرة الأسعار الفورية على تعويض جانب من النقص في الإمدادات، وهو ما ينعكس إيجاباً على الإيرادات النفطية.
ومن جانب آخر، فإن مواكبة الكويت لحصص «أوبك» تمثل مؤشراً مهماً على قدرتها الإنتاجية ومدى جاهزيتها لتنفيذ الزيادات التي تقررها المنظمة، في ظل متابعة «أوبك» لقدرة كل دولة على الالتزام بحصتها الإنتاجية.
وتعتبر زيادة الإنتاج النفطي خلال الأشهر المقبلة ركيزة أساسية للاقتصاد الكويتي، إذ يسهم رفع الطاقات الإنتاجية في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتخفيف أعباء الموازنة العامة، وتوفير مساحة أكبر لتمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية، كما تمثل زيادة الإنتاج مؤشراً على إمكانية تخفيف الضغوط على الموازنة السنوية للدولة، في حين يشكل المخزون النفطي ضمانة اقتصادية مهمة. ويظل مستوى الإنتاج أحد المؤشرات التي تعكس قدرة الدولة على الاستفادة من احتياطياتها وتحويلها إلى موارد فعلية.
ويمثل ذلك أيضاً عاملاً داعماً لجذب المستثمرين، خصوصاً مع تزايد الاهتمام بالكويت وتطورات قطاعها النفطي، وما توفره زيادة الإنتاج وتطوير الحقول من فرص استثمارية مستقبلية.
ومن منظور متخصص في الطاقة والنفط والغاز، فإن زيادة الإنتاج تمثل كذلك مؤشراً على توجه الكويت نحو تحريك بعض الحقول التي لم تصل بعد إلى كامل طاقتها الإنتاجية، ومنها حقول النفط الثقيل والحقول الجوراسية، إضافة إلى حقول بحرة والرقة الشمالية.
● كيف تقيّم توجه الكويت نحو مد خطوط أنابيب عبر الدول المجاورة وإنشاء منشآت تخزين لضمان استمرار إمدادات النفط الخام والمنتجات البترولية لعملائها في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟
كل مشروع بديل لمضيق هرمز هو في جوهره بوليصة تأمين ضد خطر محتمل، والسؤال ليس إن كان ممكناً هندسياً، بل إن كان ثمن هذه البوليصة أقل من الخسارة المتوقعة.
على مدى عقود، ارتبطت القوة النفطية بحجم الاحتياطيات وتكاليف إنتاجها، إلا أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة أثبتت أن هذه المعادلة لم تعد كافية، فالقيمة الاقتصادية للنفط والغاز أصبحت تقاس أيضاً بقدرة الدول على تأمين سلاسل الإمداد، في مختلف الظروف، ومن هذا المنطلق، تمتلك دول الخليج العربي مقومات يصعب منافستها؛ إذ تضم أكبر تجمع عالمي للثروات الهيدروكربونية في بيئة إنتاج منخفضة التكلفة، مدعومة بملاءة مالية كبيرة وخبرات تشغيلية متراكمة، فضلاً عن موقعها الذي يجعلها القلب النابض لتجارة الطاقة العالمية. ورغم نجاحها في بناء نماذج تعاون مؤثرة، مثل مجلس التعاون الخليجي وأوبك، فإن تكامل هذه المزايا لا يزال دون مستوى الضمان.
تبرز الكويت نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة، فهي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، نجحت في تعزيزها من خلال التوسع في استكشاف المكامن الأكثر تعقيداً، لتحقيق مستهدفات رؤية 2040، ولم يعد النقاش يدور حول زيادة الإنتاج فحسب، بل حول بناء منظومة متكاملة بتوسيع قدرات التخزين، والاستثمار في خطوط الأنابيب والممرات اللوجستية لأمن التصدير، وربطها بمشروعات النقل الإقليمية، فالتحدي هو إيصال الانتاج إلى الأسواق العالمية بكفاءة واستمرارية، مهما بلغت التحديات الجيوسياسية.
بدائل تصدير النفط الكويتي
من هنا عند مناقشة بدائل تصدير النفط الكويتي بعيداً عن مضيق هرمز، ينبغي أن ينطلق التقييم من منظور فني ولوجستي واقتصادي، بعيداً عن الاعتبارات العاطفية أو الطروحات غير المدعومة بالحقائق، فالخيارات النظرية متعددة، تشمل البدائل المطروحة الربط مع ينبع، وجيهان، والفجيرة، وسوميد، والموانئ الإيرانية، إضافة إلى خيار النقل السككي، لنقل النفط إلى منافذ أكثر أمناً، غير أن جميعها تصطدم بالسياسة قبل الهندسة، فقد شهد الشرق الأوسط إنشاء أكثر من أربعة عشر خط أنابيب رئيسياً، توقف معظمها بفعل الحروب والخلافات السياسية.
وفي المقابل نجحت السعودية والإمارات في إنشاء خطوط داخلية عززت نسبيا أمن صادراتهما، فإن أي مشروع عابر للحدود يظل رهناً بالتوافق السياسي والجدوى الاقتصادية واستدامة التشغيل.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن أكثر الخيارات واقعية للنقاش هو الربط بين الكويت وميناء ينبع، رغم ما يتطلبه هو الآخر من ترتيبات استراتيجية واستثمارات كبيرة، يستوجب تقييم خيارات نقل النفط عبر خطوط الأنابيب فهماً دقيقاً لآلية احتساب رسوم العبور والتشغيل، بعيداً عن الانطباعات العامة، فالعقود الدولية لا تعتمد على تعرفة موحدة، وإنما تُحدد وفق عوامل رئيسية تشمل طول الخط، والطاقة الاستيعابية، والتضاريس، وحجم التدفقات، وكلفة التمويل والتشغيل، فضلاً عن مستوى المخاطر السياسية. وبصورة عامة، تتراوح رسوم نقل النفط الخام بين نحو 2 دولار للبرميل (لمسافة 500 كم)، بينما تنخفض في بعض الخطوط الرئيسة ذات السعات الكبيرة إلى أقل من دولار واحد للبرميل. وفي المشروعات العابرة للحدود، يضاف عادة بند «اشحن أو ادفع» الذي يُلزم المنتج بدفع رسوم السعة المحجوزة حتى في حال تعذر الضخ، بما يضمن للمستثمر استرداد رأس المال واستمرارية المشروع.
وفي الحالة الكويتية، فإن أي مشروع لتصدير النفط عبر أراضي دولة أخرى يفترض إنشاء منظومة متكاملة تشمل خطوط الأنابيب، ومحطات الضخ، والخزانات، والموانئ، بما يعني استثمارات رأسمالية بمليارات الدولارات. وإذا افترضنا أن دولة العبور تتحمل كامل التمويل والتنفيذ مع استهداف عائد استثماري يقارب 10 %، فإن التكلفة الإضافية على النفط الكويتي قد تصل إلى نحو 3.5 دولارات للبرميل، في الظروف الاعتيادية، بخلاف تكاليف الناقلة في الطرف الاخر.
● كيف يمكن أن تتعامل «أوبك+» مع الأسعار المرتفعة حالياً؟ وهل تعيد النظر في سياسات الإنتاج إذا استمرت اضطرابات الإمدادات؟
أسعار النفط ستظل رهينة الجغرافيا السياسية أكثر من رهينة الاقتصاد خلال العامين المقبلين، برأيي كمراقب، لا يمكن تقييم قرار «أوبك+» بمعزل عن البيئة الاستثنائية التي تمر بها سوق النفط العالمية، فالقرار لم يكن مجرد استجابة لمعادلات العرض والطلب، بل جاء نتيجة موازنة معقدة بين اعتبارات فنية وتجارية وجيوسياسية، فمن جهة، يتزايد الطلب الأوروبي على النفط، بينما يشهد الطلب الآسيوي، وهو السوق التقليدي لنفوط الخليج، تباطؤًا ملحوظًا.
ومن جهة أخرى، تواجه السوق مزيجًا من الضغوط يتمثل في تباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو مؤثر مباشر للطلب العالمي، وارتفاع قيمة الدولار، واستمرار بعض الاستثناءات من سقوف الإنتاج، وارتفاع المخزونات العائمة، إلى جانب الزيادة الكبيرة في صادرات الخام من الخليج وروسيا وإيران.
وفي المقابل، تدرك «أوبك+» أن استمرار تقييد الإنتاج يحمل مخاطر لا تقل أهمية، منها فقدان الحصص السوقية، وتضرر بعض الأعضاء غير القادرين على تعويض انخفاض صادراتهم، فضلًا عن تهديد تماسك المنظمة في وقت تعتمد فيه اقتصادات العديد من الدول الأعضاء على إيرادات النفط لتمويل مشاريع تنموية ضخمة.
لذلك، أرى أن قرار زيادة الإنتاج يمثل محاولة لتحقيق توازن بين حماية وحدة التحالف والحفاظ على الحصة السوقية، مع الاستعداد لاحتمال تشدد السوق لاحقًا نتيجة نمو الطلب، أو تراجع الاستثمارات، أو تعويض نقص إمدادات الغاز بالنفط. اعتقد ان قرار الزيادة ليس بالضرورة زيادة فعلية في المعروض؛ لأن بعض الدول لا تمتلك طاقة إنتاجية فائضة، بينما دول أخرى سبق أن تجاوزت حصصها أو ستستعيد فقط جزءًا من التخفيضات الطوعية .ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة القرار في اجتماع أغسطس المقبل تبدو خطوة طبيعية، بل وقد تسبق تنفيذ الزيادة إذا طرأت متغيرات جوهرية على السوق.
● هل من الممكن أن نرى ضغوطا قوية قد تدفع اسعار النفط إلى الانخفاض على المدى المتوسط؟.. وما طبيعة تلك الضغوط؟
رغم أنني أرى أن فرص ارتفاع أسعار النفط على المدى المتوسط لا تزال أكبر من فرص هبوطها، فإن السوق ليست بمنأى عن ضغوط قد تدفع الأسعار إلى الانخفاض.
ويتمثل أبرز هذه الضغوط في زيادة صادرات النفط الخام من بعض المنتجين الرئيسيين، مثل روسيا وإيران والعراق والإمارات، بما قد يؤدي إلى فائض في المعروض إذا لم يقابله نمو مماثل في الطلب.
كما أن احتدام المنافسة على الحصص السوقية، من خلال تقديم خصومات سعرية متزايدة، قد يضغط على الأسعار ويؤثر في معايير تسعير الخامات العالمية، ويضاف إلى ذلك استمرار تباطؤ ثم خطر انتكاسة الاقتصاد العالمي، وما يترتب عليه من ضعف في نمو الطلب على الطاقة.
أما العامل الأكثر حساسية، فهو أي تراجع في تماسك تحالف «أوبك+»، إذ إن فقدان التنسيق بين كبار المنتجين قد يعيد الأسواق إلى مرحلة فائض المعروض والمنافسة غير المنضبطة. ولا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي، حيث لا تنظر بعض القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بارتياح إلى قدرة «أوبك+» على إدارة السوق والتأثير في مستويات الأسعار عبر موازنة العرض والطلب.
● إلى أى مدى يمكن أن تتراجع أسعار النفط خلال الفترة المقبلة خاصة ان هناك ناقلات تخزن نفطا بشكل كبير انتظارا للمرور من مضيق هرمز ؟
الخطر الحقيقي على أسعار النفط ليس ضعف الطلب، بل سباق المنتجين على الحصص السوقية، يصعب الحديث عن تراجع حاد في أسعار النفط خلال الفترة المقبلة، لأن السوق لا تزال تتأثر بعوامل جيوسياسية تتغير بسرعة، ومع ذلك، إذا استمر انسياب الإمدادات بصورة طبيعية، فمن المرجح أن تنحسر علاوة المخاطر التي رفعت الأسعار خلال فترات التوتر.
ويُلاحظ اليوم وجود تباين واضح بين توقعات أسواق المال وأسواق الاستهلاك الفعلي، إذ تتداول كثير من التقديرات طويلة الأجل لخام برنت ضمن نطاق 65–75 دولارًا للبرميل، مع بقاء المنافسة على الحصص السوقية عاملًا ضاغطًا عبر الخصومات السعرية وزيادة الصادرات.
وفي حال عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز خلال الأشهر المقبلة، وعبور الناقلات التي خزنت كميات كبيرة من النفط انتظارًا لتحسن الظروف، إلى جانب استمرار تدفق الإمدادات من روسيا وإيران ومنتجين آخرين، فمن المتوقع أن تتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، وتنتقل السوق تدريجيًا من هاجس نقص الإمدادات إلى قدر أكبر من الاطمئنان، وهو ما قد يؤدي إلى تذبذب الأسعار ضمن نطاق يتراوح بين 5 و10 دولارات صعودًا أو هبوطًا وفق تطورات السوق.
وبناءً على هذه الفرضيات، أُقدّر متوسط خام برنت بنحو 76 دولارًا للبرميل في 2026 مع استمرار وفرة المعروض، وارتفاعه إلى نحو 80 دولارًا في 2027 إذا بدأت السوق تواجه عجزًا تدريجيًا، قبل أن يعود إلى حدود 70 دولارًا في 2028 مع توسع التخزين التجاري والاستراتيجي وعودة فائض المعروض.